بث تجريبي
جمال طه

حرب إيران وانقلاب قواعد الاشتباك

آراء حرة - جمال طه
جمال طه
كاتب مصري

ادارة ترامب التزمت بأمن ومصالح إسرائيل، لكنها رفضت الانصياع لتوجيهاتها، خاصة فيما يتعارض والمصالح الأمريكية، الاعتماد عليها لتنفيذ «الشرق الأوسط الجديد» منذ 2006 خرَّب الإقليم بحروب متواصلة، ودمر علاقات أمريكا ومصالحها مع دوله، لأن إسرائيل حركتها أطماعها التلمودية بعيدًا عن اعتبارات المصلحة والتوازنات الاستراتيجية، ما أدى إلى انفجار أزمة غير مسبوقة بينها وبين الإدارة الأمريكية؛ «جى دى فانس» اتهمها بتمويل حملات تأثير على الرأى العام الأمريكى، وأكد ارتباط «إبستين» بالموساد، فانقسمت الأصوات والمنظمات اليهودية؛ بين مؤيد إنقاذا للمنطقة، وغاضب مما اعتبره تخليا عن إسرائيل، «أوليفيا ويلز» متحدثة البيت الأبيض أكدت «الرئيس ونائبه متفقان على نفس الرأي».

«أكسيوس» أكد مطالبة ترامب لنتنياهو بسحب قواته من سوريا ولبنان «إنهم لا يريدونك هناك.. يجب عليك إعادة الانتشار»، وأضاف أن تفاهمات إسرائيل والمعارضة السورية فى الجولان كانت جيدة، ما يسمح بالتنسيق مع داخلية «الشرع» بعد نجاحها فى السيطرة على التهديدات الإرهابية بسوريا، خاصة وأنه اشترط استعادة سيادة الدولة الكاملة على أراضيها للاتفاق مع إسرائيل، نتنياهو رفض وشيد خطوطا دفاعية ثابتة، وبدأت محاولات تسلل المدنيين لتشييد مستوطنات.

«الشرع» رفض مبدأ التدخل العسكرى للجيش السورى أو اللبنانى ضد حزب الله، لأن «الصراع يجعل الجميع صيدا سهلا لإسرائيل»، مفضلا دعم الدولة اللبنانية وضبط حدودها لمنع عمليات تهريب الأموال والأسلحة، قبل بدء حوار الدولة اللبنانية لتنفيذ خطة سحب السلاح كما حدث بسوريا ويحدث بالعراق، وعلى هامش اجتماعات حلف «ناتو» بأنقرة، أعطى ترامب الضوء الأخضر لأردوغان لإدخال بطاريات دفاع جوى لسوريا، وبوارج الأسطول للاذقية، لتحقيق توازن رادع لإسرائيل، وحماية قاعدة «التنف».

ترامب استقبل «على الزيدى» رئيس وزراء العراق مؤكدا أن إيران تمثل عبئا على العراق ينبغى التخلص منه، الزيدى أكد عزمه نزع سلاح الفصائل وحصره بيد الدولة بحلول 30 سبتمبر 2026، فصائل قبلت «سرايا السلام التابعة للصدر، عصائب أهل الحق، كتائب الإمام على، منظمة بدر...»، ورفضته أخرى «حزب الله، حركة النجباء، سيد الشهداء، أولياء الدم، أصحاب الكهف، كربلاء..»، واشنطن علّقت المدفوعات النقدية لعائدات النفط والمساعدات الأمنية ضمانا لجدية التنفيذ، وتعهدت بفتح أبواب الشراكة الاستراتيجية والاستثمارات للشركات الأمريكية بدلا من التواجد العسكرى المباشر، مما قد يهدد بتهريب إيران لشحنات ضخمة من الأسلحة، لمنع تصفية الفصائل الموالية لها.

ولدعم النظامين العراقى والسورى تعمل أمريكا على إنشاء ممر نفطى «البصرة/حديثة» بتكلفة 4.6 مليار دولار وسعة 2.25 مليون برميل/يوم، على أن يتم ربطه بامتدادات خط «كركوك/بانياس» بعد إعادة تأهيله، بتكلفة 8 مليارات دولار، لتصدير النفط بعيدا عن هرمز، وحصول سوريا على رسوم عبور سنوية «200 مليون دولار»، ولما كان ذلك يضر بوضع تركيا فى خريطة الطاقة الإقليمية ويشل خط أنابيب «كركوك/جيهان»، فقد عوضها ترامب بدراسة رفع الحظر عن بيع طائرات F-35، ما شجع أنقرة على البحث عن تصريف بطاريات الدفاع الصاروخى S-400 لإحدى دول الخليج ضمانًا لرفع العقوبات.

الرئيس اللبنانى «جوزيف عون» استعرض مع ترامب خطة انتشار الجيش اللبنانى فى الجنوب، وتثبيت «الاتفاق الإطارى» لوقف العدوان الإسرائيلى، مؤكدًا أن الجيش عاجز وحده عن نزع سلاح حزب الله، ويرفض تولى إسرائيل أو القوات السورية لتلك المهمة، محذرًا من عودة الحرب الأهلية للبلاد.. الرؤية الأمريكية لدور الدول العربية فى الصراع ضد إيران تنطوى على حلول قد تهدد بتفجير حروبًا أهلية فى العراق ولبنان، أو حرب سورية/لبنانية.

محاولة إيران فى خضم الأزمة كسر الحصار المفروض على اليمن منذ مارس 2015 تمت فى توقيت مريب، حاولت فيه جر صنعاء للمشاركة المباشرة فى الحرب تخفيفًا عنها وزيادة للضغط على واشنطن، التى تحسبت لذلك الاحتمال، ووضعت فى اعتبارها احتمالية تدخل قوى إقليمية «مصر وباكستان» ودولية «حلف ناتو» لكسر شوكة الحوثيين وتأمين الملاحة عبر المضيق لتتفرغ واشنطن للعمل ضد إيران.. محاولة دفع الحوثيين للمشهد كان تنفيذا لعملية دمج جبهتى مضيقى هرمز وباب المندب، لوقف حركة التجارة والطاقة بالمنطقة والعالم بشكل كامل لمزيد من الضغط.. قصف مطار صنعاء، واستهداف مطار أبها ثم ميناء ينبع أكبر موانئ الساحل الشرقى للبحر الأحمر، أنهى هدنة 2022 وأجهض اتفاق بكين 2023 للمصالحة الإيرانية السعودية، الواقع تغير على الأرض، وحرب البنية الأساسية والمرافق الحيوية صارت تهدد دول الإقليم.

القادة الإيرانيون، كانوا يعتقدون أنها ضربات متفاوتة كما كانت سابقاً، ولكنهم صاروا يرونها وقد أصبحت حربًا حقيقية انقلبت فيها قواعد الاشتباك، وتبدلت علاقاتهم بدول الخليج، وتوارى دور إسرائيل تجنبًا لإفساد الجهود الأمريكية لحث دول الخليج على المشاركة المباشرة، بنفس الآلية التى التزمت بها عندما لم ترد على قصف صدام حسين حتى لا تجهض المشاركات العربية فى قوة تحرير الكويت 1991، وإبعاد الانطباع بأنهم يقفون فى نفس الخندق مع إسرائيل.

‏اتفاق إنهاء الحرب ألغاه ترامب، وباب التفاوض أغلقه الحرس الثورى عندما أمر بعودة وفد التفاوض من سلطنة عُمان، و«آية الله أعرافى» مدير الحوزات العلمية أفتى «التفاوض انتهى والمرحلة القادمة جهاد وصمود»، اتفاق الحرس الثورى والحوزات العلمية على الحرب رغم تدمير لم تعرفه دولة منذ الحرب العالمية الثانية مثل انتحارًا لإيران، وامتدادًا لنيران الحرب ودمارها للخليج.

إيران تعرضت لانتكاسة أشبه بالعراق وأفغانستان؛ لكن اتساع جغرافيتها وتضاريسها الوعرة وكثافتها السكانية يفرض التدمير بديلا للاحتلال، وقد يكتفى باحتلال سواحل وجزر تأمينًا لهرمز، وتلك كارثة أمنية إقليمية بما سببته من خسائر، وما تهدد به من موجات هجرة غير شرعية.

نقلا عن صحيفة المصري اليوم