خلال مؤتمره الصحفى مع ترامب بالبيت الأبيض أمس الأول، قال الرئيس اللبنانى جوزيف عون: «كنت أتطلع إلى هذه الزيارة منذ زمن طويل. شرف عظيم أن ألتقى رئيساً عظيماً مثلكم». رد ترامب موجها كلامه للصحفيين: «أرأيتم؟. عرف كيف يكسب ودى ويخاطبنى جيدا. الآن، يمكنه الحصول على أى شىء يريده». ليست هذه كلمات مجاملة. إنها أحد عناصر السياسة الخارجية فى عهد ترامب. الإطراء المُبالغ فيه، بل الممجوج، شرط أساسى قبل أى نقاش، وربما بعده. زعماء كثيرون فعلوا مثل عون، لكنهم لم يتورطوا أبعد من ذلك. هناك قيادات عربية تجاوزت المديح إلى ما هو أخطر.
خلال المؤتمر ذاته، أشبع ترامب زعيمين آخرين، هما الرئيس السورى أحمد الشرع ورئيس الوزراء العراقى على الزيدى، مديحا وإشادة. إنهم، من وجهة نظره. مستقبل المنطقة. الشرع هو النموذج الذى يريد الرئيس الأمريكى تعميمه. قال عنه: «قام بعمل رائع ونجح فى توحيد بلاده». وأضاف: «لن أتفاجأ إذا قام هذا السيد (عون) بعمل مماثل تماماً. الشرع جعل سوريا جزءا لا يتجزأ من الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة. انضم للتحالف الدولى لمكافحة الإرهاب، وأبدى الاستعداد للسير فى طريق التطبيع مع إسرائيل والموافقة على اتفاقيات أمنية وعسكرية مع واشنطن وتل أبيب. اعتنق رؤية ترامب التى تُقايض الأمن بالاقتصاد (عقيدة البيزنس) وتجريد السياسة من مبادئ الشرعية والحقوق لتتحول إلى فن الممكن. أصبح «الشرع» القائد الوظيفى المفضل لدى ترامب. رمى الأيديولوجيا جانبا، وتحكمت البراجماتية فيه. إزالة الجولان من الخريطة السورية، مثال صارخ.
رئيس الوزراء العراقى نموذج آخر. أشاد به ترامب قائلا: «هناك كيمياء هائلة وتوافق كبير بيننا». خلال زيارته مؤخرا لواشنطن، أثلج صدر ترامب بالحديث عن معادلة جديدة.. «خروج القوات الأمريكية من العراق ودخول الشركات الأمريكية». بدلا من النفوذ العسكرى، سيطرة اقتصادية. الزيدى التزم أيضا بوضع جدول زمنى نهائى لنزع سلاح الفصائل المسلحة وإنهاء النفوذ الإيرانى. واشنطن كانت تصف الحكومات العراقية السابقة بالتردد فى تنفيذ مطالبها وتتهمها بالتقارب مع إيران. الزيدى تعهد بحسم هذا التردد. مطالب واشنطن مُجابة. الرئيس عون هو العضو الجديد فى نادى القادة الجُدد، الذين يرى ترامب أن صعودهم يمثل فصلا جديدا من التنسيق المباشر والناجح مع الإدارة الأمريكية لإعادة ترتيب الأوضاع فى الشرق الأوسط وضمان الاستقرار. يريد ترامب من عون نزع سلاح حزب الله بأى وسيلة والتوصل لاتفاق سلام مع إسرائيل وإنهاء نفوذ إيران فى لبنان. لا يهمه التعقيدات الداخلية، أو الأزمات التى يمكن أن تتفجر بين المكونات اللبنانية، إذا لم يتم استيعاب مطالب الجماعات والقوى الرافضة.
المشكلة أن ترامب لا عهد له ولا وعد. التزاماته مصلحية وليست مبدئية. عقلية الصفقة تسيطر عليه. إذا تغيرت الظروف وقلت قيمة الصفقة، سيقذف بها فى أقرب سلة قمامة، كالمناديل الورقية تماما. ماذا يفعل هؤلاء القادة حينها؟. تقربهم من ترامب واستجابتهم لمطالبه، من شأنه إحداث انقسام شعبى خطير وفقدان للمصداقية، وربما قلاقل سياسية وأمنية. الأمثلة كثيرة. سوريا والعراق ولبنان ليست بحاجة إلى مخاطر أخرى. نادى ترامب للقادة الجدد ليس الحل.
نقلا عن صحيفة المصري اليوم