كيف أعادت التوترات مع واشنطن تشكيل العلاقة الاقتصادية بين الهند والصين؟

دراسات وأبحاث - Foresight

لم تكن العلاقة التجارية بين الهند والصين، حتى وقت قريب، تُقرأ في نيودلهي إلا من زاوية العجز التجاري المتفاقم. فقد اعتُبرت الصين أحد أهم مصادر الاختلال في الميزان التجاري الهندي، نتيجة تدفق الواردات الصينية إلى السوق الهندية بمعدلات تفوق بكثير حجم الصادرات الهندية المتجهة إلى الصين. وبمرور الوقت، تحول هذا الاختلال من قضية تجارية إلى مصدر قلق اقتصادي واستراتيجي، خصوصًا في ظل التوترات الأمنية والسياسية المتصاعدة بين البلدين.

لكن مسار التجارة بين العملاقين الآسيويين بدأ يشهد تحولًا لافتًا يعيد تعريف طبيعة العلاقة نفسها. فالصين لم تعد تظهر فقط باعتبارها الطرف الذي يوسع العجز التجاري الهندي، وإنما بدأت تؤدي وظيفة مختلفة: صمام أمان تجاري يمتص جزءًا من الصدمة التي تعرضت لها الصادرات الهندية نتيجة التوترات الجمركية مع الولايات المتحدة.

وهذا التحول يحمل دلالة سياسية تتجاوز الأرقام التجارية. فبينما كانت واشنطن تستخدم التعريفات الجمركية باعتبارها أداة للضغط وإعادة تشكيل تدفقات التجارة، وجدت الهند نفسها مضطرة إلى توسيع هوامش المناورة أمامها، بما في ذلك الاعتماد بصورة أكبر على سوق كانت تعدها حتى وقت قريب منافسًا استراتيجيًا ومصدرًا رئيسيًا للاختلال التجاري.

التحول من «العبء الصيني» إلى «صمام الأمان»

أظهرت بيانات التجارة الهندية لعام 2025-2026 أن الصين، إلى جانب هونغ كونغ، أصبحت ثالث أكبر وجهة للصادرات الهندية، صعودًا من المرتبة الرابعة في العام السابق.

ولا تكمن أهمية هذا التحول في الترتيب وحده، وإنما في توقيته. فقد تزامن مع تباطؤ حاد في نمو الصادرات الهندية إلى الولايات المتحدة، التي ظلت أكبر سوق للصادرات الهندية.

ففي حين ارتفعت الصادرات الهندية إلى الولايات المتحدة بنسبة هامشية بلغت نحو 0.6% فقط خلال 2025-2026، مقارنة بنمو بلغ 11.8% في العام السابق، تراجعت الصادرات إلى هولندا، رابع أكبر وجهة، بنسبة 23.3%، كما انخفضت إلى المملكة المتحدة بنسبة 7.6%.

في المقابل، ارتفعت الصادرات الهندية إلى الصين وهونغ كونغ بنحو 35.97% خلال العام نفسه.

وهنا تظهر المفارقة السياسية والاقتصادية الأهم: السوق الصينية، التي كانت تُتهم بأنها أحد أسباب اختلال التجارة الهندية، أصبحت في لحظة تصاعد الضغوط الأمريكية إحدى الأدوات التي خففت من آثار تلك الضغوط.

وتشير التقديرات إلى أن نمو الواردات الصينية من الهند، إلى جانب هونغ كونغ، عوّض نحو 75% من الخسارة في نمو الصادرات الهندية إلى الولايات المتحدة.

بمعنى آخر، لم تكن الصين هي التي خلقت فقط جزءًا من المشكلة التجارية للهند، بل أصبحت أيضًا جزءًا من الحل عندما بدأت الولايات المتحدة تضيق المساحة المتاحة أمام الصادرات الهندية.

الجغرافيا السياسية تفرض منطقها على التجارة

الأكثر إثارة للاهتمام أن هذا التحول حدث رغم استمرار المخاوف الأمنية بين نيودلهي وبكين.

فالهند لا تزال تنظر إلى الصين باعتبارها منافسًا استراتيجيًا في آسيا، وتستمر الملفات الحدودية والأمنية والجيوسياسية في تشكيل العلاقة بين البلدين. ومع ذلك، فإن المصالح التجارية بدأت تفرض منطقًا مختلفًا.

وهذا يعكس واحدة من أهم سمات النظام الدولي الجديد: المنافسة الاستراتيجية لا تعني بالضرورة القطيعة الاقتصادية.

فالدول الكبرى تستطيع أن تكون خصمًا في المجال الأمني وشريكًا في سلسلة الإمداد في الوقت نفسه. ويمكن للهند أن تنظر إلى الصين باعتبارها منافسًا جيوسياسيًا، بينما تعتمد في الوقت ذاته على السوق الصينية لتصريف جزء متزايد من صادراتها وعلى الشركات الصينية لتوفير مكونات أساسية لصناعاتها.

ومن هنا، فإن العلاقة الهندية–الصينية تتحرك باتجاه نموذج يمكن وصفه بـ**«التنافس مع الاعتماد المتبادل»**.

واشنطن تدفع نيودلهي بصورة غير مباشرة نحو بكين

تكشف هذه التطورات عن نتيجة غير مقصودة للسياسة التجارية الأمريكية.

فالهدف من التعريفات الجمركية الأمريكية هو حماية الإنتاج المحلي وإعادة توجيه سلاسل الإمداد وتقليص الاعتماد على بعض الاقتصادات الآسيوية. لكن ارتفاع الحواجز أمام الصادرات الهندية إلى السوق الأمريكية يدفع نيودلهي، بصورة طبيعية، إلى البحث عن أسواق بديلة.

وهنا تصبح الصين أحد الخيارات المتاحة.

المفارقة أن واشنطن، التي تنظر إلى الهند باعتبارها عنصرًا مهمًا في استراتيجيتها لموازنة النفوذ الصيني في آسيا، قد تسهم عبر الضغوط التجارية في دفع الهند إلى زيادة انخراطها الاقتصادي مع الصين.

وهذا لا يعني أن الهند ستنحاز إلى بكين أو تتخلى عن شراكتها مع واشنطن. لكنه يعني أن الهند لن تقبل أن تتحول شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة إلى تبعية تجارية لها.

وبالتالي، فإن نيودلهي تبدو وكأنها ترسل رسالة مزدوجة: يمكنها التعاون مع واشنطن في الأمن والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، لكنها في الوقت نفسه ستحتفظ بعلاقات تجارية واسعة مع بكين إذا كانت هذه العلاقات تخدم مصالحها الاقتصادية.

الصين لا تشتري المنتجات الهندية فقط.. بل تشتري نفوذًا اقتصاديًا

الارتفاع الكبير في الصادرات الهندية إلى الصين لا ينبغي قراءته فقط باعتباره نتيجة لزيادة الطلب الصيني.

فالتجارة هنا تتحول إلى أداة من أدوات النفوذ المتبادل.

الصين تمتلك قدرة هائلة على التأثير في سلاسل القيمة الآسيوية، بينما تمتلك الهند قاعدة صناعية وخدمية متنامية يمكن أن تصبح أكثر أهمية للصين في ظل إعادة توزيع الإنتاج العالمي.

ومن ثم، فإن توسيع الواردات الصينية من الهند يمكن أن يساعد بكين على تحقيق هدفين في الوقت نفسه: الحصول على منتجات ومدخلات تحتاج إليها، وتعميق اعتماد الهند على السوق الصينية.

وهذا يخلق علاقة أكثر تعقيدًا من نموذج «الصين تصدر والهند تستورد».

فكلما زادت قدرة الهند على تصدير المنتجات إلى الصين، أصبح لدى نيودلهي مصلحة أكبر في الحفاظ على استقرار العلاقة التجارية. وفي المقابل، كلما أصبحت الهند أكثر اندماجًا في سلاسل القيمة المرتبطة بالسوق الصينية، ازدادت قدرة بكين على الاحتفاظ بنفوذ اقتصادي داخل الاقتصاد الهندي.

«صنع في الهند» لا يعني بالضرورة «بعيدًا عن الصين»

تكشف صناعة الهواتف الذكية عن المفارقة الأوضح في هذه العلاقة.

فالهند أصبحت ثاني أكبر مصنع للهواتف المحمولة في العالم، لكن جزءًا كبيرًا من هذه الصناعة لا يزال يعتمد على استيراد المكونات والأجزاء الوسيطة، ولا سيما من الصين.

وتشير التقديرات إلى أن الصين توفر ما بين 50% و80% من قيمة المواد المستخدمة في عمليات تجميع الهواتف في الهند.

وهنا يظهر التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي.

فالهند تريد بناء قاعدة صناعية مستقلة تحت شعار «صنع في الهند»، لكنها لا تستطيع في المدى القصير فصل نفسها عن شبكة التصنيع الصينية التي توفر المكونات والمدخلات الأساسية.

وهذا يعني أن نجاح الهند في بناء قدراتها الصناعية لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع الدور الصيني؛ بل قد يؤدي في بعض القطاعات إلى إعادة تشكيل هذا الدور من مورد للمنتج النهائي إلى مورد للمكونات والتكنولوجيا والمدخلات الصناعية.

وهذه نقطة شديدة الأهمية في فهم مستقبل المنافسة بين البلدين.

الصعود المفاجئ للصادرات الإلكترونية الهندية إلى الصين

تؤكد أرقام التجارة هذه المفارقة.

فالصادرات الهندية من السلع الإلكترونية إلى الصين ارتفعت بنسبة ضخمة بلغت 227.8% خلال 2025-2026، مقارنة بنمو قدره 23.2% في العام السابق.

وكان من أهم محركات هذا النمو التحول الذي أحدثته استراتيجية China+1 في سلاسل توريد شركة Apple.

فمع توسع Apple ومورديها في الإنتاج داخل الهند، بدأت شركات مثل Foxconn وTata Electronics وPegatron Technology India وMotherson بالمساهمة في عمليات تصدير مكونات ومنتجات إلكترونية إلى الصين.

وبذلك، أصبحت الهند جزءًا من إعادة توزيع سلسلة القيمة الآسيوية بدلًا من أن تكون مجرد سوق نهائية للمنتجات الصينية.

كما ساهمت سياسات مثل Electronic Component Manufacturing Scheme (ECMS) وحوافز الإنتاج المرتبطة بـPLI في تعزيز قدرة الهند على تصنيع مكونات إلكترونية ذات قيمة أعلى.

وهذا يعني أن التحول في التجارة الهندية–الصينية لا يقوم فقط على تصدير المواد الخام أو المنتجات التقليدية، بل بدأ يمتد إلى قطاعات صناعية وتكنولوجية أكثر تعقيدًا.

النفط والمعادن والمنتجات البحرية.. تنويع قاعدة التجارة

لم يكن النمو محصورًا في الإلكترونيات.

فالصادرات الهندية إلى الصين شهدت ارتفاعًا في مجموعة متنوعة من المنتجات، بما في ذلك منتجات تكرير النفط، والمعادن غير الحديدية، والمنتجات البحرية، وكسب الزيوت، والأحجار الكريمة.

واللافت أن السلع الإلكترونية ومنتجات تكرير النفط أصبحتا من أبرز محركات الصادرات الهندية إلى الصين، وشكلتا معًا قرابة ثلث إجمالي الصادرات الهندية إلى السوق الصينية خلال 2025-2026.

وهذا التنوع يقلل من احتمالية أن يكون التحول مجرد طفرة مؤقتة في سلعة واحدة، ويشير إلى نشوء مسارات تجارية أكثر اتساعًا بين الاقتصادين.

لكن هل انتهى العجز التجاري الهندي مع الصين؟

الإجابة هي: ليس بعد.

فارتفاع الصادرات الهندية لا يعني أن مشكلة العجز التجاري اختفت.

الصين لا تزال موردًا رئيسيًا للآلات والمكونات الإلكترونية والمواد الصناعية والسلع الوسيطة التي يحتاج إليها الاقتصاد الهندي. وبالتالي، فإن زيادة الصادرات الهندية إلى الصين لا تلغي اعتماد الهند على الواردات الصينية.

لكن التحول المهم يكمن في طبيعة العلاقة.

فالهند تنتقل تدريجيًا من وضع كانت فيه الصين تمثل أساسًا مصدرًا للعجز التجاري إلى وضع أكثر تعقيدًا تصبح فيه الصين سوقًا للصادرات الهندية، ومصدرًا للمدخلات الصناعية، وفي الوقت نفسه جزءًا من سلسلة القيمة التي تحاول الهند بناءها.

وهذا ليس تحولًا من الاعتماد إلى الاستقلال، وإنما من اعتماد أحادي الاتجاه إلى اعتماد متبادل أكثر تعقيدًا.

الهند لا تختار بين واشنطن وبكين

الخطأ الأكبر في قراءة هذه التطورات هو افتراض أن الهند ستضطر إلى اختيار أحد الطرفين.

السياسة الهندية تبدو أكثر براغماتية من ذلك.

نيودلهي تريد الولايات المتحدة كشريك استراتيجي وتكنولوجي وأمني، لكنها تحتاج الصين كشريك تجاري ومصدر رئيسي للمدخلات الصناعية وسوق للصادرات.

وهذه المعادلة تمنح الهند مساحة للمناورة بين القوتين.

فكلما زادت الضغوط التجارية الأمريكية، ارتفعت قيمة السوق الصينية بالنسبة للهند. وكلما أصبحت الهند أكثر أهمية في استراتيجيات تنويع سلاسل الإمداد العالمية، ارتفعت قيمة الهند بالنسبة إلى الولايات المتحدة والصين معًا.

ومن ثم، قد تتحول المنافسة الأمريكية–الصينية نفسها إلى مصدر قوة تفاوضية للهند، بدلًا من أن تكون مجرد مصدر ضغط عليها.

صمام الأمان قد يتحول إلى رافعة استراتيجية

تكشف تجربة 2025-2026 عن تحول يتجاوز مجرد إعادة توزيع الصادرات.

فالصين أثبتت أنها تستطيع، في ظروف معينة، أن تعمل كـصمام أمان للاقتصاد الهندي عندما تتعرض صادرات الهند لضغوط من الأسواق الغربية.

لكن الأهم أن هذا الصمام قد يتحول مستقبلًا إلى رافعة استراتيجية إذا تمكنت الهند من الانتقال من تصدير السلع التقليدية إلى تصدير منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، خصوصًا في الإلكترونيات والمكونات الصناعية والتكنولوجيا.

وفي هذه الحالة، لن تكون العلاقة مع الصين مجرد وسيلة لتعويض خسائر السوق الأمريكية، بل ستصبح جزءًا من استراتيجية هندية أوسع لتنويع الأسواق وتقليل مخاطر الاعتماد على وجهة تصديرية واحدة.

مفارقة الاعتماد المتبادل

تكشف الأرقام في النهاية عن مفارقة عميقة في العلاقات الهندية–الصينية.

ففي الوقت الذي تحاول فيه الهند تقليل مخاطر اعتمادها على الصين في سلاسل الإمداد، فإن نمو صادراتها إلى الصين يخلق نوعًا جديدًا من الاعتماد.

وفي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن بناء الهند كبديل استراتيجي للصين في التصنيع وسلاسل الإمداد، فإن الضغوط الجمركية الأمريكية قد تدفع نيودلهي إلى زيادة انخراطها التجاري مع بكين.

وفي الوقت الذي ترى فيه الهند الصين باعتبارها منافسًا جيوسياسيًا، فإن مصالحها الصناعية والتجارية تدفعها إلى إبقاء قنوات التعاون الاقتصادي مفتوحة.

هذه ليست تناقضات عابرة، بل تعكس طبيعة الاقتصاد الدولي الجديد، حيث لم تعد المنافسة الجيوسياسية تعني بالضرورة الانفصال الاقتصادي.

الخلاصة

ما يحدث بين الهند والصين ليس مجرد تحسن مؤقت في أرقام التجارة، وإنما مؤشر على إعادة تشكيل العلاقة الاقتصادية بين قوتين آسيويتين تتنافسان سياسيًا وتتعاونان اقتصاديًا.

لقد كانت الصين، لسنوات، تُقدَّم في الخطاب الهندي باعتبارها أحد أهم مصادر العجز التجاري. أما الآن، فقد بدأت تؤدي وظيفة أكثر تعقيدًا: فهي في الوقت نفسه مورد أساسي للصناعة الهندية، وسوق متنامٍ للصادرات الهندية، وحلقة مهمة في سلاسل القيمة التي تحاول الهند توطينها، وصمام أمان يساعدها على امتصاص جزء من الصدمات التي تفرضها الأسواق الغربية.

ومن هنا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الهند ستختار بين الصين والولايات المتحدة، وإنما إلى أي مدى تستطيع استخدام التنافس بين القوتين لتعظيم هامش استقلالها الاقتصادي والاستراتيجي.

أما الصين، فقد لا تكون قد تحولت إلى شريك للهند بالمعنى السياسي التقليدي، لكنها بدأت تتحول إلى شريك لا يمكن تجاهله في إدارة المخاطر التجارية والصناعية للهند.

وهذه هي المفارقة الكبرى: كلما اشتدت المنافسة الجيوسياسية بين الهند والصين، ازدادت الحاجة إلى إدارة الاعتماد الاقتصادي بينهما، لا إلى إلغائه.

وفي عالم تتراجع فيه فكرة الفصل الكامل بين الاقتصادات الكبرى، قد لا يكون الهدف الواقعي للهند هو التخلص من الصين، بل إعادة صياغة الاعتماد عليها بحيث يصبح متبادلًا، قابلًا للإدارة، وأداةً لتعزيز القوة التفاوضية الهندية في مواجهة كل من واشنطن وبكين.