سوريا بين أنقرة وتل أبيب: هل يتحول صراع النفوذ إلى مواجهة عسكرية؟

تحليلات - Foresight

لم تكن الضربة الإسرائيلية الأخيرة على قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال سوريا مجرد عملية عسكرية أخرى في سلسلة الضربات التي تنفذها إسرائيل داخل الأراضي السورية، وإنما تكشف عن تحول أكثر خطورة في طبيعة الصراع على سوريا الجديدة. فالموقع المستهدف، القريب من الحدود التركية، والملابسات السياسية والعسكرية المحيطة بالهجوم، ثم التحذير الأميركي غير المعتاد من احتمال أن يؤدي غياب التنسيق بين إسرائيل وتركيا إلى مواجهة مباشرة، كلها مؤشرات على أن التنافس بين أنقرة وتل أبيب بدأ ينتقل من مستوى الصراع على النفوذ إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بالانتشار العسكري وإدارة المجال الجوي وقواعد الاشتباك.

وتكتسب تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، والسفير الأميركي لدى تركيا، توم برّاك، أهمية خاصة في هذا السياق. فعندما يحذر مسؤول أميركي بهذا المستوى من أن دفع الطائرات إلى منطقة حدودية «دون إخطار ودون اتفاق» يمثل «لعبة خطيرة»، فإنه لا يعلق فقط على حادثة عسكرية بعينها، وإنما يعكس قلق واشنطن من نشوء بيئة عملياتية يمكن أن تجعل حادثاً تكتيكياً محدوداً نقطة انطلاق لتصعيد استراتيجي لا تريده أي من الأطراف. ولذلك فإن استدعاء برّاك لحادثة إسقاط تركيا طائرة روسية عام 2015 لم يكن مجرد تشبيه تاريخي، بل استحضاراً لسابقة تؤكد أن المجال الجوي السوري يمكن أن يتحول، في غياب قنوات اتصال فعالة، إلى مسرح لقرارات عسكرية سريعة تتجاوز الحسابات السياسية التي يفترض أن تضبطها.

المفارقة أن سوريا التي كانت خلال سنوات الحرب الأهلية ساحة للمواجهة بين النظام السوري والمعارضة والقوى الدولية والإقليمية، تتحول الآن إلى ساحة تنافس على شكل الدولة نفسها بعد سقوط نظام بشار الأسد. فقد أدى سقوط النظام إلى انهيار جزء كبير من البنية التي حكمت توزيع النفوذ الإقليمي داخل سوريا، وفتح المجال أمام إعادة ترتيب واسعة للأدوار. ومع تراجع النفوذ الإيراني وانحسار الدور الروسي مقارنة بما كان عليه خلال السنوات السابقة، برزت تركيا باعتبارها أحد أكثر الأطراف الخارجية قدرة على التأثير في مستقبل سوريا السياسي والأمني والعسكري، بينما تسعى إسرائيل إلى ضمان ألا تنتج عملية إعادة بناء الدولة السورية بيئة أمنية جديدة تراها تهديداً لمصالحها.

ومن هنا ينبغي فهم القلق الإسرائيلي من الحضور التركي في سوريا ضمن سياق أوسع من مجرد احتمال إقامة قاعدة عسكرية في أبو الظهور. فأنقرة لا تتعامل مع سوريا باعتبارها ملفاً حدودياً مؤقتاً، وإنما باعتبارها قضية ترتبط مباشرة بأمنها القومي وبالتوازن الإقليمي المحيط بها. وقد تطورت العلاقات العسكرية بين أنقرة ودمشق بصورة واضحة، بما في ذلك التعاون في التدريب والاستشارات والدعم الفني واللوجستيات والدفاع السيبراني ومجالات أخرى. كما بدأت تركيا في تدريب عسكريين سوريين داخل مؤسساتها العسكرية، بما يشير إلى أن الدور التركي لا يقتصر على تقديم دعم سياسي للحكومة السورية الجديدة، وإنما يمتد إلى المساهمة في إعادة بناء مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية.

وهذه النقطة هي التي تجعل الحساب الإسرائيلي أكثر تعقيداً. فالمشكلة بالنسبة إلى إسرائيل ليست بالضرورة وجود قوات تركية في قاعدة بعينها، وإنما احتمال أن تتشكل خلال السنوات المقبلة مؤسسة عسكرية سورية ترتبط بصورة وثيقة بتركيا. بمعنى آخر، فإن السؤال الإسرائيلي يتجاوز الحاضر إلى المستقبل: كيف سيكون الجيش السوري بعد سنوات إذا جرى تدريبه وتسليحه وتنظيمه في بيئة استراتيجية تركية؟ وهل يمكن أن تتحول سوريا الجديدة، التي كانت لسنوات ساحة للنفوذ الإيراني، إلى دولة ذات ارتباط أمني وعسكري وثيق بأنقرة؟

من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى السلوك الإسرائيلي باعتباره محاولة لمنع تشكل تهديد قبل اكتمال عناصره. وهذا المنطق ليس جديداً في الاستراتيجية الإسرائيلية؛ فقد استخدمت إسرائيل على مدى سنوات القوة العسكرية لمنع إيران وحزب الله من بناء بنية عسكرية متقدمة داخل سوريا. لكن تطبيق المنطق ذاته على تركيا يختلف بصورة جوهرية. فإيران كانت خصماً إقليمياً مباشراً، بينما تركيا دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك حدوداً مباشرة مع سوريا ومصالح أمن قومي مشروعة فيها. وبالتالي فإن الانتقال من ضرب وجود إيراني عسكري إلى ضرب بنية سورية يُعتقد أنها قد ترتبط مستقبلاً بتركيا يرفع بصورة كبيرة من مخاطر التصعيد.

وتزداد حساسية المسألة لأن المعلومات المتعلقة بوجود عسكري تركي في قاعدة أبو الظهور نفسها لم تكن حاسمة. فقد تحدثت تقارير عن زيارة وفد تركي للموقع قبل الضربة، بينما نفت أنقرة وجود وفد عسكري هناك، كما أكدت دمشق أنها أبلغت إسرائيل بعدم وجود خطط لإنشاء قاعدة تركية دائمة في الموقع. والأكثر دلالة أن تصريحات برّاك أشارت إلى أن الاستخبارات الأميركية لم تكن قد أكدت وجود عناصر عسكرية تركية في القاعدة. وإذا صح ذلك، فإن المسألة تتجاوز حادثة القصف إلى سؤال أكثر خطورة يتعلق بحدود استخدام القوة الإسرائيلية داخل سوريا: هل أصبحت إسرائيل مستعدة لاستهداف منشآت بناءً على احتمال وجود بنية عسكرية تركية مستقبلية، وليس استناداً إلى تهديد عسكري قائم بالفعل؟

إذا كان الأمر كذلك، فإن قواعد اللعبة تتغير. فهناك فارق استراتيجي كبير بين ضرب تهديد موجود وضرب احتمال لتهديد مستقبلي. الأول يمكن تبريره في إطار الردع والوقاية، أما الثاني فيوسع كثيراً مساحة التقدير الإسرائيلي لما يمكن اعتباره خطراً مشروعاً. وفي حالة تركيا، يمكن أن يؤدي هذا التوسع إلى وضع إسرائيل وتركيا في مسار تصادمي، خصوصاً إذا بدأت أنقرة في النظر إلى الضربات الإسرائيلية باعتبارها محاولة لمنعها من ممارسة نفوذها المشروع داخل سوريا.

ولذلك فإن الجزء الأكثر أهمية في التصريحات الأميركية ربما لا يتعلق بإدانة الضربة أو تأييدها، وإنما بمحاولة إنشاء آلية لمنع الاشتباك بين إسرائيل وتركيا وسوريا. فواشنطن تدرك أن الخطر الحقيقي ليس بالضرورة أن تتخذ إسرائيل أو تركيا قراراً متعمداً بالدخول في حرب، وإنما أن يؤدي حادث ميداني إلى إنتاج سلسلة من القرارات المتبادلة التي تجعل التصعيد يتغذى على نفسه. طائرة إسرائيلية تقترب من المجال الجوي التركي، أو طائرة تركية تتحرك لاعتراضها، أو نظام دفاع جوي يفسر حركة جوية باعتبارها هجوماً، يمكن أن يحول حادثاً محدوداً خلال دقائق إلى أزمة سياسية وعسكرية بين دولتين لا تريد أي منهما بالضرورة حرباً شاملة.

ولهذا جاءت إشارة برّاك إلى إسقاط تركيا الطائرة الروسية عام 2015 شديدة الدلالة. ففي ذلك الوقت أدى حادث جوي محدود إلى واحدة من أخطر الأزمات بين أنقرة وموسكو منذ نهاية الحرب الباردة. لم تكن تركيا وروسيا قد قررتا خوض حرب شاملة، لكن قواعد الاشتباك والتوتر السياسي وتضارب المصالح في سوريا جعلت حادثة واحدة كافية لرفع مستوى المواجهة بصورة حادة. واليوم، فإن تكرار السيناريو في حالة إسرائيل وتركيا سيكون أكثر تعقيداً، لأن الطرفين يرتبطان بصورة أو بأخرى بالمنظومة الأمنية الغربية، ولأن أي مواجهة بينهما ستضع الولايات المتحدة أمام معضلة سياسية شديدة الحساسية.

تركيا، من جانبها، لا تبدو راغبة في الدخول في حرب مباشرة مع إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التخلي عن مشروعها في سوريا. فأنقرة ترى أن بناء دولة سورية موحدة وقادرة على فرض سلطتها على أراضيها يخدم أمنها القومي، خصوصاً في ما يتعلق بالحدود الجنوبية وبمستقبل الجماعات الكردية المسلحة. كما أن تعزيز مؤسسات الدولة السورية العسكرية والأمنية يمنح تركيا وسيلة لتقليص الحاجة إلى وجود عسكري تركي مباشر طويل الأمد. ولذلك قد يكون الخيار التركي الأكثر عقلانية هو الاستمرار في بناء القدرات السورية بصورة تدريجية، بدلاً من الانتقال سريعاً إلى إنشاء قواعد تركية دائمة ومعلنة يمكن أن تصبح أهدافاً مباشرة للضربات الإسرائيلية.

لكن إسرائيل قد ترى حتى هذا المسار باعتباره مشكلة استراتيجية إذا أدى في النهاية إلى بناء جيش سوري أكثر قوة وارتباطاً بأنقرة. وهنا يظهر تناقض جوهري بين التصورين. تركيا تريد سوريا مستقرة وموحدة وقادرة على استعادة احتكار الدولة للسلاح، بينما تفضل إسرائيل أن تكون سوريا مستقرة ولكن ضمن سقف عسكري لا يسمح بظهور قوة يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى تهديد. وبالتالي فإن ما تراه أنقرة شرطاً للاستقرار السوري قد تعتبره تل أبيب مصدراً محتملاً للخطر.

وهذا يجعل الصراع الحقيقي ليس على قاعدة أبو الظهور في حد ذاتها، وإنما على شكل سوريا التي ستنشأ خلال السنوات المقبلة. فإسرائيل تريد أن تمنع تكرار تجربة النفوذ الإيراني، ولكنها لا تريد أيضاً أن تستبدل إيران بتركيا باعتبارها القوة الخارجية الأكثر تأثيراً في المؤسسة العسكرية السورية. وفي المقابل، تريد تركيا أن تمنع تحول سوريا إلى دولة ضعيفة ومجزأة يمكن أن تصبح مجالاً مفتوحاً للتدخلات الإقليمية، وتريد في الوقت ذاته أن يكون لها نفوذ مؤثر في عملية إعادة بناء مؤسساتها.

أما الولايات المتحدة فتجد نفسها أمام معضلة حقيقية. فهي تريد نجاح العملية السياسية في سوريا، وتريد الحفاظ على علاقتها الاستراتيجية بإسرائيل، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى تركيا باعتبارها قوة إقليمية رئيسية وعضواً مهماً في الناتو. والأهم أن واشنطن لا تريد أن تتحول سوريا، التي يفترض أن تكون ساحة لتثبيت الاستقرار بعد سنوات الحرب، إلى مسرح مواجهة بين حليفين أو شريكين للولايات المتحدة.

ومن هنا يمكن فهم التحرك الأميركي نحو إنشاء آلية لمنع الاشتباك باعتباره محاولة لإدارة التنافس، وليس لحله. فالولايات المتحدة قد لا تستطيع إقناع إسرائيل بالتخلي عن حقها في ضرب ما تعتبره تهديدات أمنية، كما أنها لن تستطيع مطالبة تركيا بالتخلي عن مصالحها في سوريا. لكنها تستطيع محاولة وضع قواعد للحركة تمنع الاحتكاك العرضي، مثل تبادل الإخطارات المسبقة، وتحديد مناطق العمليات، وفتح قنوات اتصال مباشرة بين القيادات العسكرية، ووضع إجراءات واضحة للتعامل مع الحوادث الجوية.

غير أن نجاح هذه الآلية لن يكون مضموناً إذا استمر التنافس السياسي بين أنقرة وتل أبيب في التصاعد. فآليات منع الاشتباك لا تمنع الحروب إذا كانت الدول نفسها قد قررت أن مصالحها الأساسية متعارضة؛ لكنها تكون فعالة عندما يكون لدى الأطراف مصلحة مشتركة في منع حادث تكتيكي من التحول إلى مواجهة استراتيجية. وهذا هو السؤال الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة.

فالاحتمال الأكثر ترجيحاً في المدى القصير ليس اندلاع حرب تركية ـ إسرائيلية شاملة، وإنما نشوء ما يمكن وصفه بـ«حرب باردة» داخل سوريا. قد تستمر إسرائيل في مراقبة التحركات التركية، وقد تضرب منشآت سورية إذا اعتقدت أنها ستتحول إلى جزء من بنية عسكرية تهددها، بينما ستواصل تركيا دعم الحكومة السورية وتطوير قدراتها العسكرية، مع تجنب إنشاء وجود عسكري مكشوف يمكن أن يفرض على إسرائيل مواجهة مباشرة معها. وفي مثل هذا السيناريو ستتحول سوريا إلى مساحة تنافس غير مباشر بين قوتين إقليميتين، مع قيام الولايات المتحدة بدور مدير التوتر أكثر من كونها قادرة على إنهائه.

لكن الخطر الأكبر سيظل في احتمال وقوع حادث عسكري غير محسوب. فإذا اقتربت طائرات إسرائيلية من الحدود التركية، أو حدثت عملية اعتراض تركية، أو أصيبت طائرة تابعة لأحد الطرفين، فقد تتحول الأزمة سريعاً إلى اختبار للردع والهيبة الوطنية. وفي مثل هذه الظروف يصبح التراجع السياسي أكثر صعوبة، لأن أي قيادة قد تجد نفسها مضطرة إلى الرد للحفاظ على المصداقية، حتى لو لم تكن ترغب في التصعيد.

وهنا تحديداً تصبح سوريا مختلفة عن كثير من ساحات الصراع الأخرى. فهي اليوم منطقة تتقاطع فيها حسابات إسرائيل الأمنية مع المصالح التركية، والنفوذ الأميركي، والحضور الروسي المتبقي، وإعادة بناء الدولة السورية. ولذلك فإن أي تحرك عسكري فيها لا يُقرأ بمعزل عن هذه الشبكة المعقدة من المصالح.

المفارقة الأكبر أن الصراع يجري فوق الأراضي السورية بينما تظل دمشق الطرف الأقل قدرة على فرض قواعد اللعبة. إسرائيل تحدد لنفسها نطاقات للحركة العسكرية داخل سوريا، وتركيا تعمل على بناء نفوذ أمني وعسكري مع الحكومة الجديدة، وواشنطن تحاول إدارة العلاقة بين الطرفين، فيما تسعى روسيا إلى الحفاظ على موطئ قدمها. وهكذا تجد الدولة السورية الجديدة نفسها أمام اختبار سيادي بالغ الصعوبة: كيف تبني جيشاً وطنياً قوياً وتستعيد السيطرة على أراضيها، من دون أن يتحول هذا الجيش إلى ذريعة لصراع القوى الإقليمية والدولية؟

في المحصلة، فإن الضربة الإسرائيلية على أبو الظهور ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مؤشراً على بداية مرحلة جديدة في الصراع على سوريا. لم تعد القضية الأساسية هي من يدعم الحكومة السورية الجديدة، وإنما من سيكون قادراً على التأثير في شكل مؤسساتها الأمنية والعسكرية، ومن سيرسم الحدود التي يمكن للقوى الخارجية أن تتحرك داخلها.

وتكمن خطورة المرحلة المقبلة في أن التنافس الإسرائيلي ـ التركي قد ينتقل تدريجياً من صراع على النفوذ إلى صراع على قواعد الوجود العسكري نفسه. فإذا نجحت واشنطن في إنشاء آلية فعالة لمنع الاشتباك، فقد يبقى الخلاف ضمن حدود صراع النفوذ المحكوم بقواعد واضحة. أما إذا فشلت في ذلك، واستمرت إسرائيل في استهداف ما تعتبره امتداداً محتملاً للنفوذ التركي داخل سوريا، بينما واصلت أنقرة توسيع حضورها العسكري والأمني، فإن سوريا قد تتحول إلى أخطر نقطة احتكاك بين قوتين إقليميتين ترتبطان، بدرجات مختلفة، بالمنظومة الغربية.

وفي النهاية، فإن أهم ما كشفته تصريحات توم برّاك ليس أن إسرائيل وتركيا تختلفان حول سوريا؛ فهذا أصبح واضحاً بالفعل. الأهم هو أن واشنطن بدأت ترى احتمالاً واقعياً بأن يتحول هذا الخلاف إلى مواجهة عسكرية نتيجة حادث جوي أو سوء تقدير. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت أنقرة وتل أبيب ستتنافسان على سوريا، وإنما هل تستطيعان إدارة هذا التنافس من دون أن يؤدي خطأ تكتيكي واحد إلى إشعال مواجهة استراتيجية لا تريدها أي منهما؟

فأخطر ما في المرحلة الجديدة ليس أن تكون هناك حرب مخطط لها، وإنما أن تبدأ حرب لم يخطط لها أحد.