أزمة المثقف الكبير في الثقافة العربية

ثقافة - على مشاري
على مشاري
كاتب وصحفي

لا تعاني الثقافة العربية اليوم من نقص في الكتّاب والباحثين والأكاديميين، ولا من ندرة في المنابر التي تنتج الأفكار وتنشرها. على العكس تماماً؛ فقد شهد العالم العربي خلال العقود الأخيرة توسعاً ملحوظاً في الجامعات ومراكز البحث ودور النشر والمنصات الثقافية والرقمية، وتضاعف عدد المؤلفين والباحثين وأصحاب الرأي القادرين على الوصول إلى جمهور واسع. ومع ذلك، يظل سؤال أكثر عمقاً وإلحاحاً قائماً: أين المثقف الكبير؟

لا يتعلق الأمر هنا بالبحث عن الكاتب الأكثر شهرة، أو الأكاديمي الأكثر تخصصاً، أو الشخصية الأكثر حضوراً في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وإنما عن ذلك المثقف الذي يتجاوز حدود تخصصه ومهنته ليصبح مرجعية فكرية قادرة على تفسير تحولات المجتمع والعصر، وربط الظواهر المتناثرة ضمن رؤية كلية، وتحويل الوقائع المتفرقة إلى أسئلة كبرى تتصل بالتاريخ والإنسان والثقافة والسياسة ومستقبل المجتمعات.

فالمثقف الكبير لا تكمن أهميته في كثرة ما يكتب، وإنما في نوعية الأسئلة التي يطرحها، وفي قدرته على بناء مشروع فكري يتجاوز حدود الكتاب والمقالة والمناسبة العابرة. وهو لا يكتفي بأن يكون شاهداً على عصره، بل يسعى إلى امتلاك الأدوات التي تمكنه من تفسيره ونقده وإعادة النظر في مسلماته.

من المثقف صاحب المشروع إلى المثقف صاحب الموقف

عرفت الثقافة العربية الحديثة نماذج بارزة من المثقفين الذين اختلفوا في المرجعيات والمناهج والمواقف السياسية والفكرية، لكنهم اشتركوا في خاصية جوهرية: امتلاك مشروع فكري متكامل.

لم تكن كتبهم أعمالاً منفصلة، ولا مقالاتهم مجرد استجابات للأحداث اليومية، بل كانت حلقات متصلة في مسار فكري طويل. انشغلوا بأسئلة النهضة والتراث والحداثة والعقل والهوية والتاريخ وعلاقة الإنسان العربي بالعالم، وظلت هذه الأسئلة ترافقهم سنوات طويلة، فتراكمت حولها الكتب والمقالات والمواقف والمراجعات.

ولهذا لم يكن القارئ يعود إلى أحد هؤلاء بحثاً عن موقف سريع من حدث سياسي أو اجتماعي طارئ، وإنما كان يعود إليه بحثاً عن طريقة في التفكير. كانت قيمة المثقف تتشكل من قدرته على بناء منظومة تفسيرية تساعد القارئ على رؤية الأحداث من داخل سياق أوسع، لا من خلال الحدث ذاته.

ومن هنا نشأت سلطة ثقافية مختلفة عن سلطة الشهرة. فقد كان المثقف يكتسب مكانته ببطء، من خلال التراكم والاستمرار والعمق والقدرة على إنتاج المفاهيم والأسئلة، لا من خلال كثافة الظهور. وكانت هذه السلطة أكثر رسوخاً؛ لأنها لم تكن مرتبطة بحجم الجمهور فحسب، وإنما بقدرة الأفكار على البقاء والتأثير.

أما اليوم، فقد تبدلت بنية المجال الثقافي بصورة جذرية.

عصر التخصص وتراجع المثقف الموسوعي

لا شك أن التخصص الأكاديمي يمثل أحد أهم مكاسب التطور المعرفي الحديث. فقد أصبحت العلوم أكثر دقة، وتشعبت فروع المعرفة إلى مجالات شديدة التخصص، وأصبح من الصعب على الباحث الواحد أن يحيط حتى بجزء كبير من المعرفة المتاحة.

لكن لهذا التطور أثراً جانبياً لا يمكن تجاهله: تراجع نموذج المثقف القادر على العبور بين الحقول المعرفية المختلفة.

لدينا اليوم أعداد متزايدة من الخبراء الممتازين في الاقتصاد والتاريخ وعلم الاجتماع والفلسفة والعلوم السياسية والإعلام والتكنولوجيا وغيرها، لكن التخصص الدقيق لا ينتج بالضرورة مثقفاً بالمعنى الواسع.

فالخبير يملك معرفة عميقة في مجال محدد، بينما يحتاج المثقف إلى قدرة إضافية: أن يرى العلاقات بين المجالات، وأن يربط المعرفة الجزئية بالسياق الاجتماعي والتاريخي الأوسع، وأن يحول المعلومات المتناثرة إلى تفسير ذي معنى.

وليس المطلوب من المثقف أن يعرف كل شيء؛ فهذا مستحيل في عصرنا. المطلوب أن يمتلك القدرة على الانتقال بين الحقول، وأن يدرك أن الظواهر الكبرى لا تعترف بالحدود الأكاديمية الصارمة. فالثورة التكنولوجية، على سبيل المثال، ليست قضية تقنية فقط، كما أن التحولات السياسية لا يمكن فهمها بعيداً عن الاقتصاد والثقافة والتغيرات الاجتماعية والنفسية.

المثقف، في هذا المعنى، ليس مخزناً للمعرفة، وإنما هو وسيط بين المعارف؛ يكتشف الروابط التي لا تظهر داخل التخصصات المنعزلة، ويعيد تركيبها في صورة تسمح للمجتمع بفهم ذاته وتحولاته.

حين أصبحت الشهرة أسرع من الفكرة

لم تتغير طبيعة المعرفة وحدها، بل تغيرت أيضاً الطريقة التي تتشكل بها الشهرة الثقافية.

كان المثقف في السابق يبني حضوره ببطء. ينشر كتاباً، ثم كتاباً آخر، ويكتب مقالاً يثير نقاشاً، ويدخل في سجالات قد تمتد سنوات. وكانت المكانة الثقافية تحتاج إلى وقت طويل حتى تتشكل، لأن القارئ كان يتعامل مع الكاتب من خلال تراكم أعماله لا من خلال حضوره المتكرر.

أما البيئة الرقمية فقد قلبت هذه المعادلة.

أصبح بالإمكان أن يتحول شخص مجهول إلى اسم حاضر في المجال العام خلال أيام، وأن تنتشر فكرة أو عبارة على نطاق واسع قبل أن تخضع لاختبار المعرفة أو النقاش أو الزمن. وفي المقابل، يمكن أن يختفي هذا الحضور بالسرعة نفسها.

المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في منطق الانتباه الذي تفرضه المنصات الرقمية. فالمنصة تميل إلى مكافأة ما هو سريع ومثير وقابل للاختزال والمشاركة. أما الفكرة المركبة التي تحتاج إلى قراءة وتأمل وسياق، فتواجه صعوبة أكبر في المنافسة داخل اقتصاد الانتباه.

وهكذا نشأت مفارقة لافتة: ازداد حضور المثقفين، لكن تراجعت بالضرورة قدرتهم على صناعة حضور فكري عميق.

أصبح من الممكن أن يكون الشخص حاضراً في كل مكان، من دون أن يكون لديه ما يبقى في الذاكرة الفكرية. وقد تنتشر عشرات الآراء والتعليقات والمداخلات، لكن يصعب العثور خلفها على مفهوم جديد أو سؤال مؤسس أو مشروع فكري قادر على الاستمرار.

لقد اتسعت المسافة بين الانتشار والقيمة، وبين الشهرة والتأثير، وبين كثافة الظهور والقدرة على إنتاج المعنى.

المثقف الذي استبدل المشروع بالتعليق

هناك تحول آخر لا يقل أهمية، يتمثل في انتقال المثقف من موقع صاحب المشروع إلى موقع المعلق الدائم.

فالسرعة التي تتحرك بها الأحداث السياسية والاجتماعية والإعلامية تدفع الكاتب إلى التعليق المستمر. حدث سياسي يتطلب موقفاً، وأزمة اقتصادية تستدعي تفسيراً، وتصريح لمسؤول يفتح باباً للنقاش، واتجاه جديد على منصات التواصل يصبح موضوعاً لمداخلة جديدة.

وهكذا يتحول إنتاج المثقف تدريجياً إلى سلسلة من الاستجابات للأحداث.

المشكلة أن الانشغال المستمر بالحدث قد يجعل المثقف أسيراً له. وكلما ازدادت سرعة الاستجابة، تقلص الوقت المتاح للتأمل وإعادة النظر وبناء الأفكار. وفي النهاية قد يصبح الكاتب شديد الحضور في اللحظة الراهنة، لكنه أقل قدرة على إنتاج ما يتجاوزها.

وهنا يكمن الفارق بين المعلق والمثقف صاحب المشروع.

المعلق يسأل: ماذا حدث؟ ولماذا حدث الآن؟

أما المثقف فيذهب أبعد من ذلك ليسأل: ما الذي يكشفه هذا الحدث عن بنية المجتمع؟ وما الذي يقوله عن تحولات الدولة أو الثقافة أو الإنسان؟ وهل يمثل هذا الحدث قطيعة أم استمراراً لمسار تاريخي أعمق؟

فالحدث ينتهي، لكن السؤال الذي يكشف بنيته قد يبقى.

الفكرة التي تعيش أطول من الحدث

ليست قيمة المثقف في قدرته على تفسير كل خبر، ولا في عدد المواقف التي يعلنها، وإنما في قدرته على إنتاج أدوات فكرية تتجاوز اللحظة التي ولدت فيها.

الخبر يموت بانتهاء صلاحيته الزمنية، أما الفكرة القوية فتستطيع أن تعيش بعد موت الحدث الذي استدعاها. وهذا تحديداً ما منح كبار المفكرين مكانتهم التاريخية؛ إذ لم تكن أفكارهم مجرد تعليقات على عصرهم، وإنما تحولت إلى أدوات يستخدمها من جاء بعدهم لفهم أزمنتهم المختلفة.

ومن هنا يمكن القول إن المثقف الكبير لا يكتفي بتفسير الواقع، بل يترك وراءه مفاهيم تساعد الأجيال اللاحقة على تفسير واقع جديد.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع فكري: هل يظل صالحاً لإنتاج الأسئلة بعد تغير الظروف التي نشأ فيها؟

أزمة المثقف هي أزمة المشروع

إذا أردنا الاقتراب من جوهر الأزمة، فإن المشكلة لا تبدو في غياب المواهب أو نقص الإنتاج الثقافي، وإنما في ضعف المشروع الفكري طويل المدى.

المشروع يعني أن يكون لدى المثقف سؤال مركزي يرافقه لسنوات، وأن تتراكم أعماله حول هذا السؤال، بحيث يصبح كل كتاب امتداداً لما قبله، وكل فكرة جديدة جزءاً من بناء أكبر.

أما حين يتحول كل كتاب إلى مشروع منفصل، وكل مقال إلى استجابة لمناسبة، وكل ظهور إلى محاولة للحفاظ على الحضور، فإن الإنتاج قد يكون غزيراً، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى أثر فكري.

إن الفرق بين الكاتب الغزير والمثقف الكبير هو أن الأول قد ينتج الكثير من النصوص، بينما ينتج الثاني بنية فكرية.

وهذه البنية هي التي تمنح المثقف هويته الفكرية وتسمح للقراء بتحديد موقعه من القضايا الكبرى، حتى عندما يختلفون معه.

لكن العالم الذي صنع المثقف القديم لم يعد موجوداً

مع ذلك، سيكون من غير الدقيق تحميل المثقف وحده مسؤولية هذا التحول. فالمجال الثقافي نفسه تغير بصورة عميقة.

لم يعد هناك مركز ثقافي واحد يحدد الأجندة الفكرية، ولا جمهور ثقافي موحد يتابع المنابر نفسها، ولا سلطة معرفية واحدة تستطيع منح المثقف موقع المرجعية العامة.

أصبحت السلطة موزعة بين الجامعات ومراكز البحث ووسائل الإعلام ودور النشر والمنصات الرقمية وشبكات التواصل. كما انقسم الجمهور إلى جماعات متعددة، لكل منها اهتماماتها ومراجعها ودوائرها المعرفية.

ولهذا أصبح من الصعب أن تظهر شخصية واحدة تفرض حضورها على المجال الثقافي كله بالطريقة التي كان يمكن أن تحدث في مراحل سابقة.

لكن هذا التغير لا يعني بالضرورة موت المثقف الكبير، بل يعني أن صورته القديمة لم تعد قابلة للاستنساخ.

فالمطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج المثقف الموسوعي بالشروط نفسها، وإنما ابتكار نموذج جديد يستطيع أن يتعامل مع التخصص دون أن يصبح أسيراً له، ويستفيد من التكنولوجيا دون أن يخضع لمنطقها، ويشارك في المجال العام دون أن يتحول إلى مجرد معلق يومي.

الحاجة إلى المثقف أصبحت أكبر

المفارقة الأساسية أن الحاجة إلى المثقف الكبير ربما أصبحت اليوم أكبر من أي وقت مضى.

فنحن لا نعاني من نقص المعلومات، وإنما من فائضها. المشكلة لم تعد في الوصول إلى المعرفة، بل في القدرة على فرزها وترتيبها وتفسيرها وربطها بالسياق.

كل يوم تنتج وسائل الإعلام والمنصات الرقمية كميات هائلة من الأخبار والآراء والبيانات والصور والتعليقات. لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة الفهم.

وفي مثل هذا العالم، تزداد الحاجة إلى من يستطيع أن يقول: ما الذي يستحق أن نفكر فيه؟ وما الذي ينبغي تجاهله؟ وما العلاقة بين هذه الظواهر التي تبدو منفصلة؟ وما الذي يكمن خلف الصورة المباشرة للأحداث؟

وهنا يستعيد المثقف وظيفته الأساسية: ليس إنتاج المزيد من المعلومات، وإنما إنتاج المعنى.

كيف يمكن استعادة المثقف صاحب المشروع؟

لا يمكن استعادة المثقف الكبير بمجرد الحنين إلى زمن سابق، ولا بإطلاق دعوات عامة إلى عودة الثقافة إلى الواجهة. فظهور مشروع فكري كبير يحتاج إلى شروط موضوعية ومؤسساتية وثقافية.

أول هذه الشروط هو إتاحة الوقت للتفكير. فالمثقف الذي يقضي يومه في ملاحقة الأخبار والتعليق على الأحداث لن يجد المساحة الضرورية لبناء مشروع طويل الأمد.

وثانيها هو تشجيع العبور بين التخصصات. فالجامعات ومراكز البحث والمنابر الثقافية تحتاج إلى مساحات تسمح بتفاعل التاريخ مع الفلسفة، والاقتصاد مع علم الاجتماع، والسياسة مع الثقافة، والتكنولوجيا مع الأخلاق.

وثالثها حماية استقلال المثقف. فالمشروع الفكري يحتاج إلى قدر من الاستقلال عن الاستقطابات السياسية والإعلامية والاقتصادية، لأن المثقف الذي يصبح تابعاً لمنصة أو مؤسسة أو تيار يفقد جزءاً من قدرته على النظر النقدي.

ورابعها إعادة الاعتبار إلى الكتاب طويل النفس وإلى الأفكار التي تحتاج إلى وقت حتى تنضج. ليس كل ما هو بطيء عديم القيمة، وليس كل ما ينتشر سريعاً جديراً بالبقاء.

وأخيراً، يحتاج المجال الثقافي إلى الاعتراف بأن إنتاج المثقف الكبير ليس مهمة فردية بالكامل. فالموهبة ضرورية، لكنها لا تكفي. المشروع الفكري يحتاج إلى بيئة معرفية، وإلى مؤسسات نشر وبحث، وإلى جمهور قادر على القراءة والنقاش، وإلى مساحة تسمح بالاختلاف والتجريب والتراكم.

المثقف الذي نحتاج إليه

ربما لا تكمن المشكلة الحقيقية في أن الثقافة العربية تفتقر إلى المثقفين، وإنما في أنها تملك مئات الأصوات التي لم تتحول بعد إلى مشاريع فكرية كبرى.

المثقف الذي نحتاج إليه ليس شخصاً يعرف الإجابة عن كل سؤال، ولا شخصاً يظهر في كل مناسبة، ولا شخصية تبحث عن الاستفزاز بوصفه طريقاً إلى الشهرة. إنه ذلك الذي يستطيع أن يمنحنا طريقة جديدة للنظر إلى الأشياء، وأن يحول الوقائع المتناثرة إلى سياق، والمعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى رؤية.

إن قيمة المثقف الكبير لا تقاس بعدد متابعيه، ولا بعدد المقابلات التي يجريها، ولا بقدرته على تصدر النقاشات اليومية، وإنما بقدرته على إنتاج فكرة تجعلنا نعيد النظر في شيء كنا نظنه مفهوماً.

المثقف الكبير هو الذي لا يكتفي بأن يخبرنا ماذا يحدث، بل يساعدنا على فهم لماذا يحدث، وما الذي يعنيه، وإلى أين يمكن أن يقودنا.

ولهذا فإن السؤال عن غياب المثقف الكبير ينبغي ألا يتحول إلى رثاء للماضي، بل إلى سؤال عن المستقبل: هل تستطيع الثقافة العربية أن تنتج بيئة تسمح بظهور مشاريع فكرية جديدة، قادرة على قراءة التحولات الكبرى بدلاً من الاكتفاء بملاحقتها؟

فالزمن الحالي، بكل ما يحمله من تفكك معرفي وسرعة رقمية وفائض معلومات، لا يجعل المثقف الكبير أقل ضرورة؛ بل يجعله أكثر ضرورة. وربما تكون المهمة الأهم اليوم ليست البحث عن شخصية تشبه مثقفي الماضي، وإنما خلق الشروط التي تسمح بظهور مثقف جديد يمتلك أدوات عصره، من دون أن يفقد القدرة على التفكير فيما يتجاوز عصره.