بث تجريبي

مضيق هرمز وتآكل الهيمنة البحرية الأمريكية

تقدير موقف - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثًا أمنيًا عابرًا مرتبطًا بالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بل تحولت إلى مؤشر بالغ الدلالة على التحولات العميقة التي يشهدها النظام البحري العالمي. فالمضيق الذي ظل لعقود شريانًا رئيسيًا لتدفقات الطاقة الدولية، بات اليوم مرآة تعكس حدود القوة التقليدية، وتغير موازين الردع، وتراجع قدرة قوة واحدة على إدارة المجال البحري العالمي منفردة.

لقد ارتبط الاستقرار الاقتصادي العالمي طويلًا بحرية الملاحة التي ضمنت واشنطن حمايتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. غير أن التطورات المتلاحقة، من البحر الأحمر إلى البحر الأسود، ومن قناة بنما إلى هرمز، تشير إلى أن البيئة البحرية الدولية دخلت مرحلة جديدة، تتسم بارتفاع المخاطر، وتعدد الفاعلين، وتزايد التنافس على نقاط الاختناق الاستراتيجية.

مضيق هرمز من ممر للطاقة إلى أداة نفوذ استراتيجي

أثبتت الأزمة الأخيرة أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر لعبور النفط والغاز، بل أصبح أداة ضغط جيوسياسي فعالة. فإيران، رغم الفجوة العسكرية بينها وبين خصومها، نجحت في توظيف موقعها الجغرافي لفرض معادلة ردع غير مباشرة، تقوم على التهديد بتعطيل التجارة العالمية أكثر من خوض مواجهة تقليدية واسعة.

ويكشف هذا التحول أن الجغرافيا ما زالت قادرة على موازنة التفوق العسكري. فالدولة التي تسيطر على نقطة اختناق حيوية تستطيع إرباك خصوم يفوقونها قوة، عبر رفع كلفة التأمين، وتعطيل الشحن، وإثارة القلق في الأسواق، دون الحاجة إلى انتصار عسكري مباشر.

حدود القوة البحرية الأمريكية في البيئة الجديدة

رغم التفوق البحري الأمريكي الواضح، فإن تأمين مضيق هرمز بالقوة لم يعد مهمة سهلة كما كان الحال في العقود السابقة. فبيئة الصراع البحري تغيرت جذريًا، مع انتشار الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والزوارق الهجومية السريعة، وأنظمة الحرب غير المتناظرة. الأمر الذي يعني أن حاملات الطائرات والمدمرات الضخمة، رغم رمزيتها وقدراتها، باتت تواجه تهديدات منخفضة الكلفة وعالية التأثير. ومن ثم، فإن استخدام القوة العسكرية لتأمين الملاحة أصبح أكثر تعقيدًا، وأكثر كلفة سياسيًا وبشريًا، وأقل ضمانًا لتحقيق نتائج سريعة.

ومن هنا، تبدو واشنطن في موقع إعادة تقييم لدورها التقليدي كضامن مطلق لأمن البحار.

من الهيمنة البحرية إلى الإدارة الانتقائية

تكشف السياسات الأمريكية الحديثة عن تحول تدريجي من مفهوم "توفير الأمن البحري كمنفعة عامة دولية" إلى مفهوم أكثر براغماتية يقوم على تقاسم الأعباء وربط الحماية بالمصلحة المباشرة. ويظهر ذلك في مطالبة الحلفاء الأوروبيين بتحمل أدوار أكبر، وفي التردد تجاه التدخلات المكلفة طويلة الأمد. ولا يعكس هذا التغير مجرد تبدلًا في الرؤية الاستراتيجية، بل أيضًا تحولات داخلية أمريكية ترى أن تحمل كلفة حماية التجارة العالمية لم يعد مقبولًا بالصيغة السابقة، خاصة في ظل صعود منافسين يستفيدون من النظام ذاته دون تحمل أعبائه.

وبذلك، تنتقل الولايات المتحدة من نموذج الهيمنة الشاملة إلى نموذج الإدارة الانتقائية للممرات الحيوية.

الصين بين الاستفادة من النظام والقلق من تراجعه

تمثل الصين أبرز المستفيدين من الاستقرار البحري الذي وفرته القوة الأمريكية. فقد بنت شبكات واسعة من الموانئ والاستثمارات اللوجستية حول العالم، وعززت اعتمادها على التجارة البحرية كمحرك رئيسي لنموها الاقتصادي. لكن المفارقة أن الصين، رغم صعودها البحري، لا تزال تعتمد على ممرات استراتيجية لا تتحكم بها بالكامل. فتعطل مضيق هرمز أو قناة بنما أو غيرهما لا يضر الولايات المتحدة وحدها، بل يهدد أيضًا الاقتصاد الصيني الذي يقوم على انسياب التجارة العالمية.

ولهذا، فإن تراجع الهيمنة الأمريكية لا يمثل مكسبًا صافيًا لبكين، بل قد يفرض عليها أعباء تأمين طرق التجارة، وهي مهمة مكلفة ومعقدة وتتطلب خبرة وانتشارًا عالميًا لم يكتمل بعد.

صعود الفاعلين غير الدولتيين وتراجع احتكار القوة

من أبرز ملامح المرحلة الراهنة أن تعطيل الملاحة لم يعد حكرًا على الدول الكبرى. فقد أظهرت هجمات  الحوثيين في البحر الأحمر، وعودة القرصنة قبالة سواحل الصومال، أن جماعات محدودة الموارد قادرة على إرباك تجارة عالمية بمليارات الدولارات.

هذا التطور يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة القوة البحرية؛ إذ باتت التكنولوجيا الرخيصة نسبيًا، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ البسيطة والزوارق السريعة، قادرة على تحدي أساطيل تقليدية ضخمة.

وبالتالي، فإن أمن البحار في المستقبل لن يعتمد فقط على القطع البحرية الثقيلة، بل على شبكات إنذار مبكر، وقدرات استخباراتية، وتنسيق متعدد المستويات.

القانون البحري بين النصوص وميزان القوة

أظهرت أزمة هرمز أيضًا أن القانون البحري الدولي ما زال هشًا عندما يصطدم بإرادة القوى الكبرى. فعدم انضمام بعض الدول المؤثرة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتعدد التفسيرات القانونية لحقوق المرور والسيادة، يجعلان كثيرًا من النزاعات البحرية رهينة موازين القوة أكثر من خضوعها لقواعد قانونية ملزمة، وهو ما يطرح تحديًا كبيرًا أمام المجتمع الدولي، لأن الممرات البحرية الحيوية تحتاج إلى قواعد واضحة وآليات تنفيذ موثوقة، لا إلى تفسيرات متنافسة تتغير بتغير موازين القوى.

انعكاسات اقتصادية تتجاوز ساحات الصراع

كل اضطراب بحري كبير ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي. فارتفاع تكاليف التأمين، وإطالة مسارات الشحن، وتعطل تدفقات الطاقة، كلها عوامل تدفع نحو التضخم وتضغط على سلاسل الإمداد.

ومن ثم، فإن أزمات البحار لم تعد شأنًا أمنيًا فقط، بل أصبحت جزءًا من معادلة الاستقرار المالي والغذائي والصناعي العالمي. وهذا ما يجعل مضيقًا صغيرًا جغرافيًا قادرًا على إحداث ارتدادات واسعة في قارات بعيدة.

بشكل عام، تكشف أزمة مضيق هرمز أن العالم يمر بمرحلة انتقال في بنية النظام البحري الدولي. فالهيمنة الأمريكية لم تعد مطلقة، والصين لم تصبح بديلًا كاملًا، والقوى الإقليمية والفاعلون غير الدولتيين باتوا أكثر قدرة على التأثير. وفي ظل غياب ترتيبات دولية جديدة واضحة، قد تدخل التجارة العالمية مرحلة أكثر اضطرابًا، حيث تتعدد القوى المسيطرة على البحار، لكن يتراجع مستوى اليقين والاستقرار. ولهذا، فإن مستقبل النظام الدولي لن يتحدد فقط في العواصم الكبرى، بل أيضًا في المضائق والموانئ وخطوط الملاحة التي تربط الاقتصاد العالمي بعضه ببعض.