الحوثيون يعيدون تشكيل معادلة النفوذ في البحر الأحمر

تقدير موقف - Foresight

لم تعد الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة محصورة في الخليج العربي أو مرتبطة حصراً بمضيق هرمز. فمع تصاعد العمليات العسكرية في اليمن وتقدم جماعة أنصار الله الحوثية على الساحل الغربي للبلاد، بدأت خريطة الصراع تتسع لتشمل واحداً من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم: مضيق باب المندب.

ويكتسب هذا التطور أهمية استثنائية لأن مضيق باب المندب لا يمثل مجرد نقطة عبور بحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن، وإنما يشكل الحلقة الجنوبية في منظومة نقل تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط. وبالتالي، فإن تحول المنطقة المحيطة به إلى ساحة صراع نشطة يمكن أن يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى أزمة الطاقة العالمية، في وقت تعاني فيه الأسواق أصلاً من تداعيات الاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وفي هذا السياق، يمثل استيلاء الحوثيين على مدينة المخا وتقدمهم نحو مناطق وجزر استراتيجية قريبة من باب المندب تطوراً يتجاوز الحسابات اليمنية الداخلية. فالجماعة باتت تملك، أو تقترب من امتلاك، قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة الدولية، بينما تحصل إيران بصورة غير مباشرة على ورقة ضغط إضافية في مواجهتها مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.

من هرمز إلى باب المندب: انتقال مركز الضغط

شكّل مضيق هرمز خلال الأشهر الماضية أهم أدوات الضغط الاستراتيجي الإيرانية. فقد أدى انخفاض حركة النفط عبر المضيق إلى إعادة توزيع مسارات التصدير في الخليج، ودفع الدول المنتجة، وفي مقدمتها السعودية، إلى البحث عن طرق بديلة للوصول إلى الأسواق العالمية.

وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية حجم التحول. فقد انخفض متوسط كميات النفط الخام وسوائل النفط العابرة لمضيق هرمز من نحو 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الرابع من عام 2025 إلى 4.9 مليون برميل يومياً في الربع الثاني من عام 2026. وفي المقابل، ارتفعت الكميات العابرة لباب المندب من 5.4 مليون برميل يومياً في الربع الرابع من 2025 إلى 8.1 مليون برميل يومياً في الربع الثاني من 2026.

هذه الأرقام تكشف جوهر المشكلة الجديدة: كلما تراجعت إمكانية استخدام هرمز، ازدادت القيمة الاستراتيجية للطرق البديلة، ولا سيما المسار الذي يبدأ من موانئ البحر الأحمر السعودية.

وهنا تحديداً تكمن أهمية باب المندب بالنسبة إلى الرياض. فقد أفادت بيانات منشورة بأن صادرات السعودية المنقولة بحراً من النفط الخام عبر المضيق بين مارس ومنتصف يوليو 2026 كانت أعلى بنحو ثماني مرات مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في مؤشر واضح إلى تزايد اعتماد المملكة على هذا المسار بعد اضطراب الملاحة في الخليج.

ومن ثم، فإن التقدم الحوثي باتجاه باب المندب لا يهدد طريقاً تجارياً بعيداً عن مركز الصراع فحسب، بل يستهدف بصورة غير مباشرة أحد أهم البدائل التي تعتمد عليها السعودية لتقليل تعرض صادراتها للاضطرابات في مضيق هرمز.

لماذا يمثل باب المندب ورقة استراتيجية مختلفة؟

يقع باب المندب بين الساحل اليمني والقرن الأفريقي، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. ومن خلاله تمر السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن باب المندب وقناة السويس وخط أنابيب سوميد تمثل معاً مسارات استراتيجية لنقل النفط والغاز من الخليج إلى أوروبا والأسواق الأطلسية. كما أن اضطرابات الملاحة منذ هجمات الحوثيين على السفن التجارية في نهاية 2023 دفعت عدداً من شركات النقل إلى تحويل سفنها حول رأس الرجاء الصالح، وهو مسار أطول وأكثر كلفة.

وتكمن خطورة باب المندب في أن تعطيل الملاحة فيه لا يتطلب بالضرورة إغلاق المضيق بصورة رسمية. فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية يمكن أن يكون كافياً لرفع أقساط التأمين، وزيادة تكاليف الشحن، ودفع شركات النقل إلى إعادة تقييم المسار بأكمله.

وهذا ما يجعل السيطرة على المناطق الساحلية والجزر القريبة من المضيق ذات قيمة عسكرية وسياسية كبيرة. فقد أفادت تقارير حديثة بأن الحوثيين وصلوا إلى جزيرة بريم، المعروفة أيضاً باسم ميون، الواقعة في قلب المضيق تقريباً، بعد السيطرة على المخا والتقدم على الساحل الغربي. ويمنح ذلك الجماعة موقعاً أكثر ملاءمة لتهديد حركة السفن حتى من دون فرض حصار بحري كامل.

المخا ليست مجرد مدينة يمنية

تكتسب مدينة المخا أهمية تتجاوز حجمها السكاني أو موقعها في الحرب الأهلية اليمنية. فالمدينة تقع على الساحل الغربي لليمن بالقرب من المدخل الشمالي لباب المندب، ما يجعل السيطرة عليها جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بالتحكم في الساحل الغربي والممر البحري.

وقد مثّل سقوط المخا في أيدي الحوثيين ضربة للقوات المناهضة للجماعة، وفتح أمامها مجالاً للتقدم نحو مناطق وجزر أكثر قرباً من المضيق. وتزامن ذلك مع تقارير عن سيطرتهم على جزيرة بريم ومناطق ساحلية أخرى، الأمر الذي رفع المخاوف من انتقال الجماعة من مرحلة تهديد الملاحة إلى مرحلة امتلاك قدرة أكبر على التحكم في بيئة الملاحة نفسها.

لكن من المهم التمييز هنا بين القدرة على تهديد باب المندب والسيطرة الكاملة عليه. فالمضيق ممر دولي معقد، ولا يعني امتلاك مواقع على الساحل أو بعض الجزر القدرة على إيقاف جميع حركة السفن بصورة محكمة. إلا أن الجماعة تستطيع، حتى دون تحقيق سيطرة مطلقة، رفع تكلفة المرور وإجبار شركات الشحن على اتخاذ قرارات أكثر تحفظاً.

وهذه النقطة تحديداً هي التي تجعل المكاسب الحوثية ذات قيمة استراتيجية لإيران أيضاً.

إيران والحوثيون: تحالف استراتيجي لا علاقة تبعية بسيطة

من السهل تفسير التقدم الحوثي باعتباره مجرد امتداد مباشر للاستراتيجية الإيرانية، لكن هذا التفسير، رغم وجود عناصر قوية تدعمه، لا يفسر كامل الصورة.

فإيران قدمت للحوثيين على مدى سنوات أسلحة وتكنولوجيا ومعلومات استخبارية ودعماً فنياً، وتشير تقارير حديثة إلى أن عناصر من الحرس الثوري الإيراني قدمت إرشادات ومساعدة للجماعة خلال العمليات الأخيرة على الساحل الغربي. كما أفادت مصادر بأن الدعم الإيراني لعب دوراً مهماً في تمكين الحوثيين من تنفيذ هجومهم السريع والسيطرة على المخا والمناطق المحيطة بها. وفي المقابل، تنفي طهران أنها تدير بصورة مباشرة العمليات العسكرية الحوثية.

لكن العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيداً من نموذج "الوكيل والدولة الراعية".

فالشرعية السياسية والعسكرية للحوثيين نشأت أساساً من الصراع اليمني نفسه، وللجماعة قيادة ومصالح وأهداف محلية خاصة بها. ولذلك يمكن النظر إلى العلاقة باعتبارها شراكة استراتيجية غير متكافئة: تستفيد إيران من القدرات الحوثية وموقع اليمن الجغرافي، بينما يستفيد الحوثيون من الدعم الإيراني لتعزيز موقعهم العسكري والإقليمي.

وهذا يفسر لماذا قد تتقاطع حسابات الطرفين دون أن تكون متطابقة تماماً.

بالنسبة إلى إيران، يمثل التصعيد الحوثي فرصة لإضافة نقطة ضغط جديدة على الولايات المتحدة والسعودية، من دون اضطرار طهران إلى فتح جبهة عسكرية مباشرة أخرى.

أما بالنسبة إلى الحوثيين، فإن السيطرة على الساحل الغربي وباب المندب يمكن أن تعزز موقعهم داخل اليمن وفي أي مفاوضات مستقبلية حول شكل الدولة وتوزيع السلطة والثروة والموانئ.

وبعبارة أخرى، قد تكون النتيجة مفيدة لإيران والحوثيين في الوقت نفسه، حتى لو اختلفت أهداف كل طرف على المدى البعيد.

السعودية أمام معضلة استراتيجية صعبة

تجد السعودية نفسها في قلب هذه المعادلة الجديدة.

فمن جهة، يمثل بقاء باب المندب مفتوحاً مصلحة اقتصادية مباشرة للمملكة، خصوصاً في ظل انخفاض حركة النفط عبر هرمز. ومن جهة أخرى، فإن التعامل العسكري المكثف مع الحوثيين يحمل خطر تحويل اليمن مجدداً إلى حرب واسعة، بعد فترة من التهدئة النسبية.

وتزداد صعوبة الموقف بسبب تعرض منشآت الطاقة السعودية لهجمات حوثية متزامنة. ففي 8 سبتمبر، أعلنت السلطات السعودية تعرض منشآت ومواقع في جنوب المملكة لهجمات، بينما قال الحوثيون إنهم استهدفوا منشآت مرتبطة بالطاقة، في هجمات أوقعت عشرات الإصابات وأدت إلى اندلاع حرائق وتعطيل مؤقت لبعض العمليات. وشملت المواقع المستهدفة منشآت مرتبطة بأرامكو في أبها وجازان ونجران، وفق تقارير متعددة.

وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين الجبهة البرية والجبهة البحرية.

فالضغط على المنشآت النفطية السعودية يهدف إلى التأثير في القدرة الإنتاجية والتصديرية للمملكة، بينما الضغط على باب المندب يستهدف الطريق الذي يمكن أن تستخدمه السعودية لتعويض جزء من خسائرها في الخليج.

أي أن الرياض تواجه احتمالاً تتحول فيه محاولتها لتنويع طرق تصدير النفط إلى نقطة ضعف جديدة إذا تمكن الحوثيون من تهديد المسار البديل.

خط الأنابيب شرق–غرب: بديل آخر تحت الضغط

ولا تقتصر المشكلة السعودية على باب المندب.

فالمملكة تمتلك خط الأنابيب المعروف باسم خط شرق–غرب أو "Petroline"، الذي ينقل النفط من الحقول الشرقية إلى موانئ البحر الأحمر، وفي مقدمتها ينبع، متجاوزاً مضيق هرمز.

وقد تعرض هذا المسار أيضاً لضغوط أمنية متزايدة. ففي سبتمبر، أوقفت السعودية مؤقتاً تشغيل الخط بعد هجوم بطائرة مسيرة نُسب إلى جماعات مرتبطة بإيران في العراق، في وقت كانت فيه الرياض تعتمد بصورة متزايدة على البنية التحتية الواقعة على ساحل البحر الأحمر لتجاوز الاختناق في الخليج. وتشير بيانات حديثة إلى أن الخط يمثل مساراً مهماً لصادرات النفط السعودية، وأن توقفه يزيد من حساسية سوق الطاقة العالمية تجاه أي اضطراب إضافي.

وهكذا تتشكل أمام السعودية معادلة أكثر تعقيداً: هرمز مضطرب، وباب المندب مهدد، ومسار بري بديل يتعرض للهجمات.

ولا يعني ذلك أن السعودية أصبحت بلا خيارات؛ فهي تستطيع استخدام موانئ ومسارات بديلة، بما في ذلك التحويل عبر قناة السويس وخط سوميد، لكن هذه الخيارات أطول وأكثر تكلفة وأقل مرونة من المسارات المعتادة.

الولايات المتحدة بين الردع وتجنب توسيع الحرب

بالنسبة إلى واشنطن، فإن التقدم الحوثي يطرح معضلة لا تقل صعوبة عن تلك التي تواجهها الرياض.

فالولايات المتحدة لديها مصلحة مباشرة في حماية حرية الملاحة الدولية، لكنها تخوض في الوقت نفسه مواجهة عسكرية وسياسية واسعة مع إيران. وبالتالي، فإن فتح جبهة واسعة ضد الحوثيين قد يحقق مكسباً تكتيكياً في البحر الأحمر، لكنه قد يؤدي إلى توسيع الحرب وتحويل اليمن إلى مسرح رئيسي للصراع الإيراني–الأميركي.

وتشير التقارير الأخيرة إلى أن السعودية طلبت دعماً عسكرياً أميركياً، فيما فضلت واشنطن، حتى الآن، الاكتفاء بصورة أكبر بالدعم الاستخباري بدلاً من الانخراط المباشر واسع النطاق في اليمن.

وهذا الموقف يعكس حساباً أميركياً معقداً: فواشنطن تريد حماية خطوط التجارة والطاقة، لكنها لا تريد في الوقت نفسه الدخول في حرب استنزاف جديدة في اليمن يمكن أن تمنح إيران فرصة لتوسيع نطاق الصراع.

كما أن أي حملة أميركية واسعة ضد الحوثيين قد تمنح الجماعة مبرراً سياسياً لتكثيف عملياتها ضد المصالح الأميركية والسعودية، وربما توسيع نطاق استهداف السفن.

هل تتكرر تجربة البحر الأحمر منذ 2023؟

السياق الحالي لا يبدأ من الصفر.

فمنذ أواخر 2023، أدى تصعيد الحوثيين ضد السفن في البحر الأحمر إلى اضطراب حركة الملاحة التجارية، ودفع شركات كبرى إلى تحويل سفنها حول رأس الرجاء الصالح. وكانت النتيجة ارتفاعاً في زمن الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين والشحن.

لكن الوضع الراهن يختلف من حيث السياق الاستراتيجي.

ففي المرحلة السابقة، كان اضطراب البحر الأحمر يحدث بصورة أساسية ضمن صراع مرتبط بالحرب في غزة. أما الآن، فإن اضطراب باب المندب يتزامن مع أزمة أوسع تشمل مضيق هرمز وإمدادات الطاقة الخليجية.

ولهذا يمكن أن يكون الأثر الاقتصادي لتزامن الاضطرابين أكبر من أثر كل منهما منفرداً.

وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة هذا التحول بوضوح؛ ففي الربع الثاني من 2026، بلغ متوسط النفط وسوائل النفط العابرة لباب المندب نحو 8.1 مليون برميل يومياً، مقابل 4.9 مليون برميل يومياً عبر هرمز في الفترة نفسها.

هذه الأرقام لا تعني أن الكمية كلها معرضة للتوقف في حال تصعيد الحوثيين، لكنها توضح حجم الأهمية الاقتصادية للممرين.

سوق النفط أمام خطر "الاختناق المزدوج"

أخطر سيناريو بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي ليس بالضرورة إغلاق مضيق واحد، وإنما حدوث اضطرابات متزامنة في أكثر من نقطة اختناق.

فعندما يتعطل هرمز، تبحث الدول عن طرق بديلة. وإذا تعرض باب المندب أيضاً للخطر، تضيق الخيارات المتاحة أمام شركات النفط والشحن.

ويمكن عندها أن ينتقل التأثير من مشكلة أمنية إقليمية إلى مشكلة اقتصادية عالمية عبر ثلاث قنوات رئيسية:

أولاً: النفط.
أي انخفاض إضافي في الصادرات أو ارتفاع في المخاطر المرتبطة بالنقل يمكن أن يدفع أسعار الخام إلى مستويات أعلى. وقد تجاوز خام برنت بالفعل حاجز 100 دولار للبرميل في ظل التصعيد الأخير، مع استمرار تقلبات السوق.

ثانياً: تكاليف الشحن.
تحويل السفن بعيداً عن البحر الأحمر يعني مسافات أطول واستهلاكاً أكبر للوقود وأياماً إضافية في البحر، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التأمين.

ثالثاً: التضخم.
ارتفاع النفط والشحن لا يبقى محصوراً في قطاع الطاقة؛ إذ ينتقل تدريجياً إلى تكاليف النقل والصناعة والغذاء والسلع المستوردة، ما يزيد الضغوط التضخمية في الاقتصادات الكبرى والنامية على حد سواء.

وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة إلى أن المخزونات النفطية العالمية تعرضت لضغوط شديدة خلال 2026، مع انخفاض المخزونات العالمية بنحو 400 مليون برميل خلال العام وفق تقديراتها الأخيرة، بينما لا يُتوقع عودة الإنتاج والصادرات الإقليمية إلى مستوياتها الطبيعية قبل عام 2027.

لماذا قد يكون تأثير باب المندب أكبر من حجمه الجغرافي؟

المفارقة أن باب المندب أضيق وأقل أهمية من هرمز من حيث حجم النفط الذي يمر به في الظروف الطبيعية، لكنه قد يصبح أكثر أهمية في أوقات الأزمات لأن قيمته ترتفع كلما تقلصت البدائل.

وهذا هو جوهر مفهوم نقاط الاختناق الجيوسياسية: لا تقاس أهمية الممر فقط بحجم التجارة التي تمر عبره في الظروف العادية، وإنما بمدى صعوبة استبداله عندما يتعرض للاضطراب.

وفي حالة باب المندب، توجد إمكانية نظرية للالتفاف حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، لكن هذا الخيار يضيف آلاف الكيلومترات إلى الرحلة ويزيد الزمن والتكلفة. وقد أثبتت أزمة البحر الأحمر منذ 2023 أن الشركات مستعدة لتحمل هذه الكلفة عندما يصبح المرور المباشر عالي المخاطر.

لذلك، فإن مجرد احتمال إغلاق باب المندب ليس ضرورياً حتى تبدأ الأسواق في تسعير الخطر.

مكسب إيراني من دون تدخل إيراني مباشر؟

تكمن إحدى أكثر النقاط أهمية في الأزمة الحالية في أن إيران قد تستفيد استراتيجياً من تصعيد الحوثيين حتى من دون أن تتحمل كلفة إغلاق مضيق آخر بصورة مباشرة.

فإذا بقيت طهران قادرة على التأثير في هرمز، بينما يحتفظ الحوثيون بالقدرة على تهديد باب المندب، فإن إيران يمكن أن تحصل على رافعة ضغط جغرافية مزدوجة تمتد من الخليج العربي إلى جنوب البحر الأحمر.

ولا يعني ذلك أن الحوثيين مجرد أداة إيرانية تتحرك بأوامر مباشرة. بل إن قوة المعادلة تكمن تحديداً في أن الجماعة تمتلك دوافعها الخاصة، وفي الوقت نفسه تستطيع أفعالها أن تخدم مصالح إيران في لحظة استراتيجية شديدة الحساسية.

وقد أشار محللون إلى أن المكاسب الحوثية يمكن أن تعوض جزئياً عن تراجع نفوذ بعض حلفاء إيران الإقليميين، ولا سيما في ظل تعرض حزب الله في لبنان لضغوط وخسائر كبيرة خلال المرحلة الأخيرة من الصراع الإقليمي.

ومن هذا المنظور، يصبح اليمن جزءاً من إعادة تشكيل شبكة النفوذ الإيرانية، وليس مجرد جبهة منفصلة عن الحرب الأساسية.

لكن التصعيد يحمل مخاطر على إيران أيضاً

مع ذلك، لا ينبغي افتراض أن كل تصعيد يخدم إيران بصورة تلقائية.

فكلما ارتفع مستوى تهديد الملاحة الدولية، زادت احتمالات تدخل الولايات المتحدة والقوى البحرية الأوروبية والإقليمية بصورة أكبر. كما أن تهديد صادرات النفط السعودية قد يدفع الرياض إلى تعزيز تعاونها العسكري مع واشنطن ودول أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تتمثل في تقوية التحالفات المناهضة لطهران.

كما أن توسيع الحرب في اليمن قد يعيد فتح جبهة إنسانية وسياسية شديدة الكلفة، ويهدد أي مسار تفاوضي كان قد بدأ خلال السنوات الماضية.

وبالتالي، فإن المكسب الإيراني المحتمل يقوم على معادلة دقيقة: تحقيق ضغط كافٍ لرفع تكلفة الحرب على الخصوم من دون الوصول إلى نقطة تستدعي رداً عسكرياً شاملاً يصعب احتواؤه.

وهذه المعادلة ليست مضمونة.

اليمن بين الحرب الإقليمية والحسابات الداخلية

رغم البعد الإقليمي الواضح، سيكون من الخطأ اختزال التطورات في اليمن إلى مجرد فصل من الحرب الإيرانية–الأميركية.

فالانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وضعف التنسيق بين القوى المحلية، وتعدد مراكز النفوذ اليمنية، كلها عوامل ساعدت الجماعة على تحقيق تقدم ميداني سريع.

وبالتالي، فإن المكاسب الحوثية لا تعتمد فقط على الدعم الإيراني، وإنما أيضاً على نقاط الضعف داخل خصومها.

وهذه الحقيقة مهمة عند تقييم مستقبل الصراع. فحتى لو تراجع مستوى المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، قد تظل الجماعة محتفظة بجزء من مكاسبها الميدانية، ما يمنحها موقعاً تفاوضياً أقوى داخل اليمن.

بمعنى آخر، الحرب الإقليمية قد تكون سرعت صعود الحوثيين، لكنها لا تفسر وحدها قدرتهم على الصمود والتوسع.

ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية خلال المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول: احتواء التصعيد

قد تتوصل الأطراف الإقليمية والدولية إلى تفاهم يمنع تحول باب المندب إلى منطقة حرب مفتوحة، مع بقاء الحوثيين قريبين من المضيق من دون إغلاقه فعلياً.

وسيكون هذا السيناريو الأقل كلفة على الأسواق، لكنه يتطلب ترتيبات سياسية وأمنية معقدة.

السيناريو الثاني: حرب استنزاف بحرية

قد تستمر الهجمات المتبادلة دون إغلاق كامل للمضيق. وفي هذه الحالة، سيكون التأثير الأكبر في تكلفة التأمين والشحن وأسعار النفط، بينما تبقى حركة التجارة ممكنة ولكن بصورة أكثر كلفة.

وهذا ربما يكون السيناريو الأكثر قابلية للاستمرار، لأنه يسمح لجميع الأطراف بالحفاظ على قدر من المرونة السياسية والعسكرية.

السيناريو الثالث: تحول باب المندب إلى جبهة رئيسية

وهو السيناريو الأكثر خطورة، ويحدث إذا تمكن الحوثيون من تثبيت سيطرتهم حول المضيق وبدأوا في تعطيل حركة السفن بصورة واسعة، بالتزامن مع استمرار الاضطراب في هرمز.

عندها لن تكون الأزمة مجرد أزمة يمنية أو خليجية، بل قد تتحول إلى أزمة في النظام التجاري العالمي، مع ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، واحتمال تدخل عسكري دولي أكبر.

الخلاصة: الجغرافيا تعود إلى قلب السياسة الدولية

تكشف التطورات الأخيرة في اليمن حقيقة أوسع من حدود الصراع الإيراني–الأميركي: الجغرافيا البحرية ما زالت قادرة على منح قوى إقليمية أصغر من خصومها وزناً استراتيجياً يفوق حجمها العسكري والاقتصادي.

فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك قوة بحرية توازي قوة الولايات المتحدة كي تؤثر في الاقتصاد العالمي. يكفي أن تتمكن، بصورة مباشرة أو عبر شركائها، من التأثير في عدد محدود من الممرات التي يصعب استبدالها بسرعة.

والحوثيون بدورهم لا يحتاجون إلى السيطرة الكاملة على باب المندب حتى تصبح مكاسبهم ذات قيمة. فمجرد امتلاك القدرة على تهديد الملاحة يغير حسابات شركات الشحن والدول المستوردة للنفط وشركات التأمين والقوى البحرية.

لكن المعادلة لا تسير في اتجاه واحد. فالسعودية لا تزال تملك بدائل، والولايات المتحدة والقوى الأوروبية تمتلك قدرات بحرية كبيرة، كما أن الأسواق العالمية تستطيع إعادة توجيه جزء من التدفقات النفطية والتجارية. إلا أن هذه البدائل ليست مجانية؛ إ