«إيكولوجيا النص الأدبي»: مدخل عربي إلى النقد البيئي المعاصر
صدر حديثًا عن دار النابغة في القاهرة كتاب «إيكولوجيا النص الأدبي: دراسات نظرية وتطبيقية مترجمة في النقد البيئي المعاصر»، من ترجمة وتحرير الناقد الأكاديمي المصري الدكتور معتز سلامة، في محاولة لتقديم مدخل أكثر اتساعًا إلى أحد الاتجاهات النقدية الحديثة التي أعادت النظر في العلاقة بين الأدب والطبيعة والإنسان والبيئة.
ويضم الكتاب مجموعة مختارة من الدراسات التي كتبها عدد من أبرز الباحثين الغربيين الذين أسهموا في تطوير مفاهيم النقد البيئي وتوسيع أدواته النقدية، مع الانتقال من التأسيس النظري إلى اختبار هذه الأدوات في قراءة الشعر والرواية والمسرح، فضلًا عن مساءلة الحدود التقليدية بين الأجناس الأدبية.
ولا ينظر النقد البيئي إلى الطبيعة باعتبارها مجرد خلفية جمالية للأحداث أو فضاءً محايدًا تتحرك داخله الشخصيات، وإنما يتعامل معها بوصفها عنصرًا فاعلًا في تشكيل المعنى، وكاشفًا عن علاقات الإنسان بالمكان والموارد والسلطة. ومن هذا المنظور، يصبح النص الأدبي مساحة يمكن من خلالها دراسة تصورات المجتمع للطبيعة، وأنماط استغلالها، وأشكال التكيف معها، وكذلك التوترات المرتبطة بالملكية والهيمنة والعدالة البيئية.
من التراث العربي إلى النقد البيئي الحديث
يشير معتز سلامة في مقدمته إلى أن الاهتمام بالعلاقة بين الأدب والطبيعة ليس وافدًا بالكامل على الثقافة العربية، بل يمتلك جذورًا واضحة في التراث العربي، خصوصًا في أدب الرحلات والسرديات التي احتلت فيها الصحراء والواحة والبحر والمدينة مكانة مركزية بوصفها فضاءات ذات دلالات متعددة.
غير أن أهمية المقاربة البيئية الحديثة تكمن في أنها تتيح إعادة قراءة هذا التراث من زاوية مختلفة. فبدل النظر إلى حضور الطبيعة في النصوص القديمة باعتباره مجرد وصف جمالي أو تصوير للمشهد، يمكن مقاربته باعتباره سجلًا لعلاقات الإنسان بالمكان، وأنماط التملك والاستغلال، وأشكال التكيف مع البيئة وتحولاتها.
ومن ثم، فإن إدخال النقد البيئي إلى المجال النقدي العربي لا يعني بالضرورة استيراد حقل معرفي منفصل عن السياق الثقافي المحلي، وإنما يمكن أن يمثل فرصة لإعادة اكتشاف جوانب من الأدب العربي القديم والحديث من خلال أسئلة جديدة تتعلق بالمكان والموارد والسلطة والإنسان والبيئة.
سد فجوة في المكتبة العربية
ويأتي الكتاب، وفق ما يوضحه المترجم، استجابةً لحاجة معرفية في المكتبة العربية، في ظل محدودية حضور النقد البيئي وتوزع الكتابات المرتبطة به بين مقالات متفرقة وإشارات ضمن دراسات نقدية أوسع.
ويرى سلامة أن جزءًا من المشكلة لا يرتبط فقط بندرة الدراسات المتخصصة، وإنما أيضًا بطريقة تلقي هذا الاتجاه النقدي وتطبيقه؛ إذ إن بعض الكتابات العربية التي تناولت النقد البيئي لم تستوعب، بحسب تقييمه، مرتكزاته الفلسفية والنقدية بصورة كافية، الأمر الذي انعكس على طبيعة بعض التطبيقات العربية لهذا المنهج.
من هنا، تسعى المجموعة إلى تقديم صورة أكثر تكاملًا عن النقد البيئي، تجمع بين مناقشة أسسه النظرية وتطبيق مفاهيمه على نصوص تنتمي إلى أجناس أدبية وسياقات ثقافية مختلفة.
خمس دراسات بين النظرية والتطبيق
يتضمن الكتاب خمس دراسات نقدية منشورة أصلًا باللغة الإنجليزية، تمثل اتجاهات في النقد البيئي المعاصر تجاوزت، بحسب تقديم الكتاب، بعض المراحل المبكرة لهذا الحقل، وتتحرك من السؤال النظري إلى التطبيقات الأدبية.
تفتتح المجموعة الباحثة الهولندية أستريد براك بدراسة بعنوان «التحديات التي تواجه النقد البيئي»، وهي الدراسة النظرية التي تضع القارئ أمام أبرز الإشكالات والأسئلة التي تواجه هذا الاتجاه النقدي.
وتأتي بعدها دراسة الباحث الأميركي م. جيمي كيلينجسورث بعنوان «شاعر الجزيرة والشاطئ المقدس»، في مقاربة تطبيقية توظف أدوات النقد البيئي في قراءة العمل الأدبي وعلاقته بالمكان والطبيعة.
أما الدراسة الثالثة، للباحث الهندي أوبامانيو بابلو موخيرجي، فتحمل عنوان «البيئات ما بعد الاستعمارية: الطبيعة والثقافة والرواية الهندية المعاصرة باللغة الإنجليزية: الماء/الأرض: أميتاف جوش نموذجًا»، وتنتقل بالنقد البيئي إلى سياق ما بعد استعماري، حيث تتقاطع قضايا الطبيعة والثقافة والتاريخ والهوية.
وتعود أستريد براك بدراسة رابعة بعنوان «الرعوية في الرواية البريطانية المعاصرة»، التي تتناول حضور مفهوم الرعوية وتمثلاته في السرد البريطاني الحديث.
ويختتم الكتاب الباحث الكندي سايمون سي. إستوك بدراسة «شكسبير والنقد البيئي: تحليل ثنائية الوطن والسلطة في مسرحية الملك لير»، التي تستدعي أدوات النقد البيئي لقراءة واحدة من أبرز أعمال شكسبير من زاوية العلاقة بين المكان والسلطة والوطن.
توسيع أسئلة النقد الأدبي
تكمن أهمية الكتاب، في نهاية المطاف، في أنه لا يقدّم النقد البيئي بوصفه مجرد اتجاه نقدي متخصص في دراسة الطبيعة داخل الأدب، وإنما يفتح المجال أمام إعادة صياغة بعض الأسئلة التقليدية حول النص الأدبي.
فالمكان، في هذه المقاربة، لا يكون مجرد مسرح للأحداث، والطبيعة ليست مجرد صورة شعرية، والموارد ليست عناصر هامشية في السرد. جميعها يمكن أن تتحول إلى مفاتيح لفهم علاقات السلطة، والتفاوت الاجتماعي، والاقتصاد، والاستعمار، والهوية، والتحولات التي طرأت على علاقة الإنسان بالعالم الطبيعي.
ويكتسب هذا المنظور أهمية متزايدة في ظل تصاعد القضايا البيئية عالميًا، من تغير المناخ إلى ندرة المياه وتدهور النظم البيئية، بما يجعل الأدب مجالًا مهمًا لفهم الكيفية التي تتشكل بها تصورات الإنسان عن البيئة والطبيعة وموقعه داخلها.
ويأتي هذا الإصدار ضمن مسار سابق للمترجم في تقديم أعمال نقدية مترجمة إلى العربية، من بينها «من الشعرية الثقافية إلى الحراك الثقافي: مقالات مترجمة في النقد الثقافي»، و**«المادية الثقافية والتاريخية الجديدة»** لستيفن جرينبلات، و**«مناهج النقد الأدبي المعاصر: مقالات مختارة»**.
وبذلك يمثل «إيكولوجيا النص الأدبي» إضافة إلى حركة ترجمة النظريات النقدية الحديثة إلى العربية، ومحاولة لفتح مساحة أوسع أمام القارئ والباحث العربي للتعامل مع النقد البيئي باعتباره حقلًا نقديًا يتقاطع فيه الأدبي مع الفلسفي والاجتماعي والتاريخي، ويعيد طرح سؤال العلاقة بين الإنسان والمكان والطبيعة من داخل النص الأدبي.
