اتهامات السلاح الكيميائي في السودان: وثائق جديدة تفتح جبهة قانونية وسياسية في الحرب
تدخل الحرب السودانية مرحلة جديدة من التعقيد مع ظهور وثائق سرية يُقال إنها تتضمن معلومات عن برنامج لتطوير وإنتاج ذخائر تعتمد على غاز الكلور، واستخدامها في القتال ضد قوات الدعم السريع. وإذا ثبتت صحة هذه الوثائق وما تتضمنه من معلومات، فإن القضية لن تقتصر على انتهاك محتمل لقواعد الحرب، بل قد تفتح مسارًا جديدًا للمساءلة الدولية، وتضع أداء القوات المسلحة السودانية وقيادتها أمام تدقيق قانوني وسياسي أكثر صرامة.
لكن أهمية المعلومات المتداولة لا تعني التعامل معها باعتبارها دليلًا نهائيًا. فالوثائق المسربة، مهما كان حجمها، تحتاج إلى التحقق من أصالتها وسياقها وسلامة سلسلة حيازتها، كما يتطلب إثبات استخدام سلاح كيميائي تحديد المادة المستخدمة، ومصدرها، وطريقة استخدامها، والجهة التي أمرت بها أو نفذتها. ولذلك فإن القضية تقف حاليًا عند نقطة فاصلة بين وجود مؤشرات تستوجب التحقيق وبين ثبوت المسؤولية الجنائية.
وثائق جديدة تعيد ملف السلاح الكيميائي إلى الواجهة
بحسب تقرير سوداني نشر في سبتمبر/أيلول 2026، فإن نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو وتسجيل صوتي، إضافة إلى آلاف الرسائل النصية، تشكل جزءًا من ملف قالت الصحيفة إن وكالة استخبارات في الشرق الأوسط قدمته إلى نيويورك تايمز. وتنسب التقارير جزءًا من هذه المواد إلى هواتف ضباط سودانيين كبار، وتقول إنها تتضمن تفاصيل عن برنامج لتطوير ذخائر تعتمد على الكلور خلال عام 2024، إلى جانب مخططات لقنابل ومعلومات عن اختبارات أجريت في مناطق صحراوية.
وتكتسب هذه الادعاءات أهميتها من كونها لا تتحدث فقط عن استخدام محتمل لمادة كيميائية في ساحة المعركة، بل تزعم وجود عملية تطوير وإنتاج واختبار منظمة. وإذا تمكن تحقيق مستقل من التحقق من هذه العناصر، فسيكون ذلك أكثر خطورة من مجرد حادثة استخدام منفردة، لأنه قد يشير إلى وجود بنية مؤسسية مرتبطة ببرنامج تسليح محظور.
غير أن طبيعة هذه المواد ومصدرها تفرض قدرًا كبيرًا من الحذر. فالانتقال من وثائق رقمية أو رسائل منسوبة إلى مسؤولين إلى إثبات برنامج أسلحة كيميائية يتطلب إجراءات فنية وقانونية دقيقة، تشمل التحقق الجنائي الرقمي، وفحص الوثائق والأجهزة، ومطابقة المعلومات مع الأدلة الميدانية.
ما الذي كان معروفًا قبل الوثائق الجديدة؟
هذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية في الحرب السودانية، ففي عام 2025، بدأت الولايات المتحدة إجراءات عقابية ضد السودان على خلفية اتهام القوات المسلحة السودانية باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب. كما استمر الملف داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي تلقت طلبات من دول أعضاء للحصول على توضيحات من الحكومة السودانية بشأن الادعاءات.
وفي يوليو 2025، قالت الأمانة الفنية للمنظمة إنها كانت تتابع الادعاءات المتعلقة بالسودان، لكنها لم تكن قد تلقت في ذلك الوقت عناصر موثقة بما يكفي لاتخاذ خطوات إضافية. كما أحالت المنظمة طلبات رسمية للحصول على توضيحات إلى السودان. وفي مارس 2026، أكدت الولايات المتحدة أمام المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أنها خلصت إلى أن أسلحة كيميائية استُخدمت في السودان عام 2024، وطالبت الخرطوم بالإعلان عن أي منشآت إنتاج أو ذخائر كيميائية والتعاون مع المنظمة للتحقق منها والتعامل معها. وتكشف هذه التطورات عن نقطة مهمة: الجدل لم يبدأ بالوثائق الجديدة، وإنما تأتي التسريبات في سياق ملف دولي قائم بالفعل.
بين الاتهام والإثبات
تتمثل أهم الإشكالات في هذا الملف في ضرورة الفصل بين ثلاثة مستويات مختلفة من الأدلة، المستوى الأول هو وجود مؤشرات أو شهادات عن أعراض مرتبطة بالتعرض لمادة سامة. وهذه قد تثير الشبهة لكنها لا تكفي وحدها لتحديد المادة أو الجهة المسؤولة. والمستوى الثاني هو إثبات وجود مادة كيميائية محظورة في موقع معين، وهو ما يتطلب عينات بيئية أو طبية وتحليلًا مخبريًا مستقلًا. أما المستوى الثالث، وهو الأكثر تعقيدًا، فيتمثل في إسناد المسؤولية إلى جهة أو شخص محدد، وهو أمر يحتاج إلى أدلة تتعلق بسلسلة القيادة والأوامر والقدرة على الوصول إلى السلاح وآلية استخدامه.
وتوضح منهجية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أهمية هذا التسلسل؛ إذ تعتمد تحقيقاتها، عند توافر الظروف المناسبة، على مقابلة الضحايا والشهود والمسعفين والأطباء، وجمع العينات البيئية والطبية، وفحص بقايا الذخائر والوثائق، ثم إرسال العينات إلى مختبرات مستقلة معتمدة للتحليل. ومن ثم، فإن الوثائق الجديدة قد تكون ذات قيمة كبيرة للتحقيق، لكنها لا تختصر المسار الإثباتي بأكمله.
لماذا يمثل الكلور حالة قانونية خاصة؟
الكلور مادة ذات استخدامات صناعية ومدنية واسعة، ولذلك فإن مجرد العثور عليه أو امتلاك مواد تحتوي عليه لا يثبت وجود برنامج للأسلحة الكيميائية. لكن استخدام مادة سامة كوسيلة حرب يختلف جذريًا عن استخدامها المدني أو الصناعي. وتعتبر اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية استخدام المواد الكيميائية السامة كسلاح محظورًا، بغض النظر عن كون المادة نفسها ذات استخدامات مشروعة في الظروف العادية.
وهنا تكمن أهمية تحديد الغرض وطريقة الاستخدام والظروف المحيطة به، فإذا أثبت تحقيق مستقل أن مادة كيميائية استُخدمت عمدًا لإيذاء قوات الخصم أو المدنيين من خلال خصائصها السامة، فإن المسألة تنتقل من نطاق الاستخدام المشروع لمادة صناعية إلى نطاق الأسلحة الكيميائية المحظورة.
موقف الجيش السوداني ينفي الاتهامات
رفض الجيش السوداني ما ورد في التقارير، ووصف الاتهامات بأنها تفتقر إلى أساس مادي، مشددًا على أن السودان دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. ويكتسب هذا الموقف أهمية قانونية وسياسية، لأن الحكومة السودانية ستكون مطالبة في أي تحقيق دولي محتمل بتقديم معلومات تمكن الجهات المختصة من التحقق من عدم وجود برنامج أو استخدام محظور. كما أن نفي الاتهامات لا يلغي الحاجة إلى التحقيق، لكنه في المقابل يعني أن إثبات المسؤولية لا يمكن أن يستند إلى الرواية المقابلة وحدها. وهنا تصبح الشفافية والتعاون مع آليات التحقيق الدولية عاملين حاسمين في تحديد مدى قوة الاتهامات وضعفها.
القيادة العسكرية أمام سؤال مختلف
تتضمن بعض المواد المتداولة، وفق التقارير الصحفية، رسائل يُقال إنها مرتبطة بقيادة الجيش السوداني، وتزعم وجود معرفة مباشرة بالمشروع المزعوم. إذا ثبتت صحة هذه الرسائل وسياقها، فإنها قد تثير أسئلة تتجاوز مسألة وقوع الاستخدام إلى مسألة المسؤولية القيادية.
لكن هذا النوع من المسؤولية لا يثبت بمجرد وجود اسم قائد عسكري في رسالة أو إشارة إليه في محادثة. بل يتطلب إثباتًا أكثر تعقيدًا يتعلق بطبيعة الأمر، ومدى العلم، والسيطرة الفعلية، والعلاقة بين القيادة والجهة التي نفذت الفعل. ولهذا فإن أي تحقيق جدي سيكون مطالبًا بالفصل بين المعرفة المزعومة، والموافقة، وإصدار الأمر، والمشاركة المباشرة، والمسؤولية القيادية.
ملف جديد في حرب تعاني أصلًا من أزمة مساءلة
الحرب السودانية، المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، شهدت اتهامات واسعة بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني من جانب أطراف النزاع. وقد أدى الصراع إلى أزمة إنسانية واسعة النطاق، مع سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ونزوح ملايين الأشخاص، فضلًا عن تفاقم انعدام الأمن الغذائي والمجاعة في مناطق عدة.
وفي هذا السياق، فإن إدخال الأسلحة الكيميائية إلى ملف الحرب من شأنه أن يرفع مستوى المخاطر السياسية والقانونية بصورة كبيرة. فالقضية لا تتعلق فقط بالضحايا المحتملين، وإنما أيضًا بمستقبل العلاقة بين السودان والمنظمات الدولية، وبإمكانية فرض مزيد من العقوبات، وباحتمال إحالة الأدلة إلى آليات قضائية دولية أو وطنية مختصة.
لماذا تحتاج القضية إلى تحقيق دولي؟
تطالب منظمات حقوقية بإتاحة وصول مستقل إلى المواقع التي يُعتقد أنها شهدت عمليات تطوير أو اختبار أو استخدام لهذه الأسلحة، إضافة إلى فحص بقايا الذخائر والحاويات والطائرات ووسائل الإطلاق، ومقابلة الشهود والضحايا. وتنسجم هذه المطالب مع طبيعة التحقيقات في الأسلحة الكيميائية، التي تتطلب قدرًا مرتفعًا من الخبرة العلمية والاستقلالية. وتوفر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية نموذجًا واضحًا لهذا النوع من التحقيقات. فقد أكدت المنظمة في تحقيقات سابقة أن إثبات وجود مادة كيميائية يعتمد على جمع الأدلة الميدانية وتحليلها بصورة مستقلة، وليس على الشهادات أو الصور وحدها. ومن هنا، فإن أفضل اختبار للاتهامات الجديدة لن يكون عبر البيانات السياسية المتبادلة، وإنما عبر الأدلة القابلة للفحص وإعادة التحقق.
التداعيات السياسية المحتملة
إذا ثبتت صحة الاتهامات، فقد تواجه الخرطوم ضغوطًا دولية إضافية تتجاوز العقوبات الحالية. وقد يتزايد الضغط من أجل التعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وربما تتوسع الإجراءات المتعلقة بالمسؤولين أو المؤسسات المرتبطة بالبرنامج المزعوم.
أما إذا لم تثبت الأدلة صحة الاتهامات، فإن ذلك سيكون مهمًا أيضًا، لأنه سيحد من قدرة الأطراف الدولية على استخدام الملف لتوسيع العقوبات أو الضغط السياسي على الحكومة السودانية.
وفي الحالتين، فإن القضية تحمل تداعيات تتجاوز الجانب القانوني. فالحرب السودانية أصبحت بالفعل ساحة لتنافس إقليمي ودولي معقد، وأي دليل موثوق على استخدام أسلحة كيميائية قد يعيد ترتيب أولويات القوى الخارجية المنخرطة في الملف.
ماذا يعني ذلك لمسار الحرب؟
قد لا يؤدي الكشف عن الوثائق، في حد ذاته، إلى تغيير موازين القوى على الأرض. لكنه قد يغير طبيعة الحرب سياسيًا وقانونيًا، ففي النزاعات المسلحة، يمكن أن يصبح نوع السلاح المستخدم عاملًا في تحديد مستوى التدخل الدولي، وطبيعة العقوبات، وأولويات التحقيقات، بل وحتى شروط أي تسوية سياسية مستقبلية.
كما أن الاتهامات الجديدة قد تؤثر في صورة القوات المسلحة السودانية دوليًا، في وقت تسعى فيه إلى ترسيخ نفسها بوصفها المؤسسة الرسمية للدولة في مواجهة قوات الدعم السريع.
لكن الوجه الآخر للمسألة هو أن أي تحقيق يجب ألا يتحول إلى أداة لتجاهل الانتهاكات الأخرى التي ارتكبتها أطراف النزاع. فالمساءلة الفعالة لا ينبغي أن تكون انتقائية، بل يجب أن تشمل الانتهاكات الجسيمة بغض النظر عن هوية مرتكبيها.
ثلاثة مسارات محتملة
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للملف.
الأول: تحقيق دولي يؤدي إلى تثبيت الأدلة.
إذا تمكنت الجهات المختصة من الوصول إلى مواقع أو عينات أو وثائق أصلية، فقد يتحول الملف من اتهامات صحفية إلى قضية ذات أساس إثباتي أقوى، مع احتمال اتخاذ إجراءات دولية إضافية.
الثاني: تحقيق محدود بسبب صعوبة الوصول.
قد تبقى الأدلة غير مكتملة بسبب استمرار الحرب وصعوبة الوصول إلى المواقع، وهو ما قد يبقي القضية في نطاق الاتهامات المتبادلة دون حسم نهائي.
الثالث: فتح مسار تفاوضي للتعاون الفني.
قد توافق السلطات السودانية على تعزيز التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وإجراء عمليات تحقق فنية، بما يسمح باحتواء الملف دون أن يتحول فورًا إلى مواجهة سياسية دولية أوسع.
الخلاصة
تكمن أهمية الوثائق الجديدة في أنها تعيد قضية الأسلحة الكيميائية إلى مركز النقاش حول الحرب السودانية، لكنها لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها حكمًا نهائيًا على المسؤولية. فالأسئلة الأساسية لا تزال بحاجة إلى إجابات مستقلة: هل استُخدم الكلور أو أي مادة كيميائية محظورة كسلاح؟ أين حدث ذلك؟ ومن قام باستخدامه؟ وهل كانت هناك جهة منظمة تقف خلف العملية؟ ومن أصدر الأوامر، إن ثبت وجودها؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لن تحسمها البيانات السياسية أو الاتهامات المتبادلة، وإنما التحقيق الفني المستقل، وسلامة الأدلة، وسلسلة الحيازة، والتحليل المخبري، وإمكانية الوصول إلى مواقع الحوادث والشهود.
ولهذا، فإن التطور الأهم في القضية ليس بالضرورة مضمون الوثائق المسربة وحده، وإنما ما إذا كانت هذه الوثائق ستتحول إلى أدلة قابلة للتحقق أمام جهات دولية مستقلة. فإذا ثبتت الاتهامات، ستكون الحرب السودانية قد دخلت مرحلة أكثر خطورة من حيث المسؤولية الدولية. وإذا لم تثبت، فإن ذلك سيؤكد مرة أخرى أهمية عدم تحويل المعلومات الاستخباراتية أو التسريبات الصحفية إلى أحكام مسبقة قبل اكتمال التحقيق. وفي الحالتين، يبقى التحدي الأكبر هو ضمان ألا تضيع الحقيقة وسط الحرب السياسية والإعلامية التي تحيط بالنزاع السوداني.
