د. عمرو الشوبكي

اتفاق مكة

آراء حرة - د. عمرو الشوبكي
د. عمرو الشوبكي
باحث متخصص في مجال النظم السياسية وحركات الإسلام السياسي ومحاربة التطرف، وهو خبير أيضاً في السياسة التركية وقضايا الإسلام الأوروبي والعلاقات العربية الأوروبية.

وقعت أمس الأول كل من السعودية وتركيا وباكستان على اتفاق تحالف دفاعى عرف باسم «اتفاق مكة»، ونص على أن أى هجوم مسلح على إحدى الدول يُعد هجوماً على الدول الثلاث جميعاً، وهو ما يعنى الانتقال من مرحلة اتفاقات التعاون المتفرقة أو المنفصلة بين الدول الثلاثة إلى مبدأ الردع والدفاع الجماعى، وإن كانت التفاصيل العملية لكيفية تنفيذ الالتزام العسكرى لم تُعلن بعد.

ويعد هذا الاتفاق رسالة قوية لدول المنطقة والعالم وتحول كبير فى حال تم «مأسسته» وتحوله إلى إطار مؤسسى حقيقى يجمع الدول الثلاث، ولم يبق فى إطار «تحالفات النيات الطبية» أو التحالفات المؤقتة التى تشهدها المنطقة لبعض الوقت ثم تتلاشى.

والحقيقة أن أهمية هذا الاتفاق تكمن فى مسألتين رئيسيتين الأولى: أوزان الدول الموقعة وتنوع مصادر قوتها بحيث بدت وكأنها تكمل بعضها البعض، فالسعودية ذات القوة المالية والنفوذ العربى والخليجى والقدرات العسكرية الصاعدة. وأيضا المعانى الرمزية والدينية التى تمثلها فى العالم الإسلامى، وبالتالى لم يكن اعتباطيا اختيار اسم مكة كعنوان لهذا الاتفاق. أما تركيا فهى قوة عسكرية كبيرة تمتلك صناعة دفاعية متطورة وأصبح لديها حضور وتأثير فى كل الملفات الإقليمية من ليبيا إلى السودان ومن سوريا حتى غزة، كما أن جيشها يعد ثانى أكبر جيش فى حلف الناتو من حيث العدد بعد الولايات المتحدة الأمريكية واعتبرها كثيرون تمثل حائط صد أو قوة ردع أمام إسرائيل تجعل الأخيرة تحسب ألف حساب إذا قررت توسيع هجماتها على دول المنطقة. أما باكستان فرغم مشاكلها الاقتصادية وتلقيها أكثر من مرة لمساعدات سخية من قبل السعودية إلا أنها نجحت فى بناء قوة عسكرية ونووية راسخة، وبدأت فى تقديم نموذج سياسى تقاسمت فيه السلطة بين المؤسسة المدنية ممثله فى رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عصام منير كما أن قيادتها ملف الوساطة بين أمريكا وإيران عزز من حضورها فى الشرق الأوسط والعالم العربى.

أما المسألة الثانية فهى السياق الذى جرى فيه الاتفاق فالدول الثلاث حليفة للولايات المتحدة الأمريكية وإن إعلانها عن هذا التحالف لا يعنى أنه فى مواجهة التحالف مع أمريكا، ولكنه يعنى ولو ضمنا أن الجميع وخاصة السعودية لديهم شعور بأن التحالف مع أمريكا لا يكفى بمفرده لتحقيق الأمن. كما جاء هذا التحالف فى سياق حرب أمريكية على إيران وأذرع للأخيرة فى أكثر من بلد عربى هددت استقراره، ومحاولات إسرائيلية للهيمنة على دول المنطقة عبر القوة العسكرية الباطشة.

إذا نجح هذا الاتفاق فى وضع آليات عملية لتنفيذه (هيكل قيادة عسكرية ومؤسسات دائمة، وقوات وخطط عمليات مشتركة، وآليات واضحة لاتخاذ القرار والتزامات عسكرية تفصيلية) فإنه سيعنى أننا أمام تحالف دفاعى جديد سيغير من معطيات كثيرة فى المنطقة والعالم.

نقلا عن صحيفة المصري اليوم