كما أن تعريف المواطن الذى أسلفنا الحديث عنه فى مقال الأحد 16 أغسطس الجارى كان ضروريا لما انتابه من غموض فى أذهان العامة والخاصة؛ فإن الدولة بدورها تعيش نفس الغموض.
وفى العموم إذا كان «المواطن» غلبان قليل الحيلة ولا يتحمل أية مسؤولية فى خواء جيبه؛ فإن الدولة تتحمل كل المسؤولية وهى التى لا تكف عن فرض الضرائب وزيادة أسعار السلع والقيام بمشروعات لا عائد لها. لا بأس فى هذه المعادلة بين المواطن والدولة من الابتزاز بأن المواطن سوف يخرج إلى «ثورة» يناير مرة أخرى على الدولة التى عمل فى مشاريعها القومية، وهى التى أدخلته عالم الغاز بعد أنابيب البوتاجاز، وخلقت له من المواصلات والاتصالات العامة الحديثة ما يقرب فيها من مستويات العالم المتقدم. المؤرخون لثورة يناير يفشلون فى التعرف على أسباب اقتصادية لما جرى؛ ولكن موضوعنا لا يزال هنا ما تلاها مباشرة من سيطرة الإخوان على القيادة ومن بعدها لأول مرة فى تاريخ مصر على السلطة السياسية وفشلها الكامل فى تقديم برنامج وطنى للدولة وليس دولة «الخلافة».
وإذا كان هناك فى تعريف للمواطن فإن الخلط الشديد فى مفهوم الدولة، خاصة المصرية، يظل عاجزا عن الفهم.
التعريف التقليدى للدولة هو أنها كيان اجتماعى يضم جماعة من البشر استقرت على إقليم من الأرض ولديه لحسن النظام سلطة «سياسية» تسوس أحوال العباد حاضرا ومستقبلا. هى مصدر السيادة وحماية الأرض والعرض والمحافظة على هوية الجمع وأجياله القادمة.
الدولة ليست «الحكومة» التى هى أداة تنفيذية لما تستقر عليه «الإرادة العامة» وهى السلطة السياسية المشروعة بحق الاحتكار للسلاح وإنفاذ القانون وتنفيذ ما استقر عليه المجمع الوطنى من أهداف وطنية. ما يحدث عادة داخل «النخبة السياسية» والاقتصادية المصرية أن الدولة ما هى إلا لخدمات المواطنين، والفقراء منهم خاصة، وهى لم توجد لقيادتهم والمحافظة على هويتهم ومنع العداء عنهم؛ وفى الحالة المصرية السعى نحو التقدم ورفع المكانة وضمان عيش الأجيال القادمة. ومنذ بدأت الدولة فى وضع برامجها الطموحة لبناء دولة المصريين الجديدة؛ فإن الاعتراض الأساسى على ما يجرى أن تكون «الأولويات» فى اتجاه توزيع الثروة على الفقراء؛ ولا حاجة لاستثمارات فاخرة لا يدخل منها شىء لجيوب «المواطنين»!
هناك بين النخبة من يخصص أمر «أولويات الدولة» فى قطاع أو قطاعات بعينها وكلها خدمات مثل «التعليم» و«الصحة» دونما بحث فيما حدث للقطاعين فى السياسات الحكومية والقطاع الخاص. هذا الأخير يقع فى موقعين داخل النخبة فهو يشكو دائما من قلة حيلته إزاء طغيان «الدولة» بينما يشكو فى نفس الوقت من «مزاحمة» السلطة العامة. مثل ذلك يحدث فى كثير من المجتمعات والدول؛ ولكن الأمر فى النهاية يستقر على من له شرعية القيادة التى تشغلها أمور كثيرة.
«النخبة» الناقدة بالصراحة والغمز واللمز كثيرا ما تتعرف على «حلقة النار» التى تحيط بمصر شرقا (فلسطين وإسرائيل والمشرق العربى وشبه الجزيرة العربية التى تطل عليها إيران ومضايق البحار)، وغربا (ليبيا وتشاد) والجنوب (السودان والصومال وإثيوبيا) حيث الحروب الأهلية ونصيب الماء الاستراتيجى. ولكن التعرف لا يكفى معرفة تكلفة العيش فى نطاق ساخن بالإرهاب والحرب والجوع واللاجئين.
لم يرد فى يسار ويمين النخبة السياسية والاقتصادية والثقافية أكثر من رصد الخطر، ولكن أدوات مواجهته وتعبئة مواردها، تظل غائبة. ومنذ قام «المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية» بالبحث الشامل بنشر بحثه العمدة «تكلفة الإرهاب» فإن عملا آخر لم يصدر، ولكن المؤكد أن الإرهاب وتوابعه وموانعه تقع أثقالها على كتف الدولة كمجتمع للمواطنين الفقراء والأغنياء معا وما بينهما من شرائح اجتماعية وجغرافية ووظيفية.
مسؤولية الدولة كما جاءت فى الأدب السياسى منذ أفلاطون هى مراعاة التغيير الذى يجرى فى الداخل الخارج؛ وفى الأول يكون البناء على ما قامت به أجيال سابقة؛ وفى الحالة المصرية الخروج من الخلافة العثمانية والتخلص من الاحتلال البريطانى والإسرائيلى مرتين؛ وفى الثانى - الخارج - المباراة فى السباق العالمى ووضع مصر فى المكانة التى تستحقها. المشروعات العملاقة التى قامت بها الدولة، ونفذتها الحكومة والقطاعان العام والخاص، توضح الحالة المصرية الآن فى نطاق إقليمى مشتعل كدولة بناء واستقرار، ودور دولى يتوسط لإيقاف الحرب وإقامة السلام، ودور عالمى لكونها مآلا لحج البشر إلى المتحف المصرى الكبير، وزيارة «الملتقى الأعظم» ومحور التنمية الأكبر فى التاريخ لدى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التى باتت ملاذا ومنفذا لإنقاذ التجارة والصناعة الدولية. الدولة المصرية المعاصرة تلهمها أصول مصرية هائلة الضخامة، رائعة المظهر، يفوح منها رمسيس الثانى ومحمد على وجمال عبد الناصر وأنور السادات. سلسلة القيادة الإقليمية قائمة ليست على «صوت العرب» وإنما على أكبر سوق اقتصادية فى الشرق الأوسط سواء كان ذلك للاستهلاك أو الاستثمار.
لم يكن ذلك سهلا، وأحيانا كان ذلك قائما على ديون ثقيلة، ولكن مصر لم يحدث تجاوزها موعد سداد، وإنما تحول الديون إلى أصول وثروات.
نقلا عن صحيفة المصري اليوم