بث تجريبي

كيف يدفع تراجع الثقة بواشنطن جنوب شرق آسيا نحو التوازن الاستراتيجي؟

تقدير موقف - Foresight

لم تعد تداعيات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مقتصرة على  الشرق الأوسط أو على أسواق الطاقة العالمية، بل امتدت آثارها إلى مناطق بعيدة جغرافيًا لكنها شديدة الحساسية استراتيجيًا، وفي مقدمتها جنوب شرق آسيا. ففي هذه المنطقة، التي شكّلت لعقود أحد مسارح النفوذ الأمريكي الأساسية في آسيا، تتشكل اليوم مراجعات هادئة ولكن عميقة لموقع الولايات المتحدة، ولمعادلات الأمن والاعتماد الاستراتيجي، ولحدود الثقة في الضمانات الأمريكية.

ورغم أن حكومات جنوب شرق آسيا حافظت علنًا على خطاب الحياد وعدم التدخل تجاه الصراع، فإن ما يجري خلف الكواليس أكثر أهمية من المواقف المعلنة. فالدول الإقليمية لا تنظر إلى الحرب فقط بوصفها أزمة شرق أوسطية، بل باعتبارها اختبارًا مباشرًا لقدرة واشنطن على إدارة الأزمات المتزامنة، وحماية شركائها، والحفاظ على التزاماتها الأمنية في عالم يتسم بتعدد الجبهات وتزايد الضغوط الداخلية الأمريكية.

من حرب الشرق الأوسط إلى قلق آسيا

من منظور دول الآسيان، تكشف الحرب مع إيران عن معضلة أمريكية مزدوجة. فمن جهة، تتوزع الموارد العسكرية والسياسية الأمريكية بين ملفات كبرى تشمل أوروبا والشرق الأوسط، ومنافسة الصين في المحيطين الهندي والهادئ. ومن جهة أخرى، تزداد النزعة الداخلية في واشنطن نحو تقليص الأعباء الخارجية تحت شعارات من قبيل "أمريكا أولًا".

وهذا التناقض يثير سؤالًا جوهريًا لدى عواصم جنوب شرق آسيا: إذا كانت الولايات المتحدة تجد صعوبة في إدارة أزمات قائمة أصلًا، فإلى أي مدى يمكن الاعتماد عليها في أزمات مستقبلية تمس الأمن الآسيوي مباشرة؟

هذا السؤال لم يعد نظريًا. فالعجز الأمريكي الظاهر عن توفير حماية كاملة لشركائه الخليجيين من التهديدات الإيرانية أرسل رسالة قوية إلى الدول المتوسطة والصغيرة: التحالف مع قوة عظمى لا يعني بالضرورة ضمانًا مطلقًا للأمن.

تآكل الثقة لا يعني الانحياز للصين

من الأخطاء الشائعة افتراض أن أي تراجع في النفوذ الأمريكي يصب تلقائيًا في مصلحة الصين. غير أن الواقع الإقليمي أكثر تعقيدًا. فمع أن استطلاعات الرأي ومؤشرات المزاج السياسي تُظهر تراجعًا في الثقة بواشنطن، فإن ذلك لا يترجم مباشرة إلى اصطفاف مع بكين.

فالعديد من دول المنطقة تنظر إلى الصين بوصفها شريكًا اقتصاديًا حيويًا، لكنها في الوقت نفسه تتحفظ على صعودها الأمني، وعلى سلوكها في بحر الصين الجنوبي، وعلى استخدام النفوذ الاقتصادي كأداة ضغط سياسي.

ولهذا، فإن ما نشهده ليس انتقالًا من محور أمريكي إلى محور صيني، بل انتقالًا من منطق الاعتماد الأحادي إلى منطق التوازن المرن.

صعود استراتيجية التنويع

أمام هذا المشهد، تتبنى دول جنوب شرق آسيا مقاربة أكثر براغماتية تقوم على تنويع الشراكات الاستراتيجية. فلم تعد الولايات المتحدة الشريك الأمني الوحيد، ولا الصين الخيار الاقتصادي الوحيد. بل باتت قوى مثل اليابان وأستراليا والهند وتركيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي تُنظر إليها باعتبارها مصادر بديلة للتكنولوجيا الدفاعية، والتعاون الاقتصادي، والدعم الدبلوماسي.

هذا التحول يعكس نضجًا استراتيجيًا متزايدًا في المنطقة. فالدول المتوسطة لم تعد ترى نفسها مضطرة للاختيار بين قطبين، بل تسعى إلى تعظيم مكاسبها من جميع الأطراف وتقليل هشاشتها أمام تقلبات القوى الكبرى.

الحرب والطاقة والاقتصاد السياسي

للحرب مع إيران أثر مباشر آخر بالغ الأهمية بالنسبة لجنوب شرق آسيا: الطاقة. إذ تعتمد اقتصادات آسيان بدرجات متفاوتة على واردات النفط والغاز القادمة من الشرق الأوسط، ما يجعل أي اضطراب في مضيق هرمز تهديدًا مباشرًا للنمو والاستقرار المالي.

إن ارتفاع أسعار الطاقة، وتقلب تكاليف الشحن والتأمين، وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة، كلها عوامل تضغط على اقتصادات تعتمد على التصنيع والتصدير والانفتاح التجاري. ومن هنا، تنظر دول المنطقة إلى حرب الخليج أو المواجهة مع إيران ليس بوصفها ملفًا بعيدًا، بل كخطر داخلي على الوظائف، والتضخم، والاستقرار الاجتماعي.

أزمة النفوذ الأمريكي في آسيا

ما تكشفه الأزمة الحالية ليس مجرد خلاف ظرفي، بل تحول أعمق في صورة الولايات المتحدة داخل المنطقة. فقد اعتادت واشنطن لعقود أن تُنظر إليها باعتبارها الضامن البحري، والقوة الموازنة، والمركز السياسي للنظام الإقليمي. أما اليوم، فتظهر في أعين كثيرين كقوة مشغولة أكثر من اللازم، منقسمة داخليًا، ومتقلبة في التزاماتها الخارجية.

كما أن تغيّر الإدارات الأمريكية وتبدل الأولويات بين إدارة وأخرى يفاقم الإحساس بعدم اليقين. فالدول الآسيوية تفضّل الشركاء القابلين للتنبؤ، لا القوى التي تعيد تعريف التزاماتها كل أربع سنوات.

هل تستفيد الصين؟

تستفيد الصين جزئيًا من هذا المناخ، لكنها لا تحصد مكاسب مجانية. فالتوترات مع عدد من دول المنطقة، خصوصًا الفلبين، والنزاعات البحرية المستمرة، تجعل صعود بكين محفوفًا بالقيود.

بمعنى آخر، ضعف الثقة بأمريكا لا ينتج تلقائيًا ثقة بالصين، بل يخلق فراغًا نسبيًا تتنافس على ملئه قوى متعددة.

فرصة لآسيان أم اختبار لوحدتها؟

قد تكون اللحظة الحالية فرصة لدول الآسيان لتعزيز وحدتها الداخلية. فبدل الاكتفاء بإدارة التباينات بين أعضائها، يمكن للتكتل أن يطور سياسة خارجية أكثر تنسيقًا، واستراتيجية طاقة أكثر أمنًا، ومقاربات دفاعية أكثر تكاملًا.

لكن هذا المسار ليس مضمونًا، إذ ما تزال الانقسامات الداخلية قائمة، وتختلف أولويات الأعضاء بين من يركز على الصين، ومن يركز على الاقتصاد، ومن يفضل الموازنة الصامتة.

الغاية أن حرب يران تكشف أن التحولات الجيوسياسية الكبرى لا تُقاس فقط بما يحدث في ساحات القتال، بل أيضًا بما تتركه من أثر في حسابات الحلفاء والشركاء البعيدين. وفي جنوب شرق آسيا، يتجسد هذا الأثر في تراجع الثقة بالضمانة الأمريكية، وصعود سياسات التحوط، وتنويع الشراكات، والسعي إلى استقلالية أكبر.

إن المنطقة لا تنقلب على واشنطن، لكنها تعيد حساباتها تجاهها. وهذا فارق بالغ الأهمية. فالنفوذ الأمريكي قد لا ينهار فجأة، لكنه يتآكل تدريجيًا عندما يبدأ الحلفاء في الاستعداد لعالم قد لا تكون فيه أمريكا دائمًا حاضرة أو راغبة أو قادرة.