تتأرجح الحرب في غرب آسيا بين هدنة هشة وقصف عنيف. وكان كل من مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، والاتفاق الإطاري الذي وقعته إسرائيل ولبنان برعاية أمريكية، بمثابة خطوات أولية محدودة نحو إعادة قدر من الاستقرار إلى المنطقة، غير أن تطورات الواقع سرعان ما تجاوزت حتى هذه المحاولات الحذرة. ويمكن إدراك مدى هشاشة الوضع من تجدد إطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ في 26 يونيو 2026، بعد توقيع الاتفاق الإطاري، فيما أصبحت التهديدات والتهديدات المضادة سمة معتادة للمشهد الإقليمي.
وتكشف زيارة حديثة إلى إسرائيل حجم الأضرار التي خلفتها الحرب، كما تتيح إعادة النظر في الهجوم الأصلي الذي وقع في نوفا في 7 أكتوبر 2023، والذي أفضى إلى الرد الإسرائيلي وما أعقبه من تصعيد للصراع، بما ترتبت عليه تداعيات عالمية واسعة.
ومن اللافت أنه، على الرغم من الحرب، تواصل إسرائيل أعمال البناء والتوسع في مدنها. ففي تل أبيب، تشهد مشاريع الإسكان الجديدة نشاطًا واسعًا، وتنتشر الرافعات في أفق المدينة، بالتوازي مع حضور واضح للإجراءات الأمنية المشددة. وبالنظر إلى قرب إسرائيل من دول معادية لوجودها، تبدو هذه التدابير، من وجهة النظر الإسرائيلية، ضرورية.
وقد ترك هجوم السابع من أكتوبر، الذي شنته كتائب القسام بالتزامن مع مهرجان موسيقي في نوفا بالقرب من حدود قطاع غزة، جرحًا عميقًا في الوعي الإسرائيلي. وشكل هذا الحدث نقطة تحول في علاقات إسرائيل مع دول أخرى في غرب آسيا، فيما تُقدَّم الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل بعده باعتبارها ردًا مباشرًا على ذلك الهجوم.
وتحظى الهند بتقدير كبير في إسرائيل. فقد نشر رئيس الوزراء ناريندرا مودي، عقب أحداث السابع من أكتوبر مباشرة، تغريدة أعرب فيها عن تعاطفه مع إسرائيل في مصابها، وأعقب ذلك بزيارة دولة في 25 و26 فبراير 2026، قبل يومين فقط من شن إسرائيل هجومها الانتقامي على إيران. وقد أسهم ذلك في تعزيز مشاعر الامتنان والتقدير تجاه دعم الهند وعلاقاتها مع إسرائيل.
وكانت هناك توقعات بأن تمارس الهند تأثيرًا على السعودية وقطر لدفعهما إلى تفهم وجهة النظر الإسرائيلية، وأن تعمل، بالتعاون مع دول صديقة أخرى، على إعادة النظر في القوانين الدولية واتفاقيات جنيف، إلا أن ذلك لم يتحقق.
وتُعد زيارة أحد تجمعات «الكيبوتس» تجربة كاشفة وضرورية لفهم نمط الحياة الإسرائيلي. فسكان الكيبوتسات يعيشون في تجمعات شبه منعزلة بعيدًا عن المدن، ويتمتعون بدرجة عالية من التنظيم والاكتفاء الذاتي. وتشمل المرافق عادة قاعة طعام مشتركة، ومنشأة طبية صغيرة، ومدرسة ابتدائية، ومنطقة للعب، بينما تخدم مدرسة واحدة للمراحل الدراسية الأعلى اثنين أو ثلاثة من الكيبوتسات المتجاورة.
ويضم كل كيبوتس أماكن آمنة يلجأ إليها السكان عند انطلاق صفارات الإنذار، إلى جانب فريق للاستجابة الأولية يتألف من نحو 10 إلى 15 شخصًا مسلحين بأسلحة شخصية.
ويُنظر إلى هذا التسليح باعتباره ضرورة، إذ يشعر كثير من الإسرائيليين، ولا سيما المقيمون في الكيبوتسات المحاذية لغزة ولبنان وسوريا، بأنهم عرضة للتهديد، ولا يعلقون آمالًا كبيرة على مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية لتحقيق السلام. كما أدى غياب إسرائيل عن هذه المذكرة إلى نشوء انطباع بأن مكانتها لدى الولايات المتحدة آخذة في الضعف. ومن ثم، أصبح الدفاع عن النفس والحفاظ على البقاء من الأولويات الأساسية.
وتخضع الشاحنات التي تمر عبر المعابر المؤدية إلى غزة، والبالغ عددها نحو 600 شاحنة يوميًا محملة بإمدادات مخصصة لسكان القطاع، لإجراءات تفتيش صارمة، لضمان عدم مرور مواد غير مسموح بها، مثل المتفجرات والأسلحة أو المولدات الكهربائية المحمولة.
ويرى الإسرائيليون أن الهجوم على لبنان كان ضروريًا، بالنظر إلى امتلاك حزب الله نحو 150 ألف صاروخ موجهة نحو إسرائيل. وهناك رغبة واضحة في نزع سلاح الحزب، لكن من دون تصور محدد لكيفية تحقيق ذلك، وإن كان البعض يرى أن تقديم الحوافز قد يكون وسيلة ممكنة. وفي الوقت الراهن، يُنظر إلى الاتفاق الإطاري بين إسرائيل ولبنان بوصفه تطورًا إيجابيًا.
أما فيما يتعلق بحماس، فتعتقد إسرائيل أن نزع سلاح الحركة يجب أن يتم بالقوة، في وقت ترى فيه أن التهديدات القادمة من غزة والضفة الغربية وسوريا لا تزال قائمة.
ويرغب الإسرائيليون في العودة إلى حياتهم اليومية الطبيعية. فمنذ اندلاع الحرب، ارتفعت تكاليف المعيشة في إسرائيل، وأصبح متوسط الدخل الشهري لأسرة من الطبقة المتوسطة، والبالغ نحو أربعة آلاف دولار، بالكاد يغطي أعباء الحياة، فيما تصل الضرائب إلى نحو 50%، وهي من بين أعلى المعدلات في العالم.
ويميل الشباب إلى الزواج في سن متأخرة، لكنهم لا يزالون يؤمنون بأهمية الإنجاب وتكوين الأسر، في تناقض لافت مع الاتجاهات السائدة في كثير من الدول المتقدمة، بل وحتى بعض الدول النامية. وفي الوقت نفسه، تسود مخاوف واسعة من احتمال عودة الحكومة الحالية إلى السلطة في الانتخابات المقبلة.
وعلى المستوى الإقليمي، تشهد المنطقة تحولات هائلة. فمن الواضح أن إيران لا تزال تحتفظ بالقدرة على المضي نحو امتلاك سلاح نووي، على الرغم من الضربات التي وجهتها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى منشآتها النووية. وتشير التقديرات إلى أن إيران تمتلك نحو 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب، وهو ما يُتوقع أن يدفع النظام، في ظل امتلاكه هذه الورقة، إلى تبني مواقف أكثر تشددًا.
ولم تغب عن أنظار القوى الإقليمية في غرب آسيا المساعدات التي قدمتها الصين لإيران خلال الصراع الأخير، بما في ذلك تزويدها بقطع ومكونات ومواد كيميائية تُستخدم في تصنيع الصواريخ، إلى جانب الدعم الاستخباراتي.
وفي الوقت نفسه، تتشكل تكتلات جديدة من الدول، سواء بوصفها أطرافًا وسيطة أو مشاركة أو متضررة من الحرب، ما أفرز مجموعة جديدة من التحالفات والتجمعات المؤثرة ذات الاختصارات المختلفة.
ومن بين هذه التكتلات مجموعة «PEST»، التي تضم باكستان ومصر والسعودية وتركيا، ومجموعة «TIQ» التي تضم تركيا والعراق وقطر، إلى جانب «المجموعة الدبلوماسية للثمانية» التي يحتل الأردن موقعًا محوريًا في أنشطتها. كما أن خروج الإمارات من منظمة أوبك منحها وضعًا أكثر استقلالية.
وتسهم هذه التحولات مجتمعة في تعزيز حالة عدم اليقين في المنطقة، وسط مخاوف ملحوظة تجاه قطر بسبب الدور الذي تؤديه في تمويل حماس وقناة الجزيرة.
أما السعودية، التي ترى نفسها قوة إقليمية رئيسية في غرب آسيا، فقد شهد موقفها تغيرًا خلال مسار الأزمة. وعلى الصعيد الداخلي، لا يزال تنفيذ «رؤية السعودية 2030» دون مستوى التوقعات، بينما تسعى الرياض إقليميًا إلى بناء علاقات وشراكات جديدة مع دول مثل قطر وباكستان ومصر.
وعلى الرغم من الصورة الإيجابية التي تقدمها بعض وسائل الإعلام الغربية، فإن باكستان، في دورها كوسيط للسلام، تبدو بوضوح وكأنها تسعى إلى استغلال الاضطرابات لتحقيق مكاسب خاصة.
وبعد تذكيرها بضرورة الالتزام باتفاقية الدفاع المبرمة مع السعودية، دفعت القيادة العسكرية في روالبندي بفرقة عسكرية وسرب من المقاتلات إلى الرياض. وإضافة إلى ذلك، كانت باكستان قد نشرت قوات في قطر، وأصبح لها الآن وجود عسكري في اليمن أيضًا.
وقد تكون هذه التحركات ضارة بباكستان نفسها، بالنظر إلى هشاشة وضعها الأمني الداخلي؛ إذ أسفر هجوم وقع في جوادر في 3 يوليو 2026 عن مقتل 30 من أفراد خفر السواحل الباكستاني، بالتزامن مع تجدد التوترات على الحدود مع أفغانستان بصورة شبه أسبوعية، فضلًا عن الاحتجاجات في الشطر الخاضع للإدارة الباكستانية من كشمير.
وباتت دول الخليج اليوم أمام معضلة معقدة. فمجلس التعاون الخليجي، الذي تأسس عام 1981، مرشح للعمل بأقل من قدراته المثلى نتيجة الخلافات الداخلية بين دوله الأعضاء، كما أن خروج الإمارات من منظمة أوبك لم يسهم في تحسين الوضع.
وفي الوقت ذاته، تبددت التوقعات بأن تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من تحييد إيران. وأصبحت الدول الخليجية التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، والتي تتعرض للاستهداف الإيراني بصورة يومية، أمام معضلة تتعلق بكيفية النظر إلى تحالفاتها مع واشنطن وإدارتها.
كما تلاشت الآمال في انضمام مزيد من دول غرب آسيا إلى «اتفاقيات أبراهام»، ومعها تراجعت فرص تفعيل المشروع الطموح للممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا «IMEC»، الذي كان من المفترض أن يقدم مسارًا بديلًا للربط الاقتصادي في مواجهة مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.
كذلك تعرض الاتفاق السعودي-الإيراني، الذي أُبرم بوساطة صينية عام 2023، لضربة قوية بفعل الأزمة الأخيرة، فيما تزيد التفاعلات والخلافات الداخلية بين دول مجلس التعاون الخليجي المشهد تعقيدًا.
ومع امتلاك إيران قدرة فعلية على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وباب المندب من خلال وكلائها، فقد يكون من العملي لدول غرب آسيا أن تعيد النظر في طبيعة علاقاتها مع طهران وتسعى إلى بناء علاقات أفضل معها. فوكلاء إيران في المنطقة ليس لديهم الكثير ليخسروه من إبقاء غرب آسيا في حالة دائمة من التوتر والاضطراب.
نقلا عن: Gateway House
