مسار إسطنبول وأمن البحر الأحمر: معضلة التهدئة والسيادة اليمنية

تقدير موقف - Foresight

في لحظة إقليمية تتسم بتداخل الأزمات وتعدد بؤر التوتر، تكتسب التحركات الدبلوماسية أهمية تتجاوز مضمون البيانات الرسمية التي تصدر عنها، لتطرح تساؤلات أوسع بشأن طبيعة الترتيبات الأمنية التي تسعى القوى الإقليمية والدولية إلى بنائها، وحدود التوافق الممكن بين مصالحها المتباينة. وفي هذا السياق، جاء اجتماع وزراء خارجية تركيا ومصر وباكستان والسعودية، مع نظرائهم من فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، في إسطنبول يوم 23 أكتوبر، ليعكس اتجاهاً نحو تكثيف التشاور بشأن ملفات الأمن الإقليمي والممرات البحرية ومخاطر التصعيد العسكري.

وقد انعقد الاجتماع في ظل حساسية سياسية مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل والولايات المتحدة، وتزايد المخاوف من تجدد الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، إلى جانب تصاعد القلق بشأن أمن طرق الملاحة وسلاسل الإمداد، والتهديدات المرتبطة بهجمات الحوثيين على السعودية. وفي هذا المناخ، أكد البيان المشترك أهمية الحوار والدبلوماسية وخفض التصعيد، وأدان الهجمات الحوثية ضد السعودية والحكومة اليمنية، وشدد على حرية الملاحة وأمنها في مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأسود، كما دعا إلى التوصل إلى حلول تفاوضية ومستدامة، واتفق المشاركون على مواصلة الحوار بهذا المستوى.

غير أن الدلالة السياسية للتحرك لا تتحدد بمجرد توافق المشاركين على مبادئ عامة، بل ترتبط بما إذا كان هذا المسار قادراً على الانتقال من إدارة التوترات إلى معالجة مصادرها، ومن منع الانفجار العسكري إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر استدامة. وتبرز هنا معضلة أساسية: هل يشكل مسار إسطنبول مدخلاً لتنسيق إقليمي ودولي يحد من مخاطر الحرب، أم أنه قد يتحول، إذا اقتصر على التسويات الجزئية، إلى إطار لإعادة توزيع الأعباء الأمنية من دون معالجة جذور الصراعات؟

دبلوماسية خفض التصعيد وإشكالية التسويات الجزئية

يعكس اجتماع إسطنبول إدراكاً متزايداً بأن اتساع المواجهة الإقليمية قد يترتب عليه ثمن يتجاوز الأطراف المنخرطة فيها مباشرة. فالتصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لا يقتصر تأثيره على المنشآت العسكرية أو الملف النووي، بل يمتد إلى أمن الطاقة، وحركة التجارة الدولية، واستقرار أسواق النقل والتأمين، وقدرة الدول على حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

ومن هذا المنظور، تبدو الدبلوماسية أداة ضرورية لاحتواء المخاطر، ولا سيما في ظل تعدد ساحات المواجهة واحتمال انتقالها من مستوى إلى آخر. كما أن استعداد ألمانيا وفرنسا وبريطانيا للتفاوض مع إيران بشأن منعها من امتلاك سلاح نووي يعكس استمرار الرهان الأوروبي على الحلول التفاوضية في معالجة أحد أكثر الملفات حساسية في النظام الإقليمي.

لكن نجاح الدبلوماسية لا يُقاس بمجرد التوصل إلى تفاهم يوقف التصعيد مؤقتاً، وإنما بمدى قدرتها على معالجة العناصر التي قد تؤدي إلى تجدد الصراع. فالتسوية التي تركز على الملف النووي وحده، من دون التطرق إلى التهديدات المرتبطة بالملاحة البحرية أو استخدام القوى المسلحة الحليفة لإيران في النزاعات الإقليمية، قد تخفض مستوى التوتر في مسار محدد، لكنها لا تضمن بالضرورة معالجة المخاطر في المسارات الأخرى.

ومن الضروري هنا التمييز بين الوقائع والاحتمالات. فالبيان الصادر عن اجتماع إسطنبول لا يثبت التوصل إلى صفقة بشأن اليورانيوم المخصب أو تخفيف العقوبات أو اليمن. كما أن المقترحات المتداولة بشأن مصير مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب، بما فيها احتمالات نقله إلى روسيا، تظل جزءاً من نقاش دبلوماسي متغير، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها ترتيبات نهائية متفقاً عليها.

ومع ذلك، فإن احتمال ظهور تسويات متوازية في الملفات النووية والأمنية والإقليمية يثير سؤالاً استراتيجياً مشروعاً: هل يمكن فصل الملف النووي الإيراني عن بقية أدوات النفوذ الإقليمي، أم أن استدامة أي تفاهم تتطلب معالجة أوسع لمصادر التهديد المتبادل؟

تكمن أهمية هذا السؤال في أن التسويات الجزئية قد تحقق مكاسب عاجلة، لكنها قد تترك قضايا جوهرية معلقة، بما يجعل الاستقرار الناتج عنها هشاً وقابلاً للانتكاس. ولذلك، فإن التحدي لا يتمثل في رفض التفاوض، بل في تحديد نطاقه، وآليات التحقق من الالتزامات، والضمانات التي تحول دون استخدام الهدوء المؤقت لإعادة بناء القدرات التي قد تقود إلى مواجهة جديدة.

بين منع الحرب ومخاطر تكريس الأمر الواقع

لا تعني الدعوة إلى خفض التصعيد بالضرورة التساهل مع مصادر التهديد، كما أن التفاوض لا يمثل في حد ذاته تنازلاً سياسياً. غير أن الإشكالية تظهر عندما يصبح تجنب المواجهة العسكرية هدفاً منفصلاً عن معالجة الظروف التي أنتجت التوتر، أو عندما تؤدي التسوية إلى تثبيت أوضاع ميدانية نشأت بفعل استخدام القوة.

ومن هنا، يمكن الاستفادة من الدروس التاريخية المتعلقة بالتسويات التي لم تعالج جذور النزاعات، من دون إسقاط تجارب الماضي بصورة آلية على الحاضر. فالمقارنة بين السياسات المعاصرة وسياسة الاسترضاء الأوروبية في ثلاثينيات القرن العشرين تظل محدودة بطبيعة الاختلافات التاريخية والسياسية بين الحالات. لكن الدرس العام الذي يمكن استخلاصه هو أن التسوية لا تحقق استقراراً مستداماً إذا قامت على تجاهل مصالح الأطراف المتضررة، أو تركت مصادر الإكراه قائمة من دون رقابة أو قيود قابلة للتحقق.

وفي الحالة الراهنة، ينبغي تقييم أي تفاهم مع إيران وفق معايير عملية، تشمل مدى الالتزام بالتعهدات النووية، واحترام سيادة الدول المجاورة، والحد من التهديدات للملاحة الدولية، ووجود آليات موثوقة لمراقبة التنفيذ والتعامل مع الخروقات. ولا يقل عن ذلك أهمية النظر في قدرة أي اتفاق على تقليص مخاطر التصعيد في ساحات النزاع المرتبطة بالتنافس الإقليمي.

غير أن توسيع نطاق التفاوض ليشمل جميع القضايا الإقليمية قد يواجه بدوره عقبات كبيرة، لأن الأطراف المعنية تختلف في تعريفها للتهديدات وفي تصورها للأمن القومي. ولذلك، قد يكون النهج الأكثر قابلية للتطبيق هو بناء ترتيبات تدريجية ومترابطة، تحدد الالتزامات بوضوح، وتتيح التحقق منها، وتربط التقدم في التهدئة بإجراءات ملموسة، مع عدم افتراض أن التفاهم في ملف واحد سيؤدي تلقائياً إلى تسوية بقية الملفات.

اليمن في المعادلة الإقليمية: حضور في البيان وغياب عن طاولة التفاوض

يبرز الملف اليمني بوصفه أحد أهم الاختبارات العملية لجدية المسار الدبلوماسي الذي انطلق من إسطنبول. فقد أدان البيان المشترك هجمات الحوثيين ضد السعودية والحكومة اليمنية، وأشار بذلك إلى وجود صلة مباشرة بين أمن السعودية واستقرار اليمن. ومع ذلك، لم تكن الحكومة اليمنية ضمن الدول الثماني المشاركة في الاجتماع.

وهنا تظهر فجوة سياسية بين الاعتراف بمصالح دولة ما في البيانات الدبلوماسية، وبين مشاركتها الفعلية في صياغة الترتيبات التي تمس أمنها وسيادتها ومستقبلها السياسي. فاليمن ليس مجرد ساحة تتقاطع فيها المصالح السعودية والإيرانية، ولا ينبغي اختزال أزمته في معادلة أمنية ثنائية بين الرياض والحوثيين. إنه دولة ذات سيادة، وله حكومة معترف بها ومصالح وطنية تتصل بأمن أراضيه وسواحله ومياهه الإقليمية ومستقبله المؤسسي.

وتزداد أهمية هذه المسألة إذا تحول اجتماع إسطنبول إلى مسار دوري للحوار حول الأمن الإقليمي. فاستمرار التشاور بين القوى الإقليمية والأوروبية قد يتيح بناء تفاهمات بشأن أمن البحر الأحمر وباب المندب، لكنه سيظل ناقصاً إذا لم يضمن مشاركة يمنية مؤثرة في القرارات المتعلقة بالممرات البحرية والساحل الغربي.

ولا تتعلق المشاركة اليمنية بمجرد الاعتبارات البروتوكولية، بل بمبدأ سياسي أساسي: لا يمكن بناء ترتيبات مستدامة لأمن دولة من دون إشراك مؤسساتها الشرعية في تحديد الأولويات والالتزامات. كما أن استبعاد اليمن، أو التعامل معه باعتباره ملفاً تابعاً لتفاهمات القوى الإقليمية، قد يؤدي إلى إنتاج حلول تخفف المخاطر الخارجية مؤقتاً، لكنها لا تعالج أزمة السلطة والسلاح داخل الدولة اليمنية.

ومن ثم، فإن إدماج الحكومة اليمنية في أي حوار مستقبلي بشأن الملاحة والأمن البحري ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره شرطاً لتعزيز شرعية الترتيبات المقترحة، لا مجرد مطلب سياسي إضافي.

الساحل الغربي وباب المندب: من الجغرافيا إلى النفوذ الاستراتيجي

يمثل الساحل الغربي لليمن إحدى النقاط المحورية التي يتقاطع عندها الصراع الداخلي مع الأمن الإقليمي والدولي. فموقع اليمن على البحر الأحمر، وإشرافه على أحد أهم الممرات البحرية المؤدية إلى خليج عدن والمحيط الهندي، يمنح السيطرة على الساحل والموانئ والمناطق المحيطة به أبعاداً تتجاوز حدود النزاع اليمني.

وتنبع أهمية باب المندب من كونه جزءاً من شبكة مترابطة لحركة التجارة والطاقة والاتصالات البحرية. وأي اضطراب مستمر في هذا الممر يمكن أن يؤثر في تكاليف النقل والتأمين، ويزيد من المخاطر التي تواجه السفن التجارية، ويدفع الشركات والدول إلى إعادة تقييم مسارات الإمداد. وبذلك، يتحول أمن الملاحة من مسألة بحرية محدودة إلى عنصر مؤثر في الاستقرار الاقتصادي والاستراتيجي الدولي.

وفي هذا السياق، يبرز احتمال أن يتزامن أي تفاهم أمريكي إيراني مع مسار موازٍ لخفض التصعيد بين السعودية والحوثيين. وقد يؤدي مثل هذا السيناريو إلى وقف الهجمات لفترة معينة، لكنه قد يترك موازين السيطرة على الأرض، ولا سيما في أجزاء من الساحل الغربي، من دون تغيير جوهري. وينبغي التأكيد أن هذا احتمال تحليلي، وليس دليلاً على وجود اتفاق قائم بين الأطراف بشأن مستقبل السيطرة في اليمن.

وتكمن الإشكالية في أن وقف الهجمات، على أهميته الإنسانية والأمنية، لا يساوي بالضرورة إنهاء مصادر التهديد. فإذا استمرت القدرات العسكرية وشبكات الإمداد والتمويل غير المشروع من دون معالجة، فقد يتحول وقف إطلاق النار إلى تجميد للصراع بدلاً من أن يكون مدخلاً إلى تسويته.

ومع ذلك، فإن استعادة سلطة الدولة على الساحل الغربي لا ينبغي أن تُطرح بمعزل عن الاعتبارات الإنسانية والاقتصادية. فتعزيز الرقابة على المنافذ البحرية يجب أن يستهدف منع تهريب الأسلحة والإمدادات العسكرية غير المشروعة وتعطيل الشبكات التي تمول العنف، مع الحفاظ على تدفق المساعدات الإنسانية والتجارة القانونية. وأي مقاربة لا تميز بين النشاط غير المشروع والحركة المدنية المشروعة قد تزيد من معاناة السكان وتضعف فرص الاستقرار.

وعليه، فإن معالجة أزمة الساحل الغربي تتطلب تصوراً متكاملاً يجمع بين استعادة مؤسسات الدولة، وتعزيز القدرات الأمنية المشروعة، وضبط المنافذ، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والإنسانية. فالأمن البحري لا يمكن ضمانه على المدى الطويل من خلال الإجراءات العسكرية وحدها، كما لا يمكن فصله عن طبيعة السلطة القائمة على الساحل وقدرتها على ممارسة مسؤولياتها السيادية.

حدود الدعم الإقليمي ومعضلة الاعتماد على الخارج

تكشف النقاشات المرتبطة بأمن السعودية واليمن عن مسألة أوسع تتعلق بحدود الدعم الإقليمي والدولي، والفرق بين إبداء التضامن السياسي والالتزام العملي بتحمل الأعباء الأمنية. فقد أشارت تصريحات تركية إلى إمكان دعم السعودية في إطار الردع، مع استبعاد الانخراط المباشر في القتال ضد الحوثيين.

وتوضح هذه الإشارات أن المواقف السياسية لا تعني بالضرورة وجود التزام دفاعي جماعي، أو خطة عملياتية مشتركة، أو توافق على استخدام القوة في ظروف محددة. فالدول قد تتفق على أهمية حماية الملاحة، لكنها تختلف بشأن الأدوات المناسبة لتحقيق ذلك، وحدود المخاطر التي يمكن أن تتحملها، والتكاليف السياسية والعسكرية المترتبة على التدخل.

وبالنسبة إلى اليمن، فإن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية لحماية السواحل والممرات البحرية قد يخلق فجوة بين المصالح المعلنة والقدرات الفعلية. فحتى عندما تتوافر إرادة دولية لحماية الملاحة، تظل استدامة الأمن مرتبطة بوجود مؤسسات وطنية قادرة على إدارة المنافذ، ومراقبة المياه الإقليمية، ومكافحة التهريب، وفرض القانون.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التعاون الدولي، إذ قد يكون ضرورياً لتوفير المعلومات والتدريب والتقنيات والقدرات البحرية التي يصعب على دولة تعاني نزاعاً ممتداً توفيرها بمفردها. لكن هذا التعاون يكون أكثر فاعلية عندما يعزز مؤسسات الدولة ولا يحل محلها، وعندما يدعم بناء قدرة وطنية مستدامة بدلاً من إنشاء ترتيبات أمنية مؤقتة تظل مرهونة بتغير أولويات القوى الخارجية.

ومن ثم، فإن التحدي يتمثل في بناء شراكة أمنية توازن بين الدعم الخارجي والمسؤولية الوطنية، وتضمن ألا تتحول حماية الممرات البحرية إلى ذريعة لتجاوز السيادة اليمنية أو تأجيل معالجة الاختلالات الداخلية التي تغذي النزاع.

أمن الملاحة في عصر الترابط الاستراتيجي

لم يعد أمن الممرات البحرية مقتصراً على حماية ناقلات النفط والسفن التجارية، بل أصبح جزءاً من منظومة أوسع تشمل البنية التحتية الرقمية، وكابلات الاتصالات البحرية، وشبكات الطاقة، والموانئ، وسلاسل التوريد العالمية. ويعني ذلك أن أي اضطراب في الممرات البحرية قد تكون له تداعيات على التجارة والاتصالات وتدفق البيانات، وليس على نقل السلع وحده.

ويفرض هذا الترابط على الدول المعنية إعادة النظر في مفهوم الأمن البحري، بحيث لا يقتصر على الرد على الهجمات بعد وقوعها، بل يشمل بناء القدرة على الصمود، وتنويع المسارات، وتطوير بدائل لوجستية، وتعزيز التعاون في حماية البنية التحتية الحيوية. كما أن تنويع طرق النقل والاتصال يمكن أن يقلل من الاعتماد المفرط على ممر واحد، ويحد من قدرة أي طرف على تحويل الموقع الجغرافي إلى أداة ضغط سياسي.

وفي هذا الإطار، تستحق مقترحات إنشاء روابط برية وممرات بديلة، ومنها المبادرات المشار إليها باسم «أسترا» (ASTRA)، الدراسة ضمن رؤية أوسع لشبكات النقل والتجارة الإقليمية. غير أن تقييم هذه المقترحات يتطلب النظر في جدواها الاقتصادية، وتكاليفها، ومتطلبات أمنها، ومدى قابليتها للتنفيذ، فضلاً عن آثارها على الدول والمجتمعات التي تمر عبرها.

والأهم أن تطوير طرق بديلة لا يمكن أن يكون بديلاً عن معالجة جذور الأزمة اليمنية أو استعادة قدرة الدولة على إدارة سواحلها. فتنويع الممرات قد يقلل بعض المخاطر التجارية، لكنه لا يحل المشكلة السياسية والأمنية التي تنشأ عندما تصبح منطقة ساحلية استراتيجية خارج السيطرة الفعلية للمؤسسات الوطنية.

نحو مقاربة أمنية متكاملة تربط التهدئة بالسيادة

تطرح التطورات المرتبطة باجتماع إسطنبول الحاجة إلى الانتقال من مفهوم خفض التصعيد بوصفه غاية منفصلة إلى اعتباره مرحلة ضمن مسار أوسع لبناء الأمن الإقليمي. ويتطلب ذلك الربط بين التهدئة السياسية والالتزامات القابلة للتحقق، وبين حماية الملاحة واحترام السيادة، وبين الترتيبات الأمنية المؤقتة وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

ويمكن أن تقوم هذه المقاربة على مجموعة من المبادئ المتكاملة:

أولاً، وضع معايير واضحة لوقف الهجمات التي تستهدف الدول والملاحة الدولية، مع تطوير آليات مستقلة وموثوقة للتحقق من الالتزام، وتحديد إجراءات التعامل مع الخروقات.

ثانياً، إشراك الحكومة اليمنية بصورة مؤسسية في أي مشاورات تتعلق بأمن البحر الأحمر وباب المندب والساحل الغربي، بما يضمن حضور المصالح اليمنية في صياغة الترتيبات الإقليمية.

ثالثاً، دعم مؤسسات الدولة اليمنية في استعادة وظائفها الأمنية والعسكرية، وتعزيز قدرتها على إدارة الموانئ والسواحل ومكافحة التهريب، مع مراعاة الاحتياجات الإنسانية وحرية التجارة المشروعة.

رابعاً، عدم اختزال الأزمة اليمنية في بعدها البحري أو في التنافس بين القوى الإقليمية، بل التعامل معها باعتبارها أزمة دولة وسلطة واحتكار مشروع لاستخدام القوة، تتطلب تسوية سياسية أوسع.

خامساً، ربط أي تفاهمات إقليمية بمؤشرات عملية قابلة للقياس، بدلاً من الاكتفاء بالبيانات العامة بشأن الحوار والسلام. ويمكن أن تشمل هذه المؤشرات تراجع الهجمات، وتحسن أمن الملاحة، ووقف تدفق الأسلحة غير المشروعة، وتوسيع المشاركة اليمنية في ترتيبات الأمن البحري.

سادساً، تطوير التعاون الدولي في حماية البنية التحتية البحرية والرقمية، وتنويع مسارات التجارة والإمداد، مع ضمان ألا تتحول البدائل الاقتصادية إلى وسيلة لتجاوز الدول المعنية أو تهميش مصالحها السيادية.

إن هذه المبادئ لا تفترض أن الحل العسكري هو الطريق الوحيد لفرض الاستقرار، كما لا تفترض أن التسوية السياسية قادرة وحدها على معالجة المخاطر من دون ترتيبات تنفيذية. بل تقوم على فكرة أن الدبلوماسية تصبح أكثر فاعلية عندما تستند إلى التزامات محددة، وقدرات مؤسسية، وآليات رقابة، وتوزيع واضح للمسؤوليات.

خاتمة

يمثل اجتماع إسطنبول مؤشراً على اتساع الحاجة إلى التشاور بين القوى الإقليمية والأوروبية بشأن ملفات تتجاوز الحدود الوطنية، من البرنامج النووي الإيراني إلى أمن الطاقة والملاحة البحرية ومستقبل اليمن. غير أن أهمية هذا التحرك لا ينبغي أن تُقاس بمجرد توافق المشاركين على الدعوة إلى الحوار وخفض التصعيد، بل بمدى قدرته على إنتاج ترتيبات عملية تحد من مصادر التهديد وتمنع انتقال الأزمات من ساحة إلى أخرى.

وتظل المسألة اليمنية اختباراً رئيسياً في هذا السياق. فإدانة الهجمات الحوثية والاعتراف بأهمية أمن الملاحة يمثلان موقفاً سياسياً مهماً، لكنهما لا يغنيان عن إشراك الحكومة اليمنية في صياغة القرارات التي تمس سواحلها ومياهها الإقليمية، ولا عن معالجة الاختلالات التي تحول دون ممارسة الدولة وظائفها السيادية.

كذلك، فإن أي تفاهم محتمل بشأن الملف النووي الإيراني ينبغي تقييمه وفق مضمونه وآليات تنفيذه وآثاره الإقليمية الفعلية، لا وفق الافتراضات المتعلقة بوجود صفقات غير معلنة. فالتفاوض قد يفتح المجال أمام خفض المخاطر، لكنه لا يضمن وحده استقراراً مستداماً ما لم تقترن الالتزامات بإجراءات قابلة للتحقق ومعالجة واقعية لمصادر التوتر.

في المحصلة، لا تكمن المعضلة في الاختيار بين الحرب والسلام، بل في طبيعة السلام المراد بناؤه: هل هو تهدئة مؤقتة تُبقي أدوات الضغط والصراع قائمة، أم مسار تدريجي يعالج التهديدات، ويعزز مؤسسات الدولة، ويحمي المصالح المشروعة للدول المعنية؟ إن نجاح مسار إسطنبول سيعتمد على قدرته على تحويل الحوار إلى التزامات عملية، وعلى ألا تتحول ترتيبات الأمن الإقليمي إلى صفقات تُصاغ بين القوى الكبرى والإقليمية بينما تبقى الدول الأكثر تأثراً بها خارج دائرة القرار.

فأمن باب المندب لا ينفصل عن سيادة اليمن، واستقرار البحر الأحمر لا يتحقق بصورة مستدامة من دون معالجة أسباب النزاع على ضفافه. وأي تهدئة لا تضع هذه العلاقة في صلب حساباتها قد تؤجل الأزمة، لكنها لا تضمن تجاوزها.