بث تجريبي

في اليوم العالمي للبيئة: الأرض ترفع صوت الإنذار والعالم مطالب بالتحرك

تقارير وملفات - شبكة الاستشراف

كتبت / زهور مشرقي - تونس

يأتي اليوم العالمي للبيئة، الذي يُحتفل به سنوياً في الخامس من يونيو (حزيران)، بوصفه إحدى أهم المناسبات الدولية التي تسعى إلى رفع الوعي البيئي وحشد الجهود الجماعية لمواجهة التحديات التي تهدد مستقبل الكوكب. غير أن احتفال هذا العام لا يقتصر على الجانب الرمزي أو التوعوي، بل يأتي في لحظة فارقة تزداد فيها المؤشرات العلمية التي تؤكد أن أزمة المناخ لم تعد احتمالاً مستقبلياً، وإنما واقعاً ملموساً تتجسد آثاره في مختلف أنحاء العالم.

وتستضيف العاصمة الأذربيجانية باكو فعاليات اليوم العالمي للبيئة لعام 2026 تحت شعار: «مستلهمون من الطبيعة... من أجل المناخ ومن أجل مستقبلنا»، وهو شعار يعكس الحاجة الملحة إلى تسريع العمل المناخي وتعزيز مسارات التنمية المستدامة في مواجهة التحديات البيئية المتفاقمة.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات العالمية للتحرك، تواصل الأرض إرسال إشارات تحذيرية متلاحقة. فارتفاع درجات الحرارة، وازدياد حرائق الغابات، وتسارع ذوبان الأنهار الجليدية، وارتفاع مستويات البحار، لم تعد مجرد مؤشرات علمية في تقارير متخصصة، بل أصبحت حقائق تؤثر بصورة مباشرة على حياة ملايين البشر واقتصادات الدول واستقرار المجتمعات.

وتشير المعطيات العلمية الصادرة عن المؤسسات الدولية المتخصصة في المناخ إلى أن الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2025 سجلت أكثر الأعوام حرارة منذ بدء تسجيل البيانات المناخية الحديثة. كما بلغ متوسط درجة حرارة سطح الأرض خلال عام 2025 نحو 1.43 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، ليصنف ضمن أكثر الأعوام حرارة في التاريخ الحديث.

ولا تبدو التوقعات أكثر تفاؤلاً خلال السنوات المقبلة. فالتقديرات تشير إلى أن متوسط درجات الحرارة العالمية خلال الفترة بين 2026 و2030 قد يتجاوز في بعض السنوات عتبة 1.5 درجة مئوية التي حددها اتفاق باريس للمناخ بوصفها الحد الذي ينبغي عدم تجاوزه لتفادي أخطر تداعيات التغير المناخي. ويعني ذلك أن العالم يقترب أكثر من دخول مرحلة من الاختلالات المناخية التي قد يصعب احتواؤها مستقبلاً.

ولا تقتصر مظاهر الأزمة على ارتفاع درجات الحرارة فحسب، بل تمتد إلى تغيرات هيكلية في النظم البيئية العالمية. فقد ارتفع متوسط مستوى سطح البحر بما يتراوح بين 21 و24 سنتيمتراً منذ أواخر القرن التاسع عشر، مع استمرار تسارع هذه الزيادة نتيجة تمدد مياه المحيطات بفعل الاحترار العالمي وتسارع ذوبان الصفائح الجليدية والأنهار المتجمدة. وتشكل هذه الظاهرة تهديداً مباشراً للمناطق الساحلية المنخفضة والدول الجزرية التي تواجه مخاطر وجودية حقيقية.

كما تشهد المناطق القطبية تغيرات غير مسبوقة، حيث سجل الجليد البحري في القطب الشمالي مستويات متدنية تاريخياً خلال عام 2026، بينما تتسارع وتيرة فقدان الكتل الجليدية في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، الأمر الذي يسهم في زيادة معدلات ارتفاع مستوى البحار عالمياً.

وفي موازاة ذلك، أصبحت الظواهر المناخية المتطرفة أكثر تكراراً وشدة من أي وقت مضى. فموجات الحر والجفاف والفيضانات والأعاصير وحرائق الغابات باتت تمثل جزءاً متكرراً من المشهد المناخي العالمي، مع ما يرافق ذلك من خسائر بشرية واقتصادية متزايدة.

وتكشف التجارب الأخيرة في مختلف القارات عن حجم التحدي. ففي أوروبا، التي ترتفع فيها درجات الحرارة بمعدل يفوق المتوسط العالمي بمرتين تقريباً، تسببت موجات الحر خلال عام 2025 في آلاف الوفيات، بينما شهدت البرتغال وإسبانيا حرائق واسعة التهمت مئات الآلاف من الهكتارات.

أما في أميركا الشمالية، فقد سجلت حرائق لوس أنجلوس خلال العام الماضي أرقاماً قياسية من حيث حجم الخسائر الاقتصادية وعدد المباني المتضررة والنازحين، في حين شهدت مناطق أخرى في الولايات المتحدة فيضانات وعواصف مدمرة خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة.

وفي آسيا، تسببت الفيضانات في باكستان بمقتل أكثر من ألف شخص، بينما واجهت الهند وشرق آسيا موجات حر استثنائية وأعاصير شديدة، في حين تعرضت الصين لفيضانات واسعة النطاق ألحقت أضراراً اقتصادية كبيرة.

ولم تكن إفريقيا وأميركا اللاتينية بمنأى عن هذه التطورات، حيث عانت مناطق واسعة من موجات جفاف حادة ترافقت مع فيضانات مدمرة في مناطق أخرى، بينما واجه حوض الأمازون حرائق واسعة النطاق تهدد التنوع البيولوجي وتضعف أحد أهم المخازن الطبيعية للكربون في العالم.

وفي أستراليا ومنطقة المحيط الهادئ، تواصلت موجات الحر والحرائق خلال الأشهر الأولى من عام 2026، إلى جانب التهديدات المتزايدة التي تواجه الشعاب المرجانية بسبب ارتفاع درجات حرارة البحار وزيادة حموضة المحيطات.

هذه التطورات لا تمثل أحداثاً معزولة أو استثنائية، بل تعكس تحولاً هيكلياً في النظام المناخي العالمي. ولذلك، فإن التعامل معها لم يعد خياراً سياسياً أو اقتصادياً يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة ترتبط بمستقبل الأمن الغذائي والمائي والصحي والاقتصادي للبشرية.

ورغم قتامة المشهد، فإن هناك مؤشرات إيجابية تستحق التوقف عندها. فقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تسارعاً ملحوظاً في التحول نحو الطاقة النظيفة. وللمرة الأولى في العصر الحديث، تجاوزت مصادر الطاقة المتجددة، بما في ذلك الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، حصة الفحم في إنتاج الكهرباء عالمياً خلال عام 2025. كما أصبحت الاستثمارات الموجهة لقطاع التحول الطاقوي تسجل مستويات قياسية متزايدة عاماً بعد آخر.

وتقود دول كبرى، مثل الصين والهند، جهود التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، في حين تواصل الدول الأوروبية تنفيذ سياسات تستهدف تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري وتسريع التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون. ومع ذلك، يرى الخبراء أن هذه الجهود لا تزال أقل من المستوى المطلوب لتحقيق أهداف اتفاق باريس والحفاظ على الاحترار العالمي ضمن الحدود الآمنة.

وتؤكد أزمة المناخ مرة أخرى أن معالجتها لا يمكن أن تتم من خلال سياسات وطنية منفردة، بل تتطلب تعاوناً دولياً واسع النطاق يقوم على مبدأ المسؤوليات المشتركة والمتباينة. فالدول الصناعية الكبرى، التي استفادت لعقود من أنماط تنموية كثيفة الانبعاثات الكربونية، تتحمل مسؤولية أكبر في تمويل جهود التكيف المناخي ونقل التكنولوجيا ودعم الدول النامية الأكثر تضرراً رغم مساهمتها المحدودة في إنتاج الأزمة.

ومن هذا المنطلق، فإن دعم الدول الجزرية المهددة بارتفاع مستوى البحار، ومساندة الزراعة في إفريقيا جنوب الصحراء، وحماية الغابات الاستوائية، لا يمثل عملاً تضامنياً فحسب، بل استثماراً في استقرار النظام البيئي العالمي الذي تتقاسم البشرية بأسرها منافعه ومخاطره.

وفي اليوم العالمي للبيئة، تبدو الرسالة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: إن إشارات الإنذار التي يطلقها الكوكب تزداد قوة وتسارعاً، فيما يضيق هامش الوقت المتاح للتحرك. وبينما تتواصل التحذيرات العلمية من تداعيات التغير المناخي، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة المجتمع الدولي على الانتقال من مرحلة التعهدات والخطابات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. فالأرض التي نتقاسم العيش عليها واحدة، ومستقبلها لن يتحدد إلا بمدى قدرتنا على العمل المشترك لحماية المناخ وضمان استدامة الحياة للأجيال القادمة.