بث تجريبي

«صفر جمارك».. كيف تعيد الصين رسم خريطة النفوذ في إفريقيا؟

تقدير موقف - Foresight

في الوقت الذي تتجه فيه الاقتصادات الكبرى نحو المزيد من الحمائية التجارية وتصاعد الحروب الاقتصادية، اختارت الصين توجيه رسالة مختلفة إلى القارة الإفريقية. فقد أعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ إلغاء الرسوم الجمركية على الواردات القادمة من جميع الدول الإفريقية التي تربطها علاقات دبلوماسية مع بكين، في خطوة تتجاوز أبعادها الاقتصادية المباشرة لتكشف عن مرحلة جديدة من الاستراتيجية الصينية في إفريقيا.

ظاهرياً يبدو القرار إجراءً تجارياً يهدف إلى تسهيل دخول المنتجات الإفريقية إلى السوق الصينية. لكن في العمق، يعكس توجهاً صينياً متصاعداً لتوظيف أدوات الاقتصاد والتجارة والاستثمار في تعزيز النفوذ السياسي والجيوسياسي داخل القارة التي باتت تمثل إحدى أهم ساحات التنافس الدولي في القرن الحادي والعشرين.

إفريقيا في قلب الاستراتيجية الصينية

منذ مطلع الألفية الجديدة لم تعد إفريقيا مجرد مصدر للمواد الخام بالنسبة للصين، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في رؤيتها الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.

فخلال العقدين الماضيين، أصبحت الصين أكبر شريك تجاري للقارة الإفريقية، متجاوزة القوى الاستعمارية الأوروبية التقليدية والولايات المتحدة. كما ضخت مئات المليارات من الدولارات في مشاريع البنية التحتية والطاقة والموانئ والطرق والسكك الحديدية، مستفيدة من مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها شي جينبينغ عام 2013.

واليوم، ومع احتدام المنافسة مع الولايات المتحدة وتزايد الضغوط التجارية الغربية على الصين، باتت إفريقيا تمثل بالنسبة لبكين أكثر من مجرد سوق أو مصدر للموارد الطبيعية؛ إنها فضاء استراتيجي يمنح الصين عمقاً اقتصادياً وسياسياً في مواجهة الضغوط الغربية.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم قرار الإعفاء الجمركي الشامل باعتباره جزءاً من عملية إعادة تموضع أوسع تهدف إلى ترسيخ ارتباط الاقتصادات الإفريقية بالسوق الصينية على المدى الطويل.

من المساعدات إلى الاندماج الاقتصادي

لطالما تعرضت الصين لانتقادات غربية تتهمها باستخدام القروض والاستثمارات لإغراق الدول الإفريقية في الديون وتعزيز نفوذها السياسي. لكن بكين تحاول في السنوات الأخيرة تقديم نموذج مختلف يقوم على الانتقال من مرحلة التمويل والبنية التحتية إلى مرحلة الاندماج التجاري.

فبدلاً من الاكتفاء ببناء الطرق والموانئ، تسعى الصين إلى جعل تلك البنية التحتية جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة ترتبط بالسوق الصينية الضخمة.

وتدرك بكين أن النفوذ المستدام لا يتحقق فقط عبر القروض والاستثمارات، بل عبر خلق مصالح اقتصادية متبادلة تجعل الشركاء يعتمدون على الاقتصاد الصيني بصورة متزايدة.

ولهذا فإن إلغاء الرسوم الجمركية لا يمثل تنازلاً اقتصادياً بسيطاً بقدر ما يمثل استثماراً استراتيجياً طويل الأجل في توسيع دائرة النفوذ الصيني داخل القارة.

مواجهة غير مباشرة مع واشنطن

يصعب فصل القرار الصيني عن السياق الدولي الأوسع، وخاصة تصاعد التنافس مع الولايات المتحدة.

فمنذ اندلاع الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، عملت الصين على تنويع أسواقها التجارية وتقليل اعتمادها على الأسواق الغربية. ومع استمرار السياسات الحمائية الأمريكية وفرض الرسوم الجمركية والعقوبات التجارية، أصبحت الأسواق الناشئة تمثل أهمية متزايدة للصين.

وفي هذا الإطار تبدو إفريقيا خياراً مثالياً. فهي قارة تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، وتتمتع بأسرع معدلات النمو السكاني في العالم، وتملك احتياطيات ضخمة من المعادن الاستراتيجية الضرورية للصناعات المستقبلية، من النحاس والكوبالت والليثيوم إلى المعادن النادرة المستخدمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة.

وبالتالي فإن بكين لا تقدم فقط امتيازات تجارية للدول الإفريقية، بل تسعى أيضاً إلى بناء كتلة اقتصادية وسياسية داعمة لها في مواجهة الضغوط الغربية داخل المؤسسات الدولية وفي الأسواق العالمية.

المعادن الإفريقية: المحرك الحقيقي

رغم الخطاب الرسمي الذي يركز على التنمية المشتركة والتعاون جنوب-جنوب، فإن المصالح الاقتصادية الصينية تظل المحرك الأساسي لهذه السياسة.

فالصين تعد أكبر مستهلك للمعادن والمواد الخام في العالم، وتحتاج إلى تدفقات مستقرة من الموارد لدعم صناعاتها العملاقة.

وتكشف البيانات التجارية أن المعادن تمثل النسبة الأكبر من الصادرات الإفريقية إلى الصين، وخاصة النحاس من زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والحديد والمنغنيز من جنوب إفريقيا، والبوكسيت من غينيا، إضافة إلى النفط والغاز من عدد من الدول الإفريقية.

ومن هنا فإن تسهيل دخول المنتجات الإفريقية إلى السوق الصينية لا يهدف فقط إلى مساعدة الاقتصادات الإفريقية، بل أيضاً إلى تأمين احتياجات الصين المستقبلية من المواد الخام الاستراتيجية في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة عالمياً.

هل تستفيد إفريقيا فعلاً؟

رغم الترحيب الإفريقي الواسع بالقرار، فإن السؤال الأكثر أهمية يتعلق بمدى قدرة الاقتصادات الإفريقية على الاستفادة منه.

فالمشكلة الأساسية لا تكمن في الرسوم الجمركية بقدر ما تكمن في طبيعة الصادرات الإفريقية نفسها.

إذ تعتمد معظم الدول الإفريقية على تصدير المواد الخام والموارد الأولية، بينما تمتلك قدرات محدودة في مجال التصنيع والتحويل الصناعي. وبالتالي فإن إزالة الحواجز الجمركية قد تزيد حجم الصادرات، لكنها لا تضمن بالضرورة تحقيق تحول هيكلي في الاقتصادات الإفريقية.

وتجربة الاتحاد الأوروبي مع مبادرة "كل شيء ما عدا السلاح" تقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فرغم منح عشرات الدول الأقل نمواً إمكانية الوصول المعفى من الرسوم إلى الأسواق الأوروبية، فإن المكاسب ظلت محدودة بسبب ضعف القاعدة الصناعية في تلك الدول.

وبالمثل، قد تجد العديد من الدول الإفريقية نفسها قادرة على تصدير المزيد من المواد الخام إلى الصين دون أن تتمكن من بناء صناعات محلية قادرة على تحقيق قيمة مضافة حقيقية.

القوة الناعمة الصينية في ثوب اقتصادي

بعيداً عن الأرقام التجارية، يمثل القرار جزءاً من استراتيجية أوسع للقوة الناعمة الصينية.

فبينما ترتبط المساعدات الغربية غالباً بشروط تتعلق بالحكم الرشيد والديمقراطية وحقوق الإنسان، تقدم الصين نفسها كشريك لا يتدخل في الشؤون الداخلية للدول ولا يربط التعاون الاقتصادي باعتبارات سياسية.

هذا الخطاب يجد صدى واسعاً لدى العديد من الحكومات الإفريقية التي تنظر بعين الريبة إلى الضغوط الغربية، وتفضل نموذج التعاون الصيني القائم على البراغماتية الاقتصادية.

ومن خلال الجمع بين الاستثمار والبنية التحتية والتجارة ونقل التكنولوجيا، تعمل بكين على بناء شبكة نفوذ تمتد من الموانئ والمناجم إلى الأسواق ومراكز القرار السياسي.

نحو مرحلة جديدة من التنافس على إفريقيا

تكشف خطوة "صفر جمارك" أن التنافس على إفريقيا دخل مرحلة جديدة تتجاوز المساعدات التقليدية والصراعات الدبلوماسية.

فالقارة التي كانت تُنظر إليها سابقاً باعتبارها هامشاً في الاقتصاد العالمي أصبحت اليوم ساحة مركزية للصراع على الموارد والأسواق والنفوذ السياسي.

وتدرك الصين أن المستقبل الاقتصادي العالمي سيتحدد بدرجة كبيرة في آسيا وإفريقيا، ولذلك تسعى إلى ترسيخ حضورها داخل القارة قبل أن تتمكن القوى المنافسة من استعادة مواقعها.

في هذا السياق، لا يبدو قرار الإعفاء الجمركي مجرد مبادرة تجارية، بل خطوة محسوبة ضمن استراتيجية صينية طويلة المدى تهدف إلى تحويل النفوذ الاقتصادي إلى نفوذ سياسي، وتحويل الشراكة التجارية إلى شراكة استراتيجية، وربط مستقبل النمو الإفريقي بصورة متزايدة بالاقتصاد الصيني.

وبينما تكسب الدول الإفريقية فرصة أكبر للوصول إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فإن بكين تكسب ما هو أهم: توسيع دائرة نفوذها في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية لموازين القوة خلال العقود المقبلة.