لا أحد، غنياً كان أم فقيراً، يحب الضرائب. إنها ضيف غير مرغوب فيه، لكنه يأتى سواء رضى الناس أم كرهوا. يقول الأديب الأمريكى الشهير مارك توين (١٨٣٥- ١٩١٠): «الفرق بين الموت والضرائب، أن الموت لا يزداد سوءا فى كل مرة يجتمع فيها البرلمان لإقرار ضريبة أو زيادة أخرى». مُواطِنه بنجامين فرانكلين أحد مؤسسى أمريكا (١٧٠٦- ١٧٩٠)، سبقه بالقول: «فى هذا العالم، لا يمكن تأكيد أى شىء باستثناء الموت والضرائب».. لكن لا بُد مما ليس منه بُد. الحكومات تلجأ إليها لتمويل الخدمات العامة وتقليل عجز الميزانية. فى الحالة التى أتناولها هنا، من يطلب زيادة الضريبة ليس الحكومات، بل مجموعة باحثين فى مجال الصحة والطب.
منصة «ذا كونفرسيشن» العالمية، المهتمة بالمجتمع الأكاديمى والبحثى، نشرت قبل أيام مراجعة لدراسة علمية عن أضرار المشروبات السُكرية والمُحلاة والغازية فى مصر. هناك ارتباط وثيق بين زيادة هذه المشروبات وتزايد معدلات الإصابة بمرض السكر (النوع الثانى) وأمراض القلب والأوعية الدموية. معدل السمنة بين البالغين المصريين ارتفع من ٢٢٪ إلى ٣٢٪ خلال العقدين الماضيين. كما أن الأمراض غير المعدية الناتجة غالبا عن أنماط سلوكية وحياتية خاطئة مسؤولة عن ٨٤٪ من إجمالى الوفيات.. كل ذلك يحدث فى بلد يعانى بالفعل من أعباء صحية واقتصادية لا تساعد فى مواجهة هذه الهجمة الشرسة من الأمراض.
تشير الدراسة إلى أن مصر تفرض حاليا ضريبة مبيعات بنسبة ١٤٪ على جميع المشروبات وضريبة عامة على المشروبات غير الكحولية، لكنها لا تفرض ضريبة محددة على المشروبات السُكرية. طرح الباحثون سؤالا: ماذا يحدث لو فرضت مصر ضريبة على المشروبات السُكرية بنسبة ٢٠٪، وهو المستوى الذى تنصح به منظمة الصحة العالمية كحد أدنى لتحقيق تأثير ملموس فى الصحة العامة؟! على الفور، سترتفع الأسعار بما لا يقل عن هذه النسبة. سيقل الإقبال على شراء المشروبات السُكرية أو استهلاك كميات أقل منها، بما يعنى الحصول على سعرات حرارية أقل. سيؤدى ذلك لانخفاض الوزن وتراجع الإصابة بالأمراض المرتبطة بالسمنة مثل السُكر وأمراض القلب والسرطان وتسوس الأسنان.
بحسابات معينة، ذكرت الدراسة أن فرض هذه النسبة الضريبية من شأنه انخفاض السمنة بمعدل ٣٥٠ ألف حالة وتراجع الإصابة بالسكر من النوع الثانى ٢٥٠ ألفاً ومنع حدوث ٦٥ ألف حالة أمراض قلب و٣٩ ألف سكتة دماغية و٢٧٠٠ إصابة جديدة بالسرطان وما يقرب من ٣١ مليون حالة تسوس. كل ذلك سيوفر ١.٨ مليار دولار (أى ٨٪ من ميزانية الصحة بمصر) خلال عام. سيزيد أيضا العمر الصحى للمصريين (وهو مقياس يجمع بين طول العمر وجودة الحياة). الشباب، وهم الأكثر استهلاكاً للمشروبات السُكرية وكذلك النساء اللاتى ترتفع بينهن معدلات السمنة أكثر المستفيدين. جنوب إفريقيا طبقت هذه الضريبة التى نتج عنها انخفاض شراء المشروبات بنسب وصلت إلى ٣٢٪. بالطبع، هناك عوائق كثيرة أمام فرض هذه الضريبة بمصر، أبرزها لوبى مصالح شركات إنتاج المشروبات الغازية والعصائر المُصنّعة ومصانع السكر.. لكن أمام صحة المصريين والإحصاءات المُرعبة وما نراه بأنفسنا، من الضرورى مُواجهة هذا اللوبى، بل فضحه.
نقلا عن صحيفة المصري اليوم