بث تجريبي

مأزق ترامب: إلى أين يتجه الجدل حول الجنسية بالميلاد فى الولايات المتحدة؟

دراسات وأبحاث - د. إبراهيم سيف منشاوي
د. إبراهيم سيف منشاوي
أستاذ القانون الدولى والتنظيم الدولى المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة

فى ٣٠ يونيو ٢٠٢٦، أيدت المحكمة العليا الأمريكية، بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، مبدأ حق المواطنة بالولادة، الذى يقضى بمنح الجنسية الأمريكية لجميع الأشخاص المولودين فى الولايات المتحدة، باستثناء حالات محدودة ينص عليها الدستور والقانون؛ وبذلك، رفضت المحكمة الأمر التنفيذى رقم ١٤١٦٠ الذى أصدره الرئيس دونالد ترامب، فور توليه منصبه فى ٢٠ يناير ٢٠٢٥، والمعنون «حماية معنى وقيمة المواطنة الأمريكية»؛ حيث كان ينص على أن الأطفال المولودين فى الولايات المتحدة لوالدين مقيمين فيها بصورة غير مشروعة أو بصورة مؤقتة لا يُعدون خاضعين لولايتها القضائية؛ ومن ثم لا يكتسبون الجنسية الأمريكية بموجب التعديل الرابع عشر أو بموجب قانون الهجرة والجنسية (Immigration and Nationality Act - INA).

ولم تحد المحكمة العليا عن سوابقها القضائية المتعلقة بهذه المسألة؛ حيث أعادت التأكيد أن هذا الحق يستمد قوته مباشرة من الدستور الأمريكى، وأنه لا يجوز الانتقاص منه بقرار تنفيذى أو بتشريع عادى.

وفى ضوء هذا الحكم، تبرز تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل مبدأ المواطنة بالولادة فى الولايات المتحدة، وحدود سلطة الدولة فى تنظيمه؛ ما يستدعى استشراف السيناريوهات القانونية والدستورية المحتملة لمسار هذه القضية خلال المرحلة المقبلة.

مبدأ تاريخى:

إن حق الجنسية بالميلاد فى الولايات المتحدة هو مبدأ مستمد من القانون العام الإنجليزى، ويُعرف باسم «حق الإقليم» (Jus Soli) أو «حق الأرض». وبيان ذلك، أن سكان المستعمرات الأمريكية- شأنهم فى ذلك شأن جميع سكان الإمبراطورية البريطانية- كانوا رعايا للتاج البريطانى. وهذه الرابطة كانت تستند إلى التصور الذى تبناه القانون العام لطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهى أن الملك يلتزم تجاه الأشخاص المولودين داخل أراضيه وسيادته بواجب الحماية. وفى المقابل، وبحكم هذه الحماية؛ يلتزم الأشخاص المولودون داخل أراضى الملك بواجب الولاء. كما يُعد الأطفال الذين يولدون وهم ملتزمون بهذا الولاء رعايا طبيعيين بالميلاد. وكان يُستثنى من تطبيق هذه القاعدة، الأشخاص المولودون فى الأقاليم الخارجة عن السيطرة الفعلية للملك أو هؤلاء المولودون أثناء فترة الاحتلال لقلعة أو حصن، وكذلك السفراء وأفراد أسرهم إعمالًا لفكرة الإقليمية القانونية المفترضة؛ إذ يظلون خاضعين لولاء الدولة المرسلة.

ومع ذلك، وفيما عدا تلك الاستثناءات المحدودة، كانت سلطة الملك- وما يقابلها من حقه فى مطالبة الأفراد بالولاء- تُعد سلطة كاملة وشاملة. فإذا دخلت امرأة أجنبية إلى الجزر البريطانية، وأنجبت طفلًا، ثم غادرت البلاد فى اليوم التالى مباشرة؛ فإن هذا الطفل يظل مع ذلك من الرعايا البريطانيين بالميلاد. ويرجع هذا إلى أن الطفل يُعد مدينًا بولاء ضمنى للملك الذى وفر له الحماية القانونية لحظة ميلاده، بغض النظر عن وجوده العابر والمؤقت داخل أراضى المملكة؛ وهو ما يعنى، من بين جملة أمور، أن معيار اكتساب صفة الرعية هو الخضوع لحماية وسيادة الملك وقت الميلاد، لا مدة الإقامة أو نية الاستقرار. كما انطبق الأمر ذاته على الأطفال المولودين داخل المملكة لوالدين كانوا خاضعين لإجراءات الطرد أو الإبعاد. فقد ظلت القاعدة المقررة بالنسبة لهؤلاء الأطفال وسائر المولودين داخل الأراضى البريطانية أنه حيثما وُجدت الحماية؛ وُجد الولاء، وحيثما وُجد الولاء؛ ثبتت صفة الرعية الطبيعية بالميلاد.

وهذا الفهم لرابطة الجنسية قد انتقل مع المستعمر الإنجليزى إلى أمريكا الشمالية، واستمر العمل به بعد قيام الثورة الأمريكية مع قدر ضئيل من التغيير؛ إذ استُبدلت صفة «الرعية» التابعة للتاج البريطانى بصفة «المواطن» فى الولايات الجديدة، دون المساس بالأساس القانونى الذى تقوم عليه هذه الرابطة. وأصبح المبدأ، المستمد من القانون العام الإنجليزى والمعروف باسم «حق الإقليم»، هو القاعدة السائدة فى جميع الولايات الأمريكية عقب الاستقلال. ويشير إلى أن رابطة المواطنة تقوم على العلاقة المتبادلة بين الحماية التى توفرها الدولة والولاء الذى يدين به الفرد لها.

ويظهر من هذا التطور التاريخى أن الولايات المتحدة لم تبتدع مبدأ الجنسية بالولادة، وإنما ورثته عن القانون العام الإنجليزى، مع استبدال رابطة الولاء للتاج البريطانى برابطة المواطنة للدولة الأمريكية، مع بقاء الأساس القانونى ذاته؛ وهو أن الميلاد داخل الإقليم والخضوع للحماية القانونية للدولة يُنشئان رابطة المواطنة بقوة القانون.

غير أن المحكمة العليا فى حكمها الصادر فى قضية «دريد سكوت» (Dred Scott) عام ١٨٥٧، قررت أن هذه القاعدة لا تنطبق على «العبيد المحررين أو المنحدرين من أصول إفريقية». ورأت المحكمة آنذاك أن المواطنة الأمريكية تقتصر على فئتين فقط هما:

١- الأشخاص البيض المولودون فى الولايات المتحدة والمنحدرون من أشخاص كانوا، عند اعتماد الدستور، معترفًا بهم كمواطنين فى الولايات المختلفة، وأصبحوا تبعًا لذلك مواطنين للكيان السياسى الجديد؛ أى الولايات المتحدة الأمريكية.

٢- الأشخاص الذين وُلدوا خارج الولايات المتحدة، ثم هاجروا إليها واكتسبوا جنسيتها عن طريق التجنس.

وغنى عن البيان أن الكونجرس الأمريكى قد رفض هذا التصور للمواطنة بصورة قاطعة من خلال إقرار قانون الحقوق المدنية الصادر عام ١٨٦٦، والذى جسد وقنن القاعدة المستقرة فى القانون العام بشأن الجنسية بالميلاد؛ حيث نصت المادة الأولى منه على أن «جميع الأشخاص المولودين فى الولايات المتحدة، وغير الخاضعين لأى قوة أجنبية، باستثناء الهنود غير الخاضعين للضرائب؛ يُعدون بموجب هذا القانون مواطنين للولايات المتحدة».

ثم حسم التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكى، الذى أُضيف بعد الحرب الأهلية، مسألة المواطنة بصورة نهائية، بل وحصنها من تدخلات السلطة التشريعية ذاتها؛ بحيث لا يكون للكونغرس مستقبلًا سلطة الانتقاص منها أو إعادة تعريفها. فقد جاءت الفقرة الخاصة بالمواطنة فى هذا التعديل لتعكس، بما لا يدع مجالًا لأى تأويل، المعايير ذاتها التى استقر عليها القانون العام فى تحديد أساس اكتساب الجنسية؛ إذ تنص على أن «جميع الأشخاص المولودين أو المتجنسين فى الولايات المتحدة، والخاضعين لولايتها القضائية؛ هم مواطنون للولايات المتحدة وللولاية التى يقيمون فيها. ولا يجوز لأى ولاية أن تسن أو تطبق أى قانون ينتقص من الامتيازات أو الحصانات التى يتمتع بها مواطنو الولايات المتحدة، كما لا يجوز لها أن تحرم أى شخص من الحياة أو الحرية أو الملكية دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة، ولا أن تحرم أى شخص يقع داخل ولايتها القضائية من التمتع بالحماية المتساوية للقوانين».

ويتضح من الصياغة السابقة، أنها تبدأ، كما هو الحال فى القانون العام، بالمعيار الإقليمي؛ إذ تشترط أن يكون الشخص مولودًا داخل الولايات المتحدة، لا خارجها، حتى وإن كان والداه من المواطنين الأمريكيين. ثم تنتهي-كما فى القانون العام أيضًا- بمعيار الخضوع للولاية القضائية والسيادة الأمريكية؛ حيث تشترط أن يكون الشخص خاضعًا للولاية القضائية للولايات المتحدة؛ مما يستبعد الفئات التى لا تخضع لهذه الولاية الكاملة، مثل أبناء الممثلين الدبلوماسيين الأجانب وأسرهم، من التمتع بالجنسية؛ ومن ثم قرر التعديل الرابع عشر قاعدة دستورية واضحة مؤداها أن كل طفل يُولد على الأراضى الأمريكية ويخضع منذ ميلاده للولاية القضائية والقانون الأمريكى؛ يكتسب الجنسية الأمريكية بحكم الدستور؛ وهو ما كرس مبدأ «حق الإقليم» بوصفه قاعدة دستورية ملزمة، وجعلها بمنأى عن أى تعديل تشريعى أو إجراء تنفيذى يخالفها.

جدل مستمر:

أصبح التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكى الأساس الدستورى الذى استندت إليه المحكمة العليا الأمريكية فى عدد من الأحكام المتعلقة بالجنسية بالميلاد. ويُعد الحكم الصادر عام ١٨٩٨ فى قضية «الولايات المتحدة ضد وونغ كيم آرك» (United States v. Wong Kim Ark) أبرز هذه الأحكام؛ إذ رسخ بصورة قاطعة السابقة القضائية التى تقضى بأن كل شخص يُولد داخل الولايات المتحدة يكتسب الجنسية الأمريكية بحكم الميلاد. وتتلخص وقائع هذه القضية، فى أن وونغ كيم آرك قد وُلد داخل الولايات المتحدة لأبوين صينيين؛ لكنه كان يسافر إلى الصين ويعود منها، وعندما حاول العودة إلى الولايات المتحدة عام ١٨٩٠، مُنع من الدخول استنادًا إلى قانون استبعاد الصينيين الذى صدر فى ثمانينيات القرن التاسع عشر لتقييد الهجرة، ونص على عدم أهلية المهاجرين الصينيين لاكتساب الجنسية الأمريكية عن طريق التجنس؛ وذلك بحجة أن أصوله الصينية تجعله غير مستحق لدخول البلاد.

بيد أن المحكمة العليا الأمريكية قضت آنذاك، بأغلبية ستة أصوات مقابل صوتين، بأن وونغ كيم آرك مواطن أمريكى بحكم الميلاد؛ لأنه وُلد داخل الولايات المتحدة، ولأن والديه لم يكونا يعملان فى أى وظيفة دبلوماسية أو رسمية تمثل الصين، وهو الاستثناء التقليدى الذى كان يمنع اعتبار الشخص خاضعًا للولاية القضائية الأمريكية؛ ومن ثم أكدت المحكمة أن وونغ كيم آرك كان خاضعًا للولاية القضائية للولايات المتحدة منذ ميلاده، ويكتسب الجنسية الأمريكية مباشرة بموجب التعديل الرابع عشر. وأكدت كذلك أن قانون استبعاد الصينيين لا يجوز أن يعلو على أحكام التعديل الرابع عشر؛ لأن النصوص التشريعية العادية لا يمكنها الانتقاص من الحقوق التى يكفلها الدستور. إضافة إلى أن المحكمة ذهبت إلى أن حقيقة حرمان المهاجرين الصينيين أنفسهم، بموجب قانون استبعاد الصينيين، من حق التجنس لا تؤثر فى المركز الدستورى لأطفالهم المولودين داخل الولايات المتحدة؛ لأن هؤلاء الأطفال يظلون خاضعين للولاية القضائية الأمريكية وفقًا للتعديل الرابع عشر؛ ومن ثم يكتسبون الجنسية الأمريكية بحكم الميلاد.

وهذا يبين بجلاء أن المحكمة العليا قد أرست فى هذه القضية مبدأً دستوريًا ظل مستقرًا لأكثر من ١٢٥ عامًا، مؤداه أن كل من يُولد داخل الولايات المتحدة ويخضع لولايتها القضائية يُعد مواطنًا أمريكيًا منذ لحظة ميلاده، بغض النظر عن جنسية والديه أو وضعهما القانونى فى مجال الهجرة؛ وهو المبدأ الذى أصبح حجر الأساس فى القضاء الدستورى الأمريكى بشأن الجنسية بالميلاد، واستندت إليه المحكمة العليا مجددًا عند نظر النزاعات المعاصرة المتعلقة بمحاولات تقييد هذا الحق.

فقد ظلت المحكمة العليا الأمريكية، منذ صدور هذا الحكم، تؤكد أن المهاجرين غير النظاميين وأطفالهم يخضعون للولاية القضائية للولايات المتحدة بالمعنى المقصود فى التعديل الرابع عشر للدستور. وهذا الاتجاه تجسد بوضوح فى حكم المحكمة العليا الصادر عام ١٩٨٢ فى قضية (Plyler v. Doe)، التى قضت فيها بأن الأطفال الموجودين فى الولايات المتحدة بصورة غير نظامية يتمتعون بالحق فى التعليم العام استنادًا إلى «بند الحماية المتساوية» (Equal Protection Clause) الوارد فى التعديل الرابع عشر. وفى معرض تفسيرها لعبارة «الخضوع للولاية القضائية»، أكدت المحكمة أنه «لا يوجد أى تمييز منطقي» بين المهاجرين النظاميين وغير النظاميين من حيث خضوعهم للولاية القضائية الأمريكية؛ لأن كلا الفئتين تخضعان لكامل الالتزامات التى تفرضها القوانين المدنية والجنائية الأمريكية؛ ومن ثم فإن مجرد عدم مشروعية الإقامة لا ينفى الخضوع للولاية القضائية للدولة.

وعلى الرغم من هذه السوابق القضائية، واتفاق أغلب فقهاء القانون الدستورى فى الولايات المتحدة، على اختلاف توجهاتهم الفكرية والسياسية، على أن التعديل الرابع عشر يمنح الجنسية بالميلاد لكل من يُولد داخل الولايات المتحدة بصورة لا شك فيها؛ فإن بعض التيارات السياسية المناهضة للهجرة دعت إلى تقييد هذا الحق، ولا سيّما من خلال حرمان الأطفال المولودين داخل الولايات المتحدة لوالدين موجودين بصورة غير نظامية من اكتساب الجنسية الأمريكية؛ وهو ما دعا الرئيس ترامب إلى إصدار الأمر التنفيذى رقم ١٤١٦٠، الذى حرم بمقتضاه فئتين من الأشخاص من التمتع بالجنسية الأمريكية تلقائيًا بالميلاد، وهم الأشخاص المولودون داخل الولايات المتحدة فى أى من الحالتين الآتيتين:

- إذا كانت والدة الطفل موجودة داخل الولايات المتحدة بصورة غير مشروعة وقت الميلاد، وكان والده فى الوقت ذاته ليس مواطنًا أمريكيًا ولا مقيمًا دائمًا بصورة قانونية.

- إذا كانت والدة الطفل موجودة داخل الولايات المتحدة بصورة قانونية ولكن مؤقتة وقت الميلاد- مثل دخولها بموجب برنامج الإعفاء من التأشيرة (Visa Waiver Program)، أو بتأشيرة طالب، أو عمل، أو سياحة، أو أى تأشيرة مؤقتة أخرى- وكان والده فى الوقت ذاته ليس مواطنًا أمريكيًا ولا مقيمًا دائمًا بصورة قانونية.

وهو ما يعنى أن الأمر التنفيذى سعى إلى جعل النسب أو الوضع القانونى للوالدين معيارًا مؤثرًا فى اكتساب الجنسية، بدلًا من الاكتفاء بمعيارى الميلاد داخل الإقليم والخضوع للولاية القضائية المنصوص عليهما فى التعديل الرابع عشر، وذلك من خلال تفسير فضفاض لعبارة «الخاضعين للولاية القضائية» الواردة فى التعديل الرابع عشر. ولا يخفى أن هذا الأمر التنفيذى أثار موجة واسعة من الطعون القضائية؛ إذ أقامت عدد من الولايات الأمريكية، ومنظمات الدفاع عن حقوق المهاجرين، بالإضافة إلى نساء حوامل متضررات من القرار، دعاوى أمام القضاء الاتحادى، دفعوا فيها بعدم دستورية ذلك الأمر التنفيذى لمخالفته أحكام التعديل الرابع عشر وقانون الهجرة والجنسية.

وفى إحدى هذه القضايا وهى قضية (Trump v. Barbara)، قضت المحكمة العليا بعدم دستورية محاولة إدارة ترامب إنهاء الجنسية بالميلاد فى حكمها الصادر فى ٣٠ يونيو ٢٠٢٦؛ حيث أكدت أن الأمر التنفيذى يخالف التعديل الرابع عشر للدستور. وجاء رأى الأغلبية، الذى كتبه رئيس المحكمة العليا، جون روبرتس، وانضم إليه أربعة من القضاة، ليؤكد بصورة قاطعة أن حكم «قضية الولايات المتحدة ضد وونغ كيم آرك» لا يزال يمثل السابقة الدستورية الحاكمة، وأن فقرة المواطنة الواردة فى التعديل الرابع عشر قد استوعبت قواعد القانون العام الإنجليزى التى تقضى بمنح الجنسية لجميع الأطفال المولودين داخل الولايات المتحدة والخاضعين لسلطتها القانونية، وأنه لا يوجد أى مبرر دستورى أو قانونى للعدول عن هذا التفسير المستقر. كما رفضت المحكمة صراحة الحجة التى تبنتها إدارة ترامب، والقائلة إن الأطفال المشمولين بالأمر التنفيذى لا يُعدون «خاضعين للولاية القضائية للولايات المتحدة»؛ مؤكدة أن هذا المفهوم لا يرتبط بالوضع القانونى للوالدين، وإنما بخضوع الشخص نفسه للسلطة القانونية للدولة منذ لحظة ميلاده.

وبناءً على هذا الحكم، استقر القضاء الدستورى الأمريكى مجددًا على أن جميع الأطفال المولودين على الأراضى الأمريكية يظلون مواطنين للولايات المتحدة بحكم الميلاد، وأن مبدأ الجنسية بالميلاد يظل أحد المبادئ الدستورية الراسخة التى لا يجوز تقييدها إلا من خلال تعديل دستورى أو عدول صريح من المحكمة العليا عن سوابقها القضائية المستقرة.

ثلاثة سيناريوهات:

يثير الجدل الدستورى والقانونى بشأن حق الجنسية بالميلاد فى الولايات المتحدة تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذا الحق فى ظل التوازن بين النص الدستورى، والاجتهاد القضائى المستقر، والاعتبارات السياسية المرتبطة بملف الهجرة. وبالرغم من أن المحكمة العليا الأمريكية أعادت تأكيد الحماية الدستورية للجنسية بالميلاد؛ فإن استمرار الجدل السياسى حول تفسير عبارة «الخاضعين للولاية القضائية» الواردة فى التعديل الرابع عشر، يجعل مستقبل هذه القضية مفتوحًا على عدد من الاحتمالات. وفى ضوء التطورات الدستورية والقضائية الراهنة، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات قد تحدد المسار المستقبلى لهذه القضية خلال الفترة المقبلة، كالتالى:

١- استمرار تكريس مبدأ الجنسية بالميلاد: يقوم هذا السيناريو على استمرار التفسير الدستورى المستقر للتعديل الرابع عشر؛ بحيث تظل الجنسية الأمريكية تُمنح لكل من يُولد داخل الولايات المتحدة ويخضع لولايتها القضائية، بغض النظر عن الوضع القانونى للوالدين. ويستند هذا السيناريو إلى السوابق القضائية الراسخة للمحكمة العليا الأمريكية، وعلى رأسها حكمها فى «قضية الولايات المتحدة ضد وونغ كيم آرك»، والحكم الصادر مؤخرًا فى قضية (Trump v Barbara)، اللذين أكدا أن السلطة التنفيذية لا تملك تقييد الحق الدستورى فى الجنسية بالميلاد بأوامر تنفيذية أو إجراءات إدارية.

٢- إعادة طرح القضية عبر المسار التشريعى أو الدستورى: يفترض هذا السيناريو أن تتجه القوى السياسية المؤيدة لتقييد الهجرة إلى إعادة فتح الملف من خلال محاولة تعديل قانون الهجرة والجنسية أو الدفع نحو تعديل التعديل الرابع عشر نفسه؛ بهدف إعادة تفسير شرط «الخضوع للولاية القضائية» بصورة تضيق نطاق الجنسية بالميلاد. غير أن نجاح هذا السيناريو يظل محدودًا؛ لأن أى تشريع عادى يخالف التعديل الرابع عشر سيكون عرضة للحكم بعدم دستوريته، كما أن تعديل الدستور الأمريكى يتطلب إجراءات معقدة وتوافقًا سياسيًا واسعًا يصعب تحقيقه على الأقل حاليًا.

٣- استمرار الجدل السياسى مع بقاء الوضع الدستورى دون تغيير: يقوم هذا السيناريو على بقاء قضية الجنسية بالميلاد محورًا دائمًا للنقاش السياسى والانتخابى فى الولايات المتحدة، ولا سيّما فى ظل استمرار الجدل حول الهجرة وأمن الحدود. وقد تشهد المرحلة المقبلة محاولات متكررة لإصدار أوامر تنفيذية أو تشريعات جديدة تتعلق بالهجرة، إلا أنها لن تؤدى إلى تغيير جوهرى فى نظام الجنسية بالميلاد ما لم يصاحبها تعديل دستورى أو عدول صريح من المحكمة العليا عن سوابقها القضائية المستقرة؛ ومن ثم فمن المتوقع أن يستمر الجدل السياسى حول هذه القضية، فى مقابل استقرار المركز القانونى والدستورى لمبدأ الجنسية بالميلاد.

ختامًا، تكشف قضية الجنسية بالميلاد فى الولايات المتحدة عن أنها لم تعد مجرد مسألة تتعلق بقواعد اكتساب الجنسية، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الدستورى الأمريكى على تحقيق التوازن بين مقتضيات السيادة الوطنية ومتطلبات حماية الحقوق الدستورية الأساسية. وقد أكدت المحكمة العليا، من خلال أحكامها التاريخية والحديثة، أن الجنسية بالميلاد تمثل حقًا دستوريًا أصيلًا لا يجوز الانتقاص منه بإرادة السلطة التنفيذية أو بالتشريع العادي؛ ومن ثم فإن مستقبل هذه القضية سيظل مرهونًا بالتفاعل بين القضاء والدستور والسلطة السياسية، إلا أن الاتجاه الغالب يشير إلى استمرار الحماية الدستورية لمبدأ الجنسية بالميلاد باعتباره أحد الركائز التاريخية للنظام الدستورى الأمريكى، وأحد أهم الضمانات القانونية لمبدأ المساواة وسيادة القانون.