الحرب في الشرق الأوسط وتآكل التحالفات ونظام البترودولار
تكشف الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران عن تزايد تردد حلفاء واشنطن في دعم هذا الصراع، وهو ما يشير إلى احتمال تآكل النفوذ العالمي للولايات المتحدة. وفي الوقت ذاته، فإن التحركات الرامية إلى تجاوز الدولار الأمريكي في تجارة النفط، في ظل تنامي الدور الصيني، قد تشكل تحديًا لنظام البترودولار وتعيد تشكيل نظام الطاقة العالمي.
ويرتبط تطوران رئيسيان بالحرب المتصاعدة في غرب آسيا قد يؤثران في جاذبية الولايات المتحدة العالمية على المدى الطويل: كيفية تفاعل حلفائها مع الصراع، وما إذا كان هذا النزاع سيؤدي إلى تقليص دور الدولار الأمريكي في معاملات النفط في المنطقة.
تصدعات في منظومة التحالف
إن تردد حلفاء الولايات المتحدة في الانجرار إلى حرب لم يشاركوا في اتخاذ قرارها يحمل دلالات مقلقة. فبالرغم من تعرضهم لأضرار جانبية نتيجة الهجمات الإيرانية على القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضيهم، فإن حلفاء واشنطن في الخليج ما زالوا يتجنبون الانخراط في الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد جارتهم إيران.
وقد تحملت هذه الدول الجزء الأكبر من رد طهران على الغارات المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل. إذ شهدت هذه الملكيات الثرية تراجعًا في صادراتها النفطية، وتعرضت منشآتها الحيوية في قطاع الطاقة لأضرار أو تهديدات، كما تعطلت الرحلات الجوية من وإلى مدنها، وهو ما انعكس سلبًا على قطاع السياحة وثقة المستثمرين.
كما أصبح التعهد الأمريكي بحمايتها موضع تساؤل، إذ تحولت القواعد العسكرية الأمريكية إلى أهداف ثابتة يسهل استهدافها من قبل الترسانة غير المتكافئة التي تمتلكها إيران من صواريخ وطائرات مسيّرة وشبكات من الجماعات الحليفة. وفي المقابل، اضطرت الدول العربية الشريكة إلى استخدام مخزوناتها الدفاعية الخاصة للتصدي للطائرات المسيّرة والمقذوفات الإيرانية التي تعبر أجواءها أو أراضيها في طريقها لضرب أهداف أمريكية، بما في ذلك البنية التحتية العسكرية الأمريكية والبعثات الدبلوماسية.
وهكذا، أصبح المتلقون للأمن – أي الدول التي تعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية – مضطرين إلى حماية أصول الجهة المفترضة بأنها الضامن الأمني، إلى جانب حماية مصالحهم الخاصة.
ورغم أن القوات العسكرية التقليدية الإيرانية تكبدت خسائر كبيرة، فإن قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية تتعرض لضغط متزايد. وهذا يعني أن الحلفاء الإقليميين، الذين بدأت مخزوناتهم الدفاعية تتناقص أيضًا، سيضطرون إلى تكثيف مشاركتهم في عمليات الدفاع.
وعلى الرغم من إدانتهم للهجمات الإيرانية التي طالت أراضيهم، فإن عدة دول خليجية رفضت السماح لواشنطن باستخدام أراضيها أو أجوائها لتنفيذ غارات ضد إيران. ويعود ذلك إلى خشيتها من أن يؤدي هذا السماح إلى جعلها هدفًا مباشرًا لعمليات الانتقام الإيرانية.
كما أن الهجوم الإسرائيلي على حقل جنوب فارس للغاز، والضربة الإيرانية ضد مجمع رأس لفان في قطر، وهما من أكبر مجمعات الغاز الطبيعي في العالم، يكشفان مدى تعرض البنية التحتية للطاقة في المنطقة لأخطار الأعمال العدائية، وهو ما يزيد من اضطراب أسعار الطاقة عالميًا.
كما أن اغتيال قادة دوليين واستهداف المنشآت النووية والأهداف غير العسكرية، بما في ذلك مراكز الطاقة الحيوية، يمثل انتهاكًا للقانون الدولي والأعراف الدولية، ويهدد بإشعال حرب مفتوحة بلا قيود.
وقد أدى استهداف منشأة ناطنز النووية في إيران، والهجوم على بلدة ديمونا في إسرائيل القريبة من الموقع النووي غير المعلن للبلاد، إلى تصعيد خطير في الصراع، بما قد يفتح الباب أمام كارثة نووية محتملة.
وفي ظل هذه التطورات، يجد الحلفاء العرب أنفسهم في موقف بالغ التعقيد؛ فهم لم يكونوا على علم بكيفية اندلاع هذه الحرب، ولا يعرفون كيف يمكن أن تنتهي. وإذا ما قرروا الانخراط فيها ثم انسحبت واشنطن لاحقًا، فإنهم قد يجدون أنفسهم مضطرين للتعامل مع تداعيات حرب مفتوحة غير محددة النهاية بعد انقشاع غبارها.
في سبعينيات القرن الماضي، اتفقت الرياض وعدد من أعضاء منظمة البلدان المصدّرة للبترول (أوبك)، بما في ذلك جيرانها العرب، على بيع النفط بالدولار الأمريكي مقابل الحصول على الحماية. وقد وضع هذا الاتفاق الأساس لما عُرف لاحقًا بـ نظام البترودولار، الذي أصبح أحد الركائز الرئيسية لصعود الولايات المتحدة على الساحة العالمية.
وأصبحت الدول العربية من أكبر مشتري الأسلحة الأمريكية، كما وفرت للولايات المتحدة حضورًا استراتيجيًا واسعًا يتيح لها إسقاط القوة في غرب آسيا وما وراءها. كذلك تحولت صناديق الثروة السيادية ورؤوس الأموال الخاصة من شركاء الخليج إلى مستثمرين كبار في الاقتصاد الأمريكي. كما شاركت عدة جيوش عربية في التحالف الدولي متعدد الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة خلال حرب الخليج الأولى لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي.
كما وقعت كل من البحرين والإمارات العربية المتحدة اتفاقيات أبراهام التي رعتها الولايات المتحدة، ما أدى إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، الحليف الوثيق لواشنطن. وانضمت البحرين والأردن والكويت وقطر والسعودية وتركيا والإمارات إلى مبادرة مجلس السلام الجريئة التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب، رغم المخاوف من أنها قد تشكل تحديًا لدور الأمم المتحدة.
غير أن هذه الشراكات التي امتدت لعقود باتت اليوم تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة ضعف التشاور مع الحلفاء، وتغير أهداف الحرب، إضافة إلى احتمال جرّ هذه الدول إلى صراع طويل الأمد.
ولا يقتصر هذا التردد على دول غرب آسيا. فقد رفضت دول أوروبية مثل إسبانيا وسويسرا السماح للطائرات والسفن الأمريكية باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي في العمليات المتجهة ضد إيران، معارضةً المبررات الأمريكية للحرب. كما أبدى حلفاء آخرون في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مقاومة للضغوط الرامية إلى إشراكهم في الصراع.
وبعد سلسلة من المواقف التي أثارت استياء الحلفاء – مثل وصف كندا بأنها الولاية الأمريكية الحادية والخمسون، ومطالبة الدنمارك بالتخلي عن جزيرة غرينلاند، وتجاوز الشركاء الأوروبيين في التعامل مع موسكو لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية – لم تلق دعوة ترامب للحلفاء للمساعدة استجابة تُذكر.
كما تبدو بعض الدول الحليفة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مثل أستراليا واليابان، غير متحمسة لإرسال سفن لإعادة فتح مضيق هرمز، رغم اعتمادها الكبير على شحنات الطاقة التي تمر عبر هذا الممر البحري الحيوي.
وقد اشترط بعض الحلفاء مجموعة من الشروط قبل إرسال سفن للمساعدة في إعادة فتح المضيق، من بينها التوصل إلى وقف لإطلاق النار ووجود تفويض دولي واضح. وفي المقابل، تفاوضت دول مثل باكستان والهند وتركيا والصين على ممرات آمنة لسفنها التجارية، وقد تحذو فرنسا وإيطاليا حذوها.
وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف الدعوات الأمريكية لإرسال مرافقة بحرية لحماية السفن وكسر الحصار الذي تفرضه طهران على هذا الممر البحري الحيوي الذي يمر عبره نحو خُمس صادرات النفط العالمية. ولا يعكس هذا الوضع انتصارًا لإيران بقدر ما يشير إلى تراجع جاذبية النفوذ الأمريكي.
تحدي البترودولار
لكن ما يثير قلق الولايات المتحدة بشكل أكبر هو اقتراح إيران السماح لناقلات النفط بالمرور إذا جرى تسعير التجارة باليوان الصيني بدلًا من الدولار، وهو ما من شأنه تقويض نظام البترودولار.
وسواء كان هذا التحرك مجرد محاولة لإغضاب الولايات المتحدة أو مناورة محسوبة لكسب دعم بكين مع دخول الحرب أسبوعها الرابع، فإن تداعياته قد تكون عميقة.
فنفوذ الصين في غرب آسيا يتزايد بالفعل، ولم يعد يقتصر على المجال الاقتصادي، وتعد إيران أحد شركائها الرئيسيين. كما أن الصين تُعد أكبر مشترٍ للنفط القادم من الخليج، وهي مستثمر صاعد في مجالات البنية التحتية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا.
كما أن كلًا من البحرين وإيران والعراق وإسرائيل والأردن والكويت وعُمان وقطر والسعودية وتركيا والإمارات أعضاء في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (AIIB) الذي تدعمه بكين ويقع مقره فيها، كما انضمت العديد من هذه الدول إلى مبادرة الحزام والطريق.
وقد عُقدت القمة العربية الصينية الأولى في الرياض عام 2022، كما انضمت إيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون عام 2023، في حين تشارك البحرين وقطر والسعودية وتركيا والإمارات في المنظمة بصفة شركاء في الحوار.
توسطت بكين في التقارب الإيراني–السعودي عام 2023، في خطوة عكست استعداد الصين للانخراط بعمق في الجغرافيا السياسية المعقدة للمنطقة.
كما أصبحت كل من إيران والإمارات عضوين جديدين في مجموعة بريكس الموسعة عام 2024، بينما تدرس السعودية الانضمام إليها. وتشير هذه التطورات إلى وجود أسس قوية وتقدم ملحوظ في توسع الدور الصيني في غرب آسيا، بما يشكل تحديًا للموقع التقليدي الذي احتلته الولايات المتحدة لفترة طويلة في هذه المنطقة الغنية بالطاقة لكنها شديدة التقلب.
وفي ظل إدراك الدول المتزايد لكيفية استخدام الترابط المالي كأداة للضغط، تجري داخل مجموعة بريكس مناقشات حول إنشاء نظام مدفوعات بديل يتيح تجاوز الدولار الأمريكي. وقد بدأت الدول الكبرى المستهلكة للطاقة بالفعل اتخاذ خطوات لشراء النفط بعملاتها المحلية. فقد نفذت الهند أول صفقة لشراء النفط الخام بالروبية مع الإمارات عام 2023، وفي العام نفسه أجرت الصين أول عملية دفع عابرة للحدود مقابل النفط باستخدام اليوان الرقمي. وقد تسهم الحرب المشتعلة في تسريع اتجاه إزالة الدولرة، خاصة إذا انضمت أطراف أخرى إلى هذا المسار. ومع ذلك، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية مرتفعة على دول بريكس إذا مضت في هذا الاتجاه، كما أشار إلى احتمال تأجيل زيارته إلى بكين في وقت يضغط فيه على منافسه الآسيوي للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز.
وقد نجحت الولايات المتحدة في تقليص النفوذ الصيني في بعض المناطق مثل بنما وفنزويلا، وأرسلت بذلك إشارات تحذيرية إلى دول أخرى في أمريكا اللاتينية التي تنامت علاقاتها مع الصين. وربما تأمل واشنطن في تحقيق نتيجة مماثلة في إيران، غير أن طهران لم تنصع بسهولة، كما أن الأعمال العدائية استمرت لفترة أطول مما كان متوقعًا في البداية.
كما أن نموذج إسقاط القيادة السياسية الذي نجح في كاراكاس لم ينجح في طهران. وقد أثار تسليح الأكراد مخاوف من تأجيج صراعات طائفية قد تدفع المنطقة إلى مزيد من إراقة الدماء وعدم الاستقرار، خاصة في ظل تدفقات اللاجئين واحتمال نشوء فراغ في السلطة قد تستغله الجماعات المتطرفة. وتقدم تجارب العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا أمثلة تحذيرية واضحة على هذه المخاطر.
في المقابل، تبدو الحرب غير النظامية الطويلة أكثر انسجامًا مع مصالح إيران. كما أن فشل الولايات المتحدة في حماية شركائها العرب، إلى جانب فتور استجابة الحلفاء الأوروبيين والآسيويين لمطالب واشنطن، قد يشير إلى تراجع دور القيادة الأمريكية. وقد يكون العامل الحاسم في هذا السياق إقدام كبار مستوردي الطاقة على إبرام صفقات مع إيران لضمان مرور آمن لإمداداتهم من النفط والغاز.
ومع ذلك، فإن تآكل هيمنة الدولار في تجارة السلع الأساسية، ولا سيما النفط والغاز، لا يعني بالضرورة صعود البترويوان بشكل مباشر. فقد تلجأ دول أخرى إلى إجراء معاملات بالعملات المحلية الخاصة بها. كما أن الصين، رغم ما قد تجنيه من فوائد من مثل هذا التحول الكبير، قد لا ترغب في الظهور وكأنها تدفع بقوة نحو هذا التغيير. فقد طالما عبّرت دول عديدة عن استيائها من المكانة المميزة التي يتمتع بها الدولار في النظام المالي العالمي، وقد تمنح الحرب المتصاعدة هذه الدول فرصة جديدة لتقليل اعتمادها على العملة الأمريكية.
