مسارات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط: تحولات متسارعة وإشكالية غياب الترتيبات الجماعية
أولاً: السياق العام
شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التطورات السياسية والأمنية التي أعادت طرح سؤال مستقبل الأمن الإقليمي في المنطقة. وتأتي هذه التطورات في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، حيث تداخلت الصراعات المحلية مع التحولات في النظام الدولي.
فعلى المستوى الإقليمي، أسهمت أحداث مثل حرب غزة في أكتوبر 2023، والتصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل فيما عُرف بحرب الأيام الاثني عشر، في إعادة تشكيل أولويات الأمن الإقليمي وإعادة فتح النقاش حول طبيعة التهديدات التي تواجه المنطقة. أما على المستوى الدولي، فقد انعكست تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية على البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، سواء من حيث التوازنات الجيوسياسية أو أنماط التحالفات الدولية.
تشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن المنطقة تمر بمرحلة تحول قد تتضح ملامحها بشكل أكبر خلال الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين. غير أن فهم هذه التحولات يظل مرتبطاً بتحليل الدروس المستفادة من تاريخ التفاعلات الأمنية الجماعية في الشرق الأوسط.
ثانياً: إشكالية غياب الأمن الجماعي في الشرق الأوسط
تُعد منطقة الشرق الأوسط من الأقاليم التي تعاني منذ عقود طويلة من غياب إطار فعال للأمن الإقليمي، وهو ما تشير إليه بعض الأدبيات بمفهوم العجز الأمني (Security Deficit). ويُلاحظ أن المنطقة لم تنجح، على خلاف أقاليم أخرى في العالم، في تطوير ترتيبات مؤسسية قادرة على إدارة التهديدات المشتركة أو تنظيم التفاعلات الأمنية بين دولها.
ويمكن تفسير هذه الظاهرة في ضوء نظرية مركب الأمن الإقليمي التي طورها الباحث باري بوزان، والتي تفترض أن قيام نظام للأمن الجماعي يتطلب وجود حد أدنى من التصورات المشتركة لدى الدول حول مصادر التهديد ومستوى التعاون الأمني المقبول بينها. غير أن تحليل تاريخ التفاعلات الأمنية في الشرق الأوسط يشير إلى غياب هذا الحد الأدنى من التوافق.
ثالثاً: ملامح الثقافة الأمنية السائدة في المنطقة
يمكن تفسير تعثر بناء ترتيبات أمنية إقليمية في الشرق الأوسط من خلال تحليل الثقافة الأمنية السائدة في المنطقة، والتي تبلورت تدريجياً منذ منتصف القرن العشرين. ويمكن تحديد ثلاثة أبعاد رئيسية لهذه الثقافة.
1. غياب التصورات المشتركة للتهديدات
تعاني دول المنطقة من تباين واضح في تعريف مصادر التهديد لأمنها القومي، وهو ما يضعف ما يُعرف بـ«المركب الأمني الإقليمي». فالتصورات الأمنية للدول لا تتقاطع بالضرورة، بل تتباين وفقاً لاعتبارات سياسية واقتصادية واستراتيجية. ويبرز مثال التحولات في المواقف تجاه إسرائيل بعد توقيع اتفاقات إبراهام مقارنة بالفترة السابقة عليها، كدليل على تغير هذه التصورات.
2. مركزية القوة العسكرية في تحقيق الأمن
لا تزال الأداة العسكرية تمثل الركيزة الأساسية لتحقيق الأمن في المنطقة. وقد انعكس ذلك في التوسع الملحوظ لدول الشرق الأوسط في تطوير قدراتها العسكرية، سواء عبر صفقات التسلح الضخمة أو عبر تنمية الصناعات العسكرية المحلية بالشراكة مع قوى دولية. وفي الوقت نفسه، بدأت دول المنطقة في الاهتمام بأبعاد أمنية غير تقليدية، مثل أمن الطاقة والأمن الغذائي والسيطرة على التقنيات المتقدمة وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.
3. ضعف الثقة في الأطر الأمنية العربية
تظل مسألة الثقة أحد أبرز التحديات التي تعوق تطوير ترتيبات أمنية جماعية في المنطقة. فالتنافس السياسي والصراعات البينية بين الدول العربية، إلى جانب اختلال موازين القوى بينها، أدى إلى تراجع فاعلية المؤسسات الأمنية الإقليمية القائمة، وفي مقدمتها الآليات الأمنية المنبثقة عن جامعة الدول العربية.
رابعاً: القضايا المؤثرة على مستقبل الأمن الإقليمي
في ضوء هذه المعطيات، تبرز مجموعة من القضايا الرئيسية التي ستؤثر في مستقبل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
أولاً، التحولات في مفاهيم العداء والتحالف داخل المنطقة، والتي تعيد تشكيل شبكات العلاقات بين الدول وتؤثر في أنماط التعاون والصراع.
ثانياً، استمرار مركزية القوة العسكرية في إدارة التفاعلات الإقليمية، في ظل بيئة أمنية تتسم بارتفاع مستويات التسلح والتنافس الاستراتيجي.
ثالثاً، تصاعد أهمية الطاقة والتكنولوجيا، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، باعتبارها عوامل مؤثرة في موازين القوة الإقليمية.
رابعاً، دور القوى غير العربية مثل إيران وتركيا وإسرائيل، التي تمثل فاعلين أساسيين في معادلة الأمن الإقليمي وتؤثر بشكل مباشر في تفاعلات المنطقة.
خامساً، تزايد تأثير دول الخليج في تشكيل مستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط، سواء عبر سياساتها الدفاعية أو عبر دورها الاقتصادي والتكنولوجي المتنامي.
خامساً: دلالات واستشراف
تشير هذه المعطيات إلى أن مستقبل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط سيظل مرهوناً بقدرة دول المنطقة على تجاوز معضلة غياب التصورات المشتركة للتهديدات. فبدون حد أدنى من التوافق الاستراتيجي بين الدول الرئيسية، سيظل من الصعب إنشاء نظام إقليمي قادر على إدارة الأزمات أو منع التصعيد.
وفي الوقت نفسه، فإن التحولات الجارية في البيئة الدولية، إلى جانب صعود قضايا جديدة مثل التكنولوجيا المتقدمة وأمن الطاقة، قد تفتح المجال أمام أنماط جديدة من التعاون الإقليمي، حتى وإن لم تصل إلى مستوى نظام أمن جماعي متكامل.
خاتمة
بناءً على ما سبق، يبدو أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة إعادة تشكيل للتفاعلات الأمنية الإقليمية. ومع استمرار التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية، سيظل مستقبل الأمن في المنطقة مفتوحاً على عدة سيناريوهات، تتراوح بين استمرار حالة العجز الأمني، أو ظهور ترتيبات أمنية مرنة قائمة على تحالفات جزئية ومؤقتة بدلاً من نظام جماعي شامل.
