مستقبل المعارضة الكردية واختبار السيادة العراقية

تقدير موقف - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

تثير التقارير المتعلقة بالتوصل إلى تفاهم عراقي إيراني بشأن نقل أعضاء جماعات المعارضة الكردية الإيرانية من إقليم كردستان العراق تساؤلات بشأن مستقبل هذه الجماعات، وحدود استقلالية القرار الأمني العراقي، واستمرار النفوذ الإيراني في المعادلات السياسية والأمنية داخل العراق. وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في ظل تراجع حدة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، واستكمال انسحاب القوات الأمريكية من العراق في سبتمبر، وفقًا للتقرير، بما يفتح المجال أمام إعادة تقييم موازين القوى الإقليمية وانعكاساتها على السياسات الأمنية لبغداد وطهران.

ولا يقتصر جوهر المسألة على مستقبل جماعات المعارضة الكردية الإيرانية التي تتمركز في شمال العراق منذ عقود، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين البلدين، وحدود التعاون الأمني المشروع بينهما، ومدى قدرة المؤسسات العراقية على اتخاذ قرارات مستقلة تراعي السيادة الوطنية والالتزامات الدستورية والقانونية، دون أن تتحول إلى أداة لمعالجة الخلافات السياسية الداخلية لدولة أخرى.

وبحسب تقارير متداولة، فقد توصل مسؤولون عراقيون وإيرانيون أخيرًا إلى اتفاق يقضي بنقل أعضاء جماعات المعارضة الكردية الإيرانية من إقليم كردستان، وهو ما أكد عليه السفير الإيراني لدى العراق، محمد كاظم آل صادق، حيث صرح بأن البلدين اتفقا على طرد الجماعات التي تصفها طهران بأنها "إرهابية انفصالية"، أو تسليم أعضائها إلى إيران.

في المقابل، أكد مسؤولون عراقيون انعقاد الاجتماع بمشاركة ممثلين عن حكومة إقليم كردستان، لكنهم لم يعلنوا التوصل إلى اتفاق بشأن طرد أعضاء هذه الجماعات أو تسليمهم. وأوضح جهاز مستشارية الأمن القومي العراقي أن المناقشات، التي ترأسها مستشار الأمن القومي قاسم الأعبودي، ركزت على معالجة المسائل العالقة في إطار الاتفاق الأمني الثنائي بين البلدين.

هذا التباين في الروايات يكشف عن حساسية الملف، فضلًا عن اختلاف محتمل في تفسير مخرجات المحادثات أو في طريقة عرضها سياسيًا. فبينما تقدم الرواية الإيرانية التفاهم باعتباره خطوة نحو إنهاء وجود جماعات المعارضة على الأراضي العراقية، تلتزم الرواية العراقية المعلنة بصياغة أكثر تحفظًا، لا تؤكد اتخاذ قرار بالطرد أو التسليم.

ومن ثم، لا يمكن اعتبار الإعلان الإيراني دليلًا كافيًا على أن بغداد وافقت نهائيًا على تسليم أعضاء المعارضة إلى طهران. كما أن تأكيد انعقاد الاجتماع ومناقشة الاتفاق الأمني لا يحسم طبيعة الإجراءات التي قد تتخذها السلطات العراقية لاحقًا. وتظل معرفة مضمون التفاهم الفعلي، وحدود الالتزامات المتبادلة، والآليات التنفيذية المحتملة، عناصر ضرورية لتقييم المسار الذي قد يتخذه الملف. إذ تستند حساسية القضية إلى الوجود الممتد لجماعات المعارضة الكردية الإيرانية في شمال العراق، ولا سيما في المناطق الواقعة ضمن إقليم كردستان. وتعتبر طهران هذه الجماعات مصدر تهديد أمني، في حين ترى بعض أطراف المعارضة أن نشاطها السياسي يتركز في المناطق الكردية داخل إيران.

وفي هذا السياق، قال هزار بارنجي، ممثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في الولايات المتحدة، إن الحزب لم يتلقَّ أي إخطار رسمي بشأن قرار بنقل أعضائه، سواء من الحكومة الاتحادية العراقية أو من حكومة إقليم كردستان. وأكد احترام الحزب للسيادة العراقية والقانون الدولي، مشيرًا إلى أن أنشطته السياسية الأساسية تظل موجهة نحو كردستان إيران.

وتسلط هذه التصريحات الضوء على الفجوة بين ما تعلنه طهران بشأن التفاهمات الأمنية وما تؤكده الأطراف المعنية مباشرة بمستقبل جماعات المعارضة. كما تشير إلى أن الانتقال من التفاهمات السياسية إلى إجراءات تنفيذية قد يواجه تعقيدات تتعلق بموقف الحكومة الاتحادية، ودور حكومة الإقليم، وطبيعة الترتيبات الأمنية القائمة.

هنا ينبغي التمييز بين معالجة المخاوف الأمنية المرتبطة بالأنشطة المسلحة العابرة للحدود وبين اتخاذ إجراءات تمس الوضع القانوني للأفراد والجماعات الموجودة في العراق. فالتعاون الأمني بين الدول لا يلغي ضرورة تحديد المسؤوليات القانونية، أو مراعاة الإجراءات الواجبة، أو تقييم المخاطر التي قد يتعرض لها الأشخاص في حال نقلهم قسرًا إلى دولة أخرى.

هنا تثار إشكالية النفوذ الإيراني وحدود استقلالية القرار العراقي، حيث يمثل الملف اختبارًا أوسع لقدرة بغداد على الموازنة بين متطلبات العلاقة مع إيران والحفاظ على استقلالية القرار الوطني. فعلى الرغم من الجهود الأمريكية الرامية إلى الحد من النفوذ الإيراني الإقليمي، يرى منتقدون أن طهران ما زالت تمتلك أدوات تأثير مهمة داخل العراق، من بينها علاقاتها بفصائل مسلحة وقوى سياسية.

وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل تغير الوجود العسكري الأمريكي، فانسحاب القوات الأمريكية لا يعني بالضرورة زوال التنافس الإقليمي أو انتهاء تأثير القوى الخارجية في العراق، بل قد يثير تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة التوازنات الأمنية والسياسية باستقلالية أكبر.

وعليه، فإن المعيار الأساسي لقياس استقلالية القرار العراقي لا يتمثل في اتخاذ موقف متشدد تجاه إيران أو غيرها من القوى الخارجية، وإنما في قدرة مؤسسات الدولة على صياغة قراراتها وفقًا للمصلحة الوطنية، وفي إطار الدستور والقانون، وبما يضمن خضوع جميع القوى المسلحة للسلطة الرسمية.

هنا لا تخلو حسابات إيران من المخاوف لاسيما مع اتساع نفوذ المعارضة الكردية حيث تخشى طهران احتمال اتساع قاعدة الدعم الشعبي للحركات الكردية المعارضة داخل إيران، بما قد يحولها إلى تحدٍّ سياسي أكثر تأثيرًا، مايعني تداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية والداخلية. فوجود جماعات معارضة خارج الحدود قد يمنحها مساحة للحركة والتنظيم والتواصل، وهو ما قد يدفع الدولة المعنية إلى السعي لتقييد نشاطها عبر تفاهمات أمنية مع الدول المضيفة.

لكن تقييم هذه المخاوف يظل مرتبطًا بمدى طبيعة أنشطة تلك الجماعات، والأدلة المتاحة بشأن التهديدات التي تمثلها، والتمييز بين العمل السياسي والأنشطة المسلحة. وبالتالي، فإن فهم الموقف الإيراني يتطلب النظر إلى الملف باعتباره جزءًا من أوسع معادلة تتعلق بأمن الحدود، وإدارة المعارضة في الخارج، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وليس باعتباره مسألة عسكرية منفصلة عن السياق السياسي.

جانب يفرض نفسه، وهو الإشكالية القانونية والإنسانية التي يطرحها تسليم أعضاءجماعات المعارضة الإيرانية لاسيما فيما يخص حقوقهم وسلامتهم في حالة تعرضهم لخطر الاضطهاد أو المعاملة التي حقوقهم الأساسية، الأمر الذي يفرض أن تستند أية إجراءات تتعلق بنقلهم أو تسليمهم إلى تقييم قانوني واضح، وإلى الالتزامات الدولية ذات الصلة، مع مراعاة الضمانات والإجراءات الواجبة. وهو ما يعني ضرورة التوفيق بين حق الدولة في حماية أمنها، واحترام سيادة الدولة المضيفة، والالتزام بالقواعد القانونية التي تحكم التعامل مع الجماعات والأفراد الموجودين على أراضيها.

وفي هذا السياق، يصبح التعامل مع جماعات المعارضة الكردية الإيرانية مؤشرًا على كيفية ترجمة العراق لمفهوم السيادة إلى ممارسات عملية. فإذا اتخذت بغداد قراراتها استنادًا إلى إجراءات قانونية واضحة وتنسيق مؤسسي بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، فقد تتمكن من احتواء الضغوط الخارجية مع الحفاظ على التزاماتها الوطنية والدولية. أما إذا غلبت الاعتبارات السياسية الآنية على الضمانات القانونية، فقد تتسع المخاوف بشأن استقلالية القرار العراقي ومصداقية مؤسساته.

بشكل عام، تكشف التطورات المتعلقة بالتفاهم العراقي الإيراني بشأن جماعات المعارضة الكردية عن تداخل معقد بين الأمن الإقليمي، والنفوذ السياسي، والسيادة الوطنية، والالتزامات القانونية والإنسانية. وبينما تسعى طهران إلى معالجة ما تعتبره تهديدًا أمنيًا صادرًا عن جماعات معارضة تتمركز في شمال العراق، تواجه بغداد تحديًا يتمثل في إدارة العلاقة مع إيران دون التفريط في استقلالية قرارها أو تجاوز مسؤولياتها القانونية.

وبناءً على ذلك، ستتوقف دلالات هذه التطورات على طبيعة التفاهمات التي جرى التوصل إليها فعلًا، ومدى انتقالها إلى إجراءات عملية، والضمانات القانونية المصاحبة لها. كما ستعكس طريقة تعامل بغداد مع الملف مدى قدرتها على التوفيق بين التعاون الأمني مع الجيران وحماية السيادة الوطنية وحقوق الأفراد.

وفي المحصلة، لا يتمثل التحدي أمام العراق في الاختيار بين التعاون مع إيران ورفضه، بل في وضع هذا التعاون ضمن إطار مؤسسي وقانوني واضح يضمن أن تكون القرارات الأمنية نابعة من المصلحة الوطنية العراقية، لا نتيجة ضغوط خارجية أو موازين قوة داخلية تتجاوز سلطة الدولة.