صراع السيادة في جنوب لبنان بين إسرائيل وحزب الله
أثارت التصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي زعم فيها أن بعض القرى المسيحية الواقعة على الحدود الجنوبية للبنان طلبت الانضمام إلى إسرائيل، موجة واسعة من الرفض والاستنكار داخل الأوساط السياسية والمجتمعية اللبنانية، ولا سيما في تلك القرى المعنية. وسرعان ما سارعت البلديات والقيادات المحلية إلى إصدار بيانات موحدة نفت فيها هذه المزاعم بشكل قاطع، مؤكدة أن مستقبل هذه المناطق لا يمكن أن يكون إلا ضمن إطار الدولة اللبنانية وسيادتها. لكن أهمية هذه القضية لا تكمن في صحة الادعاء الإسرائيلي من عدمه، بقدر ما تكمن في الرسائل السياسية والاستراتيجية التي حاولت إسرائيل تمريرها من خلال هذه التصريحات، وفي التوقيت الذي جاءت فيه، حيث يتزامن مع مرحلة شديدة الحساسية يشهد فيها الجنوب اللبناني إعادة رسم للتوازنات الأمنية والسياسية عقب الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله.
تصريحات نتنياهو تبدو أقرب إلى كونها جزءاً من استراتيجية الحرب النفسية والإعلامية التي تنتهجها إسرائيل، أكثر من كونها تعبيراً عن مشروع سياسي قابل للتنفيذ. فمن الناحية القانونية والسياسية، يدرك صانع القرار الإسرائيلي أن أي حديث عن ضم أراضٍ لبنانية سيواجه رفضاً دولياً واسعاً، فضلاً عن أنه سيؤدي إلى تصعيد إضافي مع لبنان والمجتمع الدولي. لذلك، فإن الهدف الحقيقي لهذه التصريحات يتمثل في محاولة بناء سردية سياسية جديدة توحي بأن بعض المكونات اللبنانية باتت ترى في إسرائيل جهة قادرة على توفير الأمن والاستقرار أكثر من الدولة اللبنانية نفسها بما يسهم في تعميق الانقسامات الداخلية اللبنانية وإضعاف صورة الدولة أمام الرأي العام المحلي والدولي. كما تسعى إسرائيل إلى توظيف هذه الرواية لتبرير استمرار وجودها العسكري في أجزاء من الجنوب، عبر تقديمه باعتباره ضرورة أمنية لحماية السكان المحليين من تهديدات حزب الله، وليس مجرد احتلال عسكري لأراضٍ لبنانية.
في المقابل، جاء الرد الصادر عن القرى المسيحية ليحمل أبعاداً سياسية تتجاوز مجرد نفي الرواية الإسرائيلية، فقد شددت البلديات والقيادات المحلية على تمسكها بالدولة اللبنانية باعتبارها المرجعية الوحيدة والنهائية، ورفضها القاطع لأي محاولات لاستغلال معاناة سكان الجنوب في خدمة أجندات خارجية. غير أن هذا الخطاب لم يكن خالياً من الرسائل الموجهة إلى الداخل اللبناني، إذ كشف بوضوح عن حالة من الإحباط تجاه عجز الدولة عن ممارسة سيادتها الكاملة على المناطق الحدودية. فالسكان يؤكدون أنهم متمسكون بلبنان، لكنهم في الوقت نفسه يشعرون بأن الدولة تركتهم يواجهون وحدهم تبعات الصراع، سواء من خلال استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض المناطق، أو نتيجة وجود السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية، وهو ما جعلهم يعيشون لسنوات طويلة بين قوتين تفرضان واقعاً أمنياً لا يملكون القدرة على التأثير فيه.
الأزمة الراهنة كشفت مفارقة مهمة، ففي حين يرفض سكان هذه القرى بصورة قاطعة الاحتلال الإسرائيلي، نجد أنهم لا يخفون انتقاداتهم لاستمرار وجود السلاح غير الخاضع لسلطة الدولة. فالعديد من أبناء المنطقة قد أظهروا في شهاداتهم أن الحرب الأخيرة أعادت التأكيد على أن الجنوب لا يزال يدفع ثمن الصراع بين إسرائيل وحزب الله، وأن غياب القرار الأمني الموحد للدولة يجعل المدنيين أول المتضررين من أي مواجهة عسكرية. ومن ثم، فإن الخطاب الصادر عن هذه المجتمعات لا يمكن تفسيره باعتباره انحيازاً لأي طرف، وإنما باعتباره تعبيراً عن رغبة متزايدة في استعادة الدولة لدورها الطبيعي باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بإدارة الأمن والدفاع وحماية المواطنين.
كما إن الوقائع الميدانية تكشف حالة "الفراغ السيادي" التي يعشها التي يعيشها الجنوب اللبناني، حيث تتداخل سلطات متعددة دون أن تمتلك أي منها القدرة على فرض استقرار دائم. فالجيش الإسرائيلي لا يزال يحتفظ بوجود عسكري في عدد من المناطق الحدودية ويواصل فرض قيود صارمة على حركة السكان، بينما تراجع النشاط العسكري لحزب الله في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار، في حين تبدو مؤسسات الدولة اللبنانية عاجزة عن استعادة حضورها الكامل في تلك المناطق. ونتيجة لذلك، يجد السكان أنفسهم مضطرين إلى إدارة شؤونهم اليومية في ظل غياب شبه كامل للمؤسسات الرسمية، بما يعمق الشعور بعدم اليقين ويزيد من هشاشة البيئة الاجتماعية والاقتصادية في الجنوب.
ولا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على الجانب الأمني، بل تمتد إلى أبعاد إنسانية واقتصادية بالغة الخطورة، فالقرى الحدودية تعاني من تراجع حاد في الخدمات الأساسية، وغياب المؤسسات الصحية، وصعوبة الوصول إلى المرافق العامة، فضلاً عن القيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع. كما تعرَّض القطاع الزراعي، الذي يشكل المصدر الرئيسي لدخل معظم السكان، لخسائر كبيرة نتيجة استمرار التوترات الأمنية والأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية. وفي ظل هذا الواقع، باتت المساعدات الإنسانية تشكل شريان الحياة الرئيسي للعديد من القرى، بينما تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار الأوضاع الحالية إلى موجة هجرة جديدة، بما يحمله ذلك من آثار بعيدة المدى على التركيبة السكانية للمنطقة الحدودية.
وفي الوقت نفسه، يكشف اتفاق وقف إطلاق النار عن معادلة أمنية معقدة يصعب معها توقع عودة الاستقرار الكامل في المدى المنظور، لاسيما وأن الاتفاق يربط الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المحتلة بإتمام عملية نزع سلاح حزب الله في جنوب الليطاني، بينما تؤكد إسرائيل أنها ستواصل الاحتفاظ بقواتها طالما تعتبر الحزب يشكل تهديداً لأمنها. وبهذا تصبح عملية تنفيذ الاتفاق رهينة معادلة دائرية؛ إذ ترفض إسرائيل الانسحاب قبل معالجة ملف السلاح، في حين يرفض حزب الله أي ترتيبات نهائية قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، بينما تفتقر الدولة اللبنانية إلى القدرة السياسية والعسكرية التي تمكنها من فرض أي من الخيارين، الأمر الذي يبقي الجنوب في حالة انتظار مفتوحة قد تستمر لسنوات.
وفي خضم هذه التعقيدات، تواصل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أداء دورها في إزالة الأنقاض، وتأمين مرور المساعدات الإنسانية، والمساهمة في إصلاح بعض مرافق البنية التحتية، إلا أن طبيعة تفويضها وحدود صلاحياتها تجعلها غير قادرة على معالجة الأسباب الجوهرية للأزمة. ولذلك يظل دورها مقتصراً على الحد من التداعيات الإنسانية والأمنية، دون أن تمتلك الأدوات الكفيلة بإحداث تحول استراتيجي في واقع الجنوب اللبناني.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الأزمة الراهنة أبعد بكثير من مجرد خلاف حول تصريحات إعلامية أو مزاعم تتعلق بضم قرى حدودية، إذ إنها تعكس في جوهرها أزمة الدولة اللبنانية نفسها، وتكشف حجم التحديات التي تواجهها في بسط سيادتها واستعادة احتكارها لاستخدام القوة. كما تؤكد أن الصراع في جنوب لبنان لم يعد يقتصر على المواجهة التقليدية بين إسرائيل وحزب الله، بل أصبح يدور أيضاً حول مستقبل الدولة اللبنانية، وحدود سلطتها، وطبيعة النظام الأمني الذي سيحكم الجنوب خلال السنوات المقبلة. وبين الاحتلال الإسرائيلي، واستمرار إشكالية السلاح خارج مؤسسات الدولة، والعجز الرسمي عن توفير الأمن والخدمات، يجد سكان القرى الحدودية أنفسهم أمام معادلة معقدة تجعلهم متمسكين بهويتهم الوطنية، وفي الوقت نفسه أكثر إدراكاً من أي وقت مضى أن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا عبر استعادة الدولة اللبنانية لدورها الكامل بوصفها المرجعية الوحيدة القادرة على حماية الأرض والسكان وصون السيادة الوطنية.
