بث تجريبي

تأثير ممارسات الهويتين العربية والأمازيغية على الاستقرار السياسي في دول الشمال الافريقي

دراسات وأبحاث - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

مُلَخَّص

تناولت الدراسة إشكالية تأثير ممارسات الهويتين العربية والأمازيغية على الاستقرار السياسي في دول الشمال الافريقي، حيث تأثَّر الإطارُ السياسي للهويةِ بظروفِ نشأةِ هذه النظم. لقد تباينت التفاعلات الصراعية بين الجماعات العربية والامازيغية في دول المنطقة، وذلك بحكم التباين الديمغرافي فيما بينها؛ ففي المغرب والجزائر، وتباين الكثافة العددية للأمازيغ بين السكان مقارنة ببقية دول المنطقة حيث كان الحراك الأمازيغي أشدَّ وضوحاً. كما أن ممارسات الهوية الأمازيغية قد تأثرت بشكل الحكم في دول المنطقة؛ ففي حين اتسم تعامل المؤسسة الملكية في المغرب بقدر من المرونة مقارنة بتعامل النظام الجمهوري في الجزائر التي تميَّزت ممارسات الأمازيغية فيها بدرجة أشد من العنف. أما في ليبيا، فنتيجة لتعرض الجماعة الأمازيغية للقمع الشديد طوال عهد القذافي، فضلاً عن الاضطراب الأمني والسياسي الذي عاشته البلاد عقب سقوط القذافي، فقد اتخذت ممارسات الأمازيغية طابعاً أشد حدة. غير أن الحالة المصرية مثَّلت استثناء عن بقية دول المنطقة بفضل التجانس الثقافي والاجتماعي فضلا عن ضآلة عدد الأمازيغ بين السكان المصريين. وخلص الباحث أن انحياز النظم السياسية بتلك الدول إلى الهوية العربية من خلال مسارات التعريب والقومية العربية، قد أنعكس على تنامي ظهور الحركة الأمازيغية التي عملت في إطار مسارات داخلية وخارجية بغرض الضغط على النظم السياسية، واستغلال ما وفرته لها البيئة السياسية من فرص سياسية لتحقيق مكتسبات عديدة. وقد تنوعت هذه الممارسة ما بين العمل الحقوقي والسياسي وصولا إلى العنف الذي أثَّر على الاستقرار السياسي والأمني، كما تباينت هذه الممارسات بين دول المنطقة بحسب المقاربة التي اتبعتها النظم السياسية فضلا تباين نسبة الأمازيغ بين عدد سكان هذه الدول.

الكلمات المفتاحية: الهوية، الأمازيغ، الاستقرار السياسي، شمال افريقيا

 

Abstract

The study dealt with the problem of the practices of the Arab and Amazigh identities on political stability in the North African countries, where the political framework of identity was affected by the conditions of the formation of these systems. The conflict interactions between the Arab and Berber groups varied, due to the demographic disparity among them. In Morocco and Algeria, and due to the Berber population density compared to the rest of the region, the Berber movement was more visible. The practices of the Berber identity have also been affected by the shapes of the political regimes. The monarchy regime in Morocco was more flexible comparing to the republican one in Algeria, where Berber practices were more confrontational. In Libya, as a result of the severe repression of the Berber group during the Gaddafi era, as well as the security and political turmoil that the country experienced after the fall of Gaddafi, the Berber practices took on a more severe character. However, the Egyptian case represented an exception from the rest of the region, thanks to the cultural and social homogeneity, as well as the very small number of Berbers among the Egyptian population. The researcher concluded that the bias of the political systems in those countries to the Arab identity through the paths of Arabization and Arab nationalism, was reflected in the growing emergence of the Amazigh movement, which worked within the framework of internal and external paths with the purpose of putting pressure on the political systems, and exploiting the political opportunities provided by the political environment to achieve many gains. Such practice varied from human rights and political work to violence that affected political and security stability. It also varied among the countries of the region according to the approach taken by the political systems, as well as the varying proportion of Amazigh among the population of these countries.

Keywords; Identity; Amazigh, Political Stability, North Africa

 

مقدمة

مع تجذُّرِ إشكالية الهوية في دول شمال افريقيا منذ ما قبل الاستقلال، ورغم انحياز النظم السياسية الحاكمة لاحقا للهوية العربية، إلا أن ممارسات هذه النظم تجاه الهوية قد تأثَّرت بغلبة الطابع العسكري على غالبية هذه النظم التي تشكلت من حركات التحرر السابقة ضد الاستعمار، وقد انعكس إدراك النخب الحاكمة للهوية، بطبيعة الحال، على عمليات بناء الدولة. في ضوء ذلك، تدور إشكالية الدراسة حول واقع العلاقة بين أوضاع الهويتين العربية والأمازيغية الذي تميَّز بنزعة صراعية على حساب الولاء والانتماء للهوية الوطنية، وهو الأمر الذي ترك تأثيرات سلبية على حالة الاستقرار السياسي بدول الشمال الافريقي. في ضوء ذلك، تسعى الدراسة للإجابة على التساؤلات التالية:

  1. إلى أي مدى أثَّرت إشكالية الهوية في الاستقرار السياسي بدول الشمال الافريقي.
  2. إلى أي مدى أثَّر بروز الحركة الأمازيغية على الاستقرار السياسي بدول الشمال الافريقي.

تسعى الدراسة لاختبار صحة أو خطأ فرضية أساسية مفادها أن في أن تنامي الصدام والصراع بين الهويتين العربية والأمازيغية سيؤثر سلباً على الاستقرار السياسي في دول الشمال الأفريقي. وعلى هذا، فإن الدراسة قد اعتمدت على "منهاج الجماعة"، أو "نموذج الجماعة Group Model الذي يُمَثِّل أحد التحولات المهمة في الدراسات السياسية، إذ يعكس هذا النموذج تحولاً من التركيز على الأبنية والمؤسسات الرسمية للنظام السياسي، إلى العمليات والنشاطات والتفاعلات، وهو ما عزَّز التحول من الدراسات الجامدة Static  إلى عمليات دينامية Dynamic في المجال السياسي بشكل عام. وعليه سوف تركز هذه الدراسة على تفاعلات الجماعتين العربية والأمازيغية وانعكاسات ذلك على الاستقرار السياسي من خلال المحورين التاليين:

أولا. تأثير الهوية العربية

لا تقتصر ممارسات الهوية العربية في شمال افريقيا على مرحلة ما بعد الاستقلال، فقد كانت جهود إحياء الحفاظ على العروبة وإزكاء الحسِّ الديني في مقدمة خطاب المقاومة الذي قاده رجال الدين والعلماء. أما بعد الاستقلال فقد أثَّرت الهوية العربية في سياسات النخب الحاكمة التي انضوت تحت الراية القومية، وقد اتخذ ذلك أشكال عديدة تراوحت ما بين مساعي الوحدة، سياسات التعريب...وغيرها، وقد جعل ذلك الهويةَ العربيةَ أشبه بمحركٍ يقود توجهات النخبة خلال تلك المرحلة. وفي هذا السياق، مرَّت العروبة بثلاث مراحل منذ بدايتها كحرطة واتجاه فكري موجه ضد الاستعمار فكانت العروبة في مرحلتها المبكرة تعبيراً عن الرغبة في هوية أو وجود مستقل. وفي هذه الأثناء تبلورت العروبة في جهود التخلص من هيمنة الاستعمار العثماني التركي، ثم تبلورت خلال المرحلة الثانية في جهود التخلص من الاستعمار الأوروبي، أما خلال المرحلة الثالثة، وكانت عقب الاستقلال، فقد تبلورت في الانشغال بالتغيير الاجتماعي والتنمية وعمليات بناء الدولة[1].

في هذا الإطار، يمكن رصد تأثير الهوية العربية من خلال سياسات التعريب، والتوجهات القومية العربية للأنظمة السياسية كمؤشرين على مدى تأثير الهوية العربية على الاستقرار السياسي، وهو ما يمكن رصده فيما يلي:

  1. سياسات التعريب

ارتبطت سياسات التعريب التي تبنتها النظم السياسية في شمال افريقيا بدرجة كبيرة بجهود الاستقرار السياسي من خلال الوجهة القومية التي حددتها النخب الحاكمة آنذاك. فالرئيس الجزائري أحمد بن بلا، وخلال رحلة عودته من القاهرة للجزائر في ربيع 1963، ما ان فتح باب الطائرة إلا وتقدَّم نحو مَدرَج الطائرة حتى صاح بأعلى صوته ثلاث مرَّات "نحن عرب"[2]. وفي هذا السياق، تشكلت اللجنة الوطنية للتعريب في الجزائر بموجب قرار أصدره الرئيس هواري بومدين في عام 1972، ثم تسارعت وتيرة عملية التعريب حيث عرف العام 1975 انعقاد المؤتمر الوطني للتعريب الذي تمخض عن قرارات تعزز تعميم استعمال اللغة العربية ثم تعزَّز ذلك مؤسسيا بإنشاء المجلس الأعلى للغة الوطنية في  عام 1981، ثم أنشئ المجمع الجزائري للغة العربية عام 1986، حتى جاء قانون تعميم استعمال اللغة العربية الذي أصدره الرئيس الشاذلي بن جديد. غير أن مسيرة التعريب تلك لم تكن بمعزل عن الواقع السياسي حيث واجهت في بعض الأحيان ردة فعلٍ معارضة من جانب الجماعات الأمازيغية. فرغم عدم تفعيل القانون بالشكل المقرر له من جانب الرئيس بن جديد، إلا أن سلفه الرئيس اليامين زروال قد أعلن تطبيق هذا القانون بدءاً من 5 يوليو 1998، الأمر الذي قابلته الجماعات الأمازيغية بمنطقة القبائل بالخروج في مظاهرات ضد هذا القانون، وقد استمرت الاحتجاجات لمدة اسبوع، حيث رفع المتظاهرون لافتات مكتوبة باللغة الأمازيغية والعربية يطالبون فيها بالاعتراف باللغة الأمازيغية. ولم تكن هذه المناسبة هي الوحيدة من نوعها حيث ارتبط أحداث الشغب والمصادمات التي صاحبت ما عرف بـ "الربيع الأمازيغي" عام 1980 باعتراض الأمازيغ على قرارات التعريب وموقف الدولة من الأمازيغ[3].

وفي المغرب، كان التعريب يمثل أحد مظاهر التماسك الوطني وركيزة الحركة الوطنية في ردِّها على المحاولات الاستعمارية السابقة للتفريق بين العرب والأمازيغي التي كان أبرزها ما عُرِفَ بـ "الظهير الأمازيغي" عام 1930[4]. أما بعد الاستقلال، فقد ارتبطت عملية التعريب بمفهوم "المغربة" الذي يعني إحلال الأطر المغربية محل الأطر الأجنبية التي كانت تباشر الوظائف ابان عهد الاستعمار وبعده[5].

وفي تونس اتخذ التعريب طابعاً مطلبياً وطنيا مرتبطا بالاستقلال والحرية ومناهضة الاحتواء والاندماج. أما بعد الاستقلال فقد ارتبط التعريب برؤية النظام السياسي تجاه بناء الدولة، والتي كانت تقودها الرؤية الشخصية للرئيس الحبيب بورقيبة. فقد رأى بورقيبة أن يكون مشروع التعريب جزءا من مشروع التحديث والتنمية. لكن علاقة مسيرة التجربة التونسية في التعريب قد اتخذت مراحل ترددت بين الدعم خلال أول عامين، والانتكاسة بداية من عام 1985 وذلك نتيجة لتوتر العلاقات التونسية المصرية، لجأ النظام السياسي لمراجعة الانتماء العروبي لتونس ومواصلة مشروع التحديث بمعزل عن الارتباطات العربية. غير أنه نتيجة للظروف الاقتصادية التي كانت تمر بها تونس مع نهاية الستينات، عرفت تونس ما يعرف بـ "وقفة التأمل" لمراجع العلاقات مع العالم العربي والتقارب مع دول الخليج لأغراض اقتصادية بل ان تونس اضطلعت بدورٍ في مجال التضامن العربي حتى صار التعريب قضية مركزية[6]. ورغم ان تجربة التعريب في تونس قد انطلقت من التلازم مع مفهوم "التونسة"، بمعنى تنزيل كافة أشكال الانتاج الأدبي والسياسي ...إلخ منزلة أفضل، إلا أنه نتيجة لغياب الإرادة السياسية فقد بدا مشروع التونسة متردداً وضعيفا، الأمر الذي انعكس على علاقة التعريب بالاستقرار السياسي.   وفي ليبيا، تم توظيف الهوية العربية لأغراض سياسية وبخاصة خلال الحرب التشادية الليبية 1975-1994، حيث أسفر الاهتمام بقبائل الزوي بمنطقة "الكُفرة" ودعمها اجتماعيا وعسكريا، في مقابل التبو الذين كانت توجَّه إليهم الاتهامات باعتبارهم طابورا خامساً يعمل لصالح تشاد ما غذَّى مشاعر الغضب لدى أمازيغ ليبيا بشكل عام، وقد انعكس ذلك على موقفهم الداعم للانتفاضة الجماهيرية التي أطاحت بالقذافي عام 2012[7].

أما في مصر، فلم يكن التعريب يهدف لإحلال اللغة العربية محل لغات أو ثقافات أخرى، كما كان عليه في حالة الفرنسية والأمازيغية في بقية دول الشمال الافريقي، بقدر ما تمثل في ترسيخ الهوية العربية لمصر والتأكيد عليها. ذلك أن عروبة مصر، وفي ضوء ثقافتها لغة وديناً...إلخ، ورغم الجدل الذي ساد أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، إلا أن هذه العروبة كانت بمثابة تحصيل حاصل وواقع مؤكد، لذا فقد تحركت عجلة التعريب سياسياً أكثر منه ثقافياً. وبالتالي، لم تبدو عملية التعريب في الحالة المصرية كأحد المتغيرات المؤثرة في الاستقرار السياسي نتيجة لتميز التركيبة السكانية المصرية المتجانسة لغوياً بشكلٍ كبيرٍ، فضلا عن الثقافة السائدة بين المصريين ومدركاتهم بشأن دور بلدهم الحضاري في التاريخ العربي والإسلامي.

هنا يرى الباحث أن سياسات التعريب قد استفات من إرادة النظم الحاكمة، حيث كانت في قلب مشروع التحديث واستراتيجيات بناء الدولة، وقد وفَّر ذلك لها حاضنة اجتماعية عززَّت بقاءها واستمرارها رغم عدم نجاح مشروع التعريب اللغوي، وهو ما يتجلى في المجتمعات التي تعاني من ازدواجية لغوية (عربية/ فرنسية) كما هو الحال في تونس والجزائر والمغرب.

  1. التوجهات القومية للنظم السياسية

احتلت التوجهات القومية العربية مكانة مركزية في الخطاب السياسي للنظم السياسية الحاكمة بدول الشمال الافريقي منذ الاستقلال؛ حيث برزت "الأمة العريبة" وتأكدت كحقيقة بديهية وتجربة يومية في الخطاب الناصري في مصر. وهو ما يُفَسِّرَ سرعة قيام الوحدة الوحدة بين مصر وسوريا في 23 فبراير 1958. ورغم التفاؤل الذي تغلفت به هذا التجربة في بدايتها إلا أن إخفاقها بعد ثلاث سنوات فقط قد كشف عن تناقضات عبرت عن الفجوة بين الفكرة الوحدوية والتطبيق[8]. وباستثناء الحالة التونسية، فرغم اعتبار القومية العربية الفضاء الذي تحرَّكَت خلاله النظم السياسية ببقية دول الشمال الإفريقي خلال العقود الثلاثة التالية على الاستقلال، إلا أن خللاً مزدوجاً قد وقع نتيجة للممارسات الأحادية للتوجهات القومية العربية من جانب النخب الحاكمة بعد الاستقلال. ذلك أن تجاهل الأبعاد الأخرى للهوية الوطنية كالبعد الأمازيغي وتبني العروبة بشكل أحادي كانت له انعكاسات لاحقة تمثَّلت في نشوء حركة الوعي بالهوية الأمازيغية وهي الحركة التي تعزَّزت بفعل عوامل داخلية وخارجية. ومن جانب خر، فإن إخفاق النخب القومية القومي العروبية في تحقيق مشروع التحديث الذي وعدت به بدايةً قد أسهم بدوره في خلق فراغات سياسية واجتماعية شغلتها الجماعات الدينية المتشددة، وكانت هذه الجماعات قد تقاطعت مع الاتجاه القومي في التأكيد على عروبة الدولة بينما اختلفت معه في المرجعية. ففي حين اعتمد التيار القومي مرجعية علمانية آثرت استيعاب التنوع الديني في العالم العربي، نجد أن الجماعات الدينية قد اعتمدت مرجعية دينية على أساس أفكار متشددة كالحاكمية والجهاد. وقد أثَّر ما سبق على الاستقرار السياسي في دول الشمال الافريقي. فمن ناحية، كان "الربيع الأمازيغي" محطة أساسية لانطلاق الحركة المطلبية الأمازيغية التي اصطدمت بعنف مع النظم السياسية في المغرب والجزائر منذ ثمانينات القرن العشرين ولاحقا في تونس ثم ليبيا بعد سقوط نظام حكم معمر القذافي عام 2011. ومن ناحية أخرى، اصطدمت الجماعات الدينية مع النظم السياسية، حيث دخلت الدولة الوطنية في صراع تميَّز بالعنف مع جماعات الإسلام السياسي، التي عملت في إطار ما يعرف بـ "جماعات الهوية" Identity Groups وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين في مراحل مختلفة عام 1954 والنصف الأول من الستينات، وقد ظهرت خلال هذه الفترة فكرة الحاكمية التي قدمها سيد قطب، والتي مثَّلت مصدراً لإلهام العديد من الحركات الدينية و"الجهادية" التي جابهت النظم السياسية[9]. ورغم محاولة الرئيس الأسبق أنور السادات مهادنة هذه الجماعات لمجابهة التيارات اليسارية خلال مراجعته للتوجهات الاشتراكية للنظام السياسي الموروثة عن سلفه جمال عبد الناصر، إلا أن شقاقاً وقع بين السادات وبين جماعة الإخوان عقب زيارة السادات للقدس انتهت باغتيال الرئيس المصري على يد أعضاء تنظيم الجهاد[10] الذي كان يُعد لثورة شعبية ذات مرجعية دينية متشددة انطلاقا من صعيد مصر[11].

وفي الجزائر، شهدت البلاد خلال تسعينات القرن العشرين ما عُرِفَ بالعشرية السوداء، والتي كانت مسرحاً لاضطرابٍ سياسيٍ قاد البلاد لآتون الحرب الأهلية. وقد كان "الاتجاه السلفي"، كما يسميه راشد الغنوشي، في مقدمة القوى التي قادت انتفاضة اكتوبر 1988 حيث اعتبرها الاسلاميون "ثورة إسلامية"، ودعا قائدها على بلحاج إلى المشاركة الفعلية في الأحداث ابتداءا من 9 اكتوبر من نفس العام[12].

وفي تونس كانت أولى المصادمات التي واجهها النظام السياسي التونسي البورقيبي قد قامت بها جماعات ترفع شعارات العروبة والإسلام، وتتخذ من المساجد والجوامع مواطن دعاية. وكانت بعض هذه العناصر تشكل امتدادا للتيار اليوسفي، الذي قام بمحاولة انقلابية سنة 1961، كما قامت بما يعرف بـ "عملية قفصة". وكان النظام السياسي خلال عهد الرئيس بورقيبة قد تعامل مع التيار الديني من خلال استراتيجية قوامها التحريض على مقاومة التخلف وقد أسماها معركة الجهاد من أجل التنمية. وكان بورقيبة قد هدف من وراء ذلك إعادة تشكيل المِخيال الجماعي وهدم المرتكزات النفسية والثقافية التآكلة للذاكرة الوطنية التي كانت هدفا رئيسا لدى الإسلام السياسي[13].

هنا يرى الباحث أنه رغم التداخل الظاهر بين العروبة والإسلام، في خطاب التيار الديني بشأن الهوية العربية، إلا أنه ثمة تداخل في المصالح وتوافق في الرؤى السياسية بين مكونات التيار الديني مع قوى خارجية تختلف مع التوجه العروبي (تركيا وإيران) أو المذهبي لهذه الجماعات (إيران الشيعية الاثنى عشرية)، أو حتى قوى دولية ذات هوية تصطدم مع الهوية العربية الإسلامية كالدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة. إن ذلك التداخل يؤكد على اعتبار أن للهوية مكانةً وظيفيةً Functional للهوية في الخطاب العام للجماعات الدينية أيديولوجيا وسياسياً. بجانب ذلك، فقد ظلَّت الهوية العربية في موضع المفعول به أو المستخدم لأغراض سياسية. حتى أنها تم تطويعها لخدمة الأهداف السياسية للجماعات الدينية خلال تعاملها مع العالم الخارجي. فقد اجتهدت جماعة الإخوان المسلمين، وهي الفاعل الرئيس بين جماعات لإسلام السياسي، لإثبات مرونتها في التعامل مع الخطاب الليبرالي العلماني رغم التناقض الكبير بين مرجعة الخطابي (العلماني والديني)، ذلك أن جُلَّ كتابات منظري الإسلام السياسي بداية من أبي الأعلى المودودي وصولاً إلى سيد قطب تحمل رؤية تصادمية مع الليبرالية والعلمانية. إلا أن جماعة الإخوان كانت أشدَّ حرصاً على تصديرِ صورةٍ تبدو فيها أقرب إلى الرؤية الغربية. فقد سعى راشد الغنوشي في تونس لسدِّ الفجوة بين الخطابين الديني والليبرالي رغم مزاعمه في ممارساته خلال وجوده في السلطة. وكان الغنوشي نفسه أثناء رئاسته بالبرلمان ألدَّ أعداء التيارات العلمانية في البرلمان لدرجة وصلت إلى حد الانزلاق نحو الاعتداء على النساء بالبرلمان[14] تمهيدا لصدام أشدَّ ضراوة مع السلطة التنفيذية انتهى بقرار رئيس الجمهورية بتجميد البرلمان الذي كان يسيطر عليه الغنوشي وجماعته في 25 يوليو 2021.

 

ثانيا. تأثير الهوية الأمازيغية

رُغم تجذُّر ممارسات الهوية الأمازيغية في التاريخ الحديث بشمال افريقيا، حيث ترجع إلى العقود الأخيرة من الحقبة الاستعمارية، إلا أن اقتصارها على الطابع الثقافي بعيداً عن العمل السياسي جعل من تأثير هذه الممارسات على الاستقرار السياسي، خلال هذه المرحلة، في أضيق حدوده. فقد كان العمل السياسي يخضع لسيطرة السلطات الاستعمارية، وكان العمل الوطني مُنصَبًّا على أعمال المقاومة بكافة أشكالها. في هذا الإطار اتخذت ممارسات الهوية الأمازيغية أشكالاً عديدة تراوحت بين الانخراط في منظمات المجتمع المدني، والعنف من جهة أخرى، وقد تنوعت أشكال ودرجات الممارسات فيما بين دول المنطقة الأمر الذي جعل تأثيرها على درجة من التباين. ولقياس أثر ممارسات الهويتين العربية والأمازيغية على الاستقرار السياسي، فإن الباحث سوف يعتمد على بعض المؤشرات التي اتفق عليها غالبيةُ الباحثين فيما يتصل بتأثيرها على الاستقرار السياسي. ومن بين هذه المؤشرات، العديدة، سوف يركز الباحث على كلٍ من الوحدة الوطنية واختفاء الولاءات التحتية، واستجابة النظام السياسي لمتطلبات البيئتين السياسية والداخلية، وانخراط الأمازيغية في أعمال عنف تجاه السلطة الحاكمة، كمؤشرات على تأثير الحركة الأمازيغية على الاستقرار السياسي في دول الشمال الافريقي.

  1. الوحدة الوطنية واختفاء الولاءات التحتية

فالمجتمعات التي لا تعرف ظاهرة التعدد سواء على المستوى العرقي أو الديني أو الطائفي ... إلخ غالباً ما تكون أقرب إلى الاستقرار السياسي، غير أن الأهم في ذلك هو وجود استراتيجية من جانب النخب الحاكمة في التعامل مع هذه التعددية. في كل من المغرب والجزائر انطلقت الحركة الأمازيغة من الإطار الثقافي إلى العمل السياسي منذ ثمانيات وتسعينات القرن العشرين، قد أبرز تنامي الولاءات التحتية على حساب الولاءات الوطنية. فقد عقد "التجمع العالمي الأمازيغي"، في نوفمبر 2017، مؤتمره السابع بمدينة إيفران المغربية، حيث أصدر خلاله بيانا دعا فيه إلى إقرار الحكم الذاتي للأقاليم الأمازيغية في شمال افريقيا[15]. وقد انعكس ذلك على الحالة التونسية التي بدأت فيها إرهاصات دخول الحركة الأمازيغية معترك العمل السياسي حيث تأسس عددٌ من مؤسسات المجتمع المدني التابعة للحركة الأمازيغية بعد الانفتاح السياسي الذي شهدته دول الشمال الافريقي بعد 2011، مثل الجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية التي طالبت بضرورة تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس والاعتراف بالثقافة الأمازيغية كجزءٍ أصيل من الثقافة التونسية.

هنا يرى الباحث أن ذلك التحول الذي طرأ على مكونات الحركة الأمازيغية التونسية يتشابه مع التحولات التي شهدتها الحالتان المغربية والجزائرية سابقاً، حيث يمثل ذلك تكرارا للمسيرة نفسها في تونس؛ إذ مثَّلت البيئة السياسية التونسية بعد 2011 حاضنةً لعددٍ من المشكلات؛ مثل تنامي دور التنظيمات الدينية المتشددة وتنامي الولاءات التحتيةPrimordial Loyalties . أما في ليبيا، فقد فتح سقوط نظام معمر القذافي الباب أمام انطلاق الولاءات الأمازيغية (التحتية)، حيث انخرط أمازيغ ليبيا في العمل السياسي من خلال المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا، الذي تأسَّسَ في 2012، وقد اعترض المجلس على اعتماد الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور على قاعدة الأغلبية، وطالب بضرورة أن يتم إقرار الدستور على أساس التوافق بين كافة مكونات المجتمع الليبي، على إثر ذلك انسحب المجلس من المؤتمر الوطني العام.

بجانب ما سبق، تجدر الإشارة إلى إحدى إشكالية تعداد السكان الأمازيغ، بين سكان شعوب دول الشمال الافريقي. هنا يشير الباحث إلى أن؛ ففي المغرب، يمثل الأمازيغ نحو 10.64 مليون نسمة، من إجمالي السكان البالغ 37,950، بنسبة 28% من السكان، وفي الجزائر، يبلغ عددهم 8 مليون نسمة، بما يمثل 17.5% من السكان البالغ عددهم 45.40 مليون نسمة، وفي تونس يتجاوز عددهم 500 ألف، أي ما يعادل 5%، وفي ليبيا، تتراوح نسبتهم من 10 إلى 15% من عدد السكان (حيث لا توجد إحصاءات رسمية)، وفي مصر تتضاءل نسبتهم حيث يتراوح عدد ما بين 20 إلى 30 ألف نسمة بين تعداد السكان الذي يتجاوز 106 مليون نسمة[16]. غير أن الملاحظ على هذه الإحصاءات لم تحظى باتفاق من جانب الأمازيغ نظراً لما يرتبط بها من أهمية سياسية بين المكونات الأمازيغية وغيرهم في دول الشمال الافريقي. ففي 27 اكتوبر 2011، نظَّم عدد من النشطاء الأمازيغ في تونس مؤتمرا تحت عنوان "تونس: آفاق مقلقة" صدر على إثره بيان يهاجم تصريحات سابقة لزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي التي اعتبر فيها أن الشعب التونسي عربي ولغته عربية" وأكد البيان أن تونس هي تاريخيا أرضا أمازيغية تعرضت لمحو لغتها وثقافتها الأصلية، وأضاف أن في تونس وحدها نحو مليون شخص يتكلمون اللغة الأمازيغية، بل إن تصريحات "التجمع العالمي الأمازيغي" في بياناته الرسمية على أن المتحدثين بالأمازيغية في شمال افريقيا وحول العالم يصلون إلى 50 مليون شخص[17].

2. استجابة النظام السياسي لمتطلبات البيئتين الداخلية والخارجية

لطالما اتخذت الممارسات الهوياتية الأمازيغية أشكالاً ثقافية تهدف لإحياء الطابع الأصيل للثقافة الأمازيغية في صورها الفلكلورية. كما تجسَّدت الانشطة المنظمة للأمازيغ في صورة جمعوية ترجع بدايتها إلى تأسيس الجمعيات الأمازيغية التي استفادة بداية من الدعم الفرنسي، ثم استفادت لاحقا من تطور المجتمع المدني. نتيجة لذلك، لم يكن لممارسات الهوية تأثيرٌ يُذكر على الاستقرار السياسي حتى نهاية سبعينات القرن العشرين. غير مطلع الثمانينات قد شهد بوادر تأثير للهوية الأمازيغية على الاستقرار السياسي والأمني بما يمثل إنذار للنظم السياسية في هذه الاثناء. وقد تمثَّل ذلك في أحداث الربيع الأمازيغي، التي شهدتها منطقة القبائل الجزائرية بين 20 أبريل و 3 مايو 1980، بعد منع السلطات الجزائرية محاضرة للباحث والشاعر الأمازيغي مولود معمري حول الأدب الأمازيغي، حيث انطلقت، على إثر ذلك، احتجاجات جماهيرية من جانب الأمازيغ تطالب بالاعتراف بالثقافة الأمازيغية، وقد أسفر ذلك عن مواجهات بين المتظاهرين والسلطات الجزائرية.

في هذا السياق، يرى الباحث أن هذه الأحداث ربما كانت تمثل فرصة من المتعين على النظم السياسية في شمال افريقيا أن تستغلها بقراءة