بريكست بين منطق السيادة ومنطق الاقتصاد
أحد الأخطاء الشائعة في تقييم «بريكست» يتمثل في النظر إليه باعتباره قراراً اقتصادياً بحتاً، بينما كان في جوهره قراراً سيادياً وهوياتياً. فأنصار الخروج لم يصوتوا بالضرورة على أساس تحقيق معدلات نمو أعلى أو زيادة الناتج المحلي الإجمالي، بل انطلاقاً من قناعة مفادها أن استعادة القرار الوطني تستحق تكلفة اقتصادية محتملة. وهنا تكمن المعضلة الأساسية التي لا تزال تقسم المجتمع البريطاني حتى اليوم: هل يمكن قياس نجاح مشروع سياسي بحجم «بريكست» من خلال مؤشرات النمو والتجارة فقط، أم أن استعادة السيادة التشريعية والحدودية تمثل قيمة سياسية مستقلة بحد ذاتها؟
غير أن التجربة خلال السنوات العشر الماضية أظهرت أن الفصل بين الاقتصاد والسيادة ليس سهلاً كما تصور مؤيدو الخروج. ففي عالم تتشابك فيه سلاسل الإمداد والاستثمارات والأسواق المالية، تتحول السيادة الاقتصادية إلى مفهوم نسبي لا يمكن ممارسته بمعزل عن الشركاء التجاريين. لذلك وجدت بريطانيا نفسها بعد الخروج مضطرة إلى التفاوض باستمرار مع الاتحاد الأوروبي بشأن قضايا التجارة والطاقة والصيد البحري والهجرة والأمن، ما يعني أن الاستقلال السياسي الكامل بقي هدفاً نظرياً أكثر منه واقعاً عملياً.
بريطانيا في عالم تغير أكثر مما توقعه دعاة الخروج
عندما جرى الاستفتاء عام 2016 كان الافتراض السائد لدى كثير من مؤيدي «بريكست» أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو مزيد من الانفتاح التجاري وأن بريطانيا تستطيع بسهولة تعويض السوق الأوروبية عبر اتفاقيات عالمية جديدة. لكن العقد التالي شهد تحولات جذرية لم تكن في الحسبان؛ بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بالحرب الروسية الأوكرانية، وانتهاءً بتصاعد التنافس الأميركي الصيني وعودة السياسات الحمائية إلى الاقتصادات الكبرى.
في هذا السياق الجديد، تراجعت أهمية الرؤية التي قامت على تحويل بريطانيا إلى مركز عالمي للتجارة الحرة. فالعالم لم يتجه نحو مزيد من العولمة كما كان متوقعاً، بل نحو إعادة توطين الصناعات الاستراتيجية وتعزيز التكتلات الإقليمية. وبذلك وجدت بريطانيا نفسها خارج أكبر تكتل اقتصادي مجاور لها في وقت أصبح فيه الانتماء إلى الكتل الاقتصادية الكبرى أكثر أهمية لا أقل.
أزمة الإنتاجية: المشكلة الأعمق من بريكست
ورغم أن كثيراً من الدراسات تربط تباطؤ النمو البريطاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي، فإن المشكلة الحقيقية تبدو أعمق من ذلك. فالمملكة المتحدة تعاني منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 من أزمة مزمنة في الإنتاجية والاستثمار. وقد جاء «بريكست» ليضاعف هذه التحديات لا ليخلقها من الصفر.
فالإنتاجية البريطانية كانت تنمو بمعدلات أقل من معظم الاقتصادات المتقدمة حتى قبل الاستفتاء، كما أن الفجوة التنموية بين لندن وجنوب شرق إنجلترا من جهة، وبين المناطق الصناعية السابقة في الشمال والوسط من جهة أخرى، كانت تتسع منذ عقود. ولهذا يرى عدد من الاقتصاديين أن الخروج من الاتحاد الأوروبي لم يكن سبب الأزمة بقدر ما كان انعكاساً لها، حيث صوتت كثير من المناطق التي شعرت بالتهميش الاقتصادي لصالح المغادرة احتجاجاً على نموذج التنمية القائم.
هل تحولت لندن إلى الخاسر الأكبر؟
كانت مدينة لندن تمثل إحدى أقوى الحجج ضد الخروج من الاتحاد الأوروبي، نظراً إلى مكانتها باعتبارها المركز المالي الأول في أوروبا. وبعد «بريكست» فقدت المؤسسات المالية البريطانية جزءاً من امتياز "جواز السفر الأوروبي" الذي كان يسمح لها بتقديم خدماتها داخل السوق الأوروبية الموحدة بسهولة.
ورغم أن لندن احتفظت بمكانتها العالمية ولم تشهد نزوحاً جماعياً للمؤسسات المالية كما كان متوقعاً، فإن مدناً أوروبية مثل باريس وفرانكفورت وأمستردام استفادت من إعادة توزيع بعض الأنشطة المالية والاستثمارية. وبذلك لم تتحقق المخاوف القصوى للمؤسسات المالية البريطانية، لكن المدينة فقدت أيضاً جزءاً من ميزتها التنافسية التي تمتعت بها لعقود باعتبارها البوابة الطبيعية لرؤوس الأموال إلى أوروبا.
البعد الجيوسياسي: من لاعب أوروبي إلى قوة متوسطة مستقلة
على المستوى الاستراتيجي، أخرج «بريكست» بريطانيا من دائرة صنع القرار الأوروبي في مرحلة تشهد تصاعداً غير مسبوق للتحديات الأمنية. فالحرب في أوكرانيا وأزمات الطاقة والهجرة والتنافس مع روسيا والصين دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز التنسيق السياسي والدفاعي بين أعضائه، بينما أصبحت لندن شريكاً خارجياً بدلاً من كونها طرفاً مقرراً داخل المنظومة.
صحيح أن بريطانيا ما تزال قوة عسكرية ودبلوماسية كبرى وعضواً دائماً في مجلس الأمن وشريكاً أساسياً للولايات المتحدة، إلا أن قدرتها على التأثير في السياسات الأوروبية أصبحت تمر عبر التفاوض والإقناع بدلاً من المشاركة المباشرة في صنع القرار. ومن ثم فإن أحد الأسئلة التي يطرحها العقد الأول بعد «بريكست» هو ما إذا كانت بريطانيا قد استعادت سيادتها الوطنية مقابل تقليص قدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي.
لماذا يتزايد الحديث عن إعادة ضبط العلاقة مع أوروبا؟
المفارقة أن معظم النقاش السياسي البريطاني اليوم لم يعد يدور حول العودة إلى الاتحاد الأوروبي، بل حول كيفية تقليل الخسائر الناتجة عن الانفصال. فالحكومات المتعاقبة باتت تدرك أن إعادة بناء قنوات التعاون مع بروكسل أصبحت ضرورة اقتصادية وأمنية أكثر منها خياراً سياسياً.
وتشير هذه التحولات إلى أن بريطانيا دخلت مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«ما بعد بريكست»، حيث لم يعد السؤال متعلقاً بالبقاء أو المغادرة، وإنما بكيفية إدارة واقع جديد يفرض قدراً من التعاون الوثيق مع أوروبا دون العودة إلى العضوية الكاملة. وهذا التحول يعكس اعترافاً متزايداً داخل النخبة السياسية بأن الانفصال القانوني لا يلغي حقائق الجغرافيا والاقتصاد.
خاتمة تحليلية
بعد مرور عقد كامل، يبدو أن «بريكست» لم يكن الانتصار الحاسم الذي وعد به أنصاره، ولا الكارثة الوجودية التي حذر منها معارضوه. لكنه كان نقطة تحول تاريخية كشفت حدود السيادة الوطنية في عصر الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وأظهرت أن القرارات السياسية الكبرى لا تُقاس فقط بنتائجها المباشرة، بل بقدرتها على التكيف مع عالم متغير. ولذلك فإن الحكم النهائي على «بريكست» لا يزال مؤجلاً، لأن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان الخروج صحيحاً أو خاطئاً، بل ما إذا كانت بريطانيا قادرة على بناء نموذج اقتصادي واستراتيجي جديد يجعل من استقلالها السياسي مصدر قوة لا عبئاً إضافياً على اقتصاد يعاني أصلاً من تحديات هيكلية عميقة.
