حرب السودان المنسية.. لماذا لا يرى العالم أكبر كارثة إنسانية أمامه؟
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في نيسان/أبريل 2023، تحوّل السودان إلى مسرح لإحدى أكثر الكوارث الإنسانية قسوة في العالم. مئات الآلاف من القتلى وفق تقديرات متداولة، وملايين النازحين واللاجئين، ومدن وقرى دُمّرت أو أُفرغت من سكانها، فيما يواجه الملايين خطر الجوع وانهيار الخدمات الصحية والأساسية.
ومع ذلك، تبدو المفارقة لافتة: كلما اتسعت المأساة السودانية، بدا حضورها في الاهتمام الدولي أقل من حجمها.
فالحرب التي وصفت تداعياتها بأنها أنتجت واحدة من أكبر أزمات النزوح والجوع في العالم لم تتحول إلى قضية دولية ضاغطة بالقدر الذي يتناسب مع حجم الكارثة. ولم تتشكل حولها حركة سياسية وشعبية عالمية قادرة على فرض وقف جدي للحرب، كما لم تنجح المبادرات الدبلوماسية المتعددة في بناء مسار مستدام نحو التسوية.
هذا التفاوت بين ضخامة المأساة ومحدودية الاهتمام بها يطرح سؤالًا يتجاوز الحديث التقليدي عن «نسيان السودان»: لماذا تستطيع بعض الحروب أن تتحول سريعًا إلى أزمات عالمية تستنفر الحكومات والإعلام والرأي العام، بينما تبقى حرب بهذا الحجم على هامش الأولويات الدولية؟
الإجابة لا ترتبط بعامل واحد، بل بمنظومة معقدة من المصالح والحسابات السياسية والاقتصادية، يضاف إليها ضعف الدولة السودانية، والانقسام الداخلي، واقتصاد الحرب، وصعوبة وصول الإعلام إلى مناطق الصراع. وهي عوامل اجتمعت لتجعل السودان يعيش مأساة مزدوجة: حربًا مدمرة في الداخل، وهامشية متزايدة في الخارج.
المصالح أولًا.. متى تصبح الحرب أزمة دولية؟
لا يتحرك النظام الدولي تجاه الحروب وفق معيار حجم الضحايا وحده. فالأزمات تكتسب أهميتها السياسية بقدر تأثيرها في مصالح القوى الكبرى، أو تهديدها المباشر للتوازنات الإقليمية، أو قدرتها على إحداث تداعيات تتجاوز حدودها.
ومن هذه الزاوية، ترى الصحافية السودانية درّة قمبو أن أحد أسباب ضعف الاهتمام الدولي هو استمرار النظر إلى الحرب باعتبارها صراعًا داخليًا على السلطة بين قوتين عسكريتين، رغم أبعادها الإقليمية والدولية الواضحة.
هذه القراءة للصراع ساهمت في إبقاء السودان في مرتبة متأخرة نسبيًا على سلم الأولويات الدولية. فالحرب، رغم امتداد آثارها إلى دول الجوار وارتباطها بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحركة الهجرة والتجارة الإقليمية، لم تُترجم حتى الآن إلى تهديد مباشر وكبير للمصالح الحيوية للقوى الدولية بالشكل الذي يدفعها إلى استثمار ثقل سياسي استثنائي لإنهائها.
لكن المفارقة أن هذا «البعد الداخلي» للحرب مضلل إلى حد بعيد.
فالسودان يقع عند تقاطع جغرافي شديد الحساسية، بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وتجاوره دول تعاني أصلًا من هشاشة سياسية وأمنية. وبالتالي، فإن استمرار الحرب لا يعني فقط انهيار دولة، بل يحمل مخاطر انتشار السلاح والجماعات المسلحة، وتوسع شبكات التهريب، وتصاعد موجات النزوح، وانتقال عدم الاستقرار عبر الحدود.
ومع ذلك، يبدو أن المجتمع الدولي يتعامل مع هذه التداعيات بمنطق «إدارة الأزمة» أكثر من العمل على حل جذورها؛ أي احتواء آثار الحرب ومنع انتقالها إلى دوائر المصالح الأكثر حساسية، بدل ممارسة ضغط كافٍ لإنهائها.
السودان بين «توازن الضعف» وإدارة الصراع
تطرح الحرب أيضًا سؤالًا أكثر تعقيدًا يتعلق بما يمكن وصفه بـ«توازن الضعف»؛ أي الحالة التي يعجز فيها أي طرف عن تحقيق حسم نهائي، بينما يظل الطرف الآخر قادرًا على مواصلة القتال.
في مثل هذه الصراعات، قد يتحول الجمود العسكري نفسه إلى صيغة قابلة للاستمرار لفترات طويلة، خصوصًا عندما تتقاطع مصالح أطراف خارجية متعددة ولا يوجد توافق دولي حقيقي على شكل النظام الذي ينبغي أن يأتي بعد الحرب.
وهنا تكمن إحدى مشكلات الأزمة السودانية: ربما يوجد توافق واسع في الخطاب الدولي على ضرورة وقف القتال، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود توافق مماثل على من يجب أن يحكم السودان، وكيف يعاد بناء الدولة، وما موقع الجيش والقوى المسلحة والمدنية في النظام المقبل.
هذا الاختلاف يجعل التسويات أكثر تعقيدًا.
فكل طرف إقليمي أو دولي ينظر إلى السودان من زاوية مختلفة: الأمن، البحر الأحمر، النفوذ السياسي، الموارد الطبيعية، التجارة، الهجرة أو التوازنات الإقليمية. وعندما تتعدد المصالح وتتعارض، يصبح وقف الحرب هدفًا معلنًا، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى إرادة سياسية موحدة وقادرة على فرض تسوية.
اقتصاد الحرب.. حين تصبح الثروات جزءًا من المشكلة
لا يمكن فهم استمرار الحرب السودانية من دون النظر إلى اقتصادها.
فالسودان ليس دولة فقيرة في الموارد بقدر ما هو دولة تعاني تاريخيًا من ضعف القدرة على تحويل ثرواتها إلى تنمية مستقرة. يمتلك البلاد الذهب والصمغ العربي والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية وموقعًا استراتيجيًا مهمًا، لكن هذه الموارد ظلت في كثير من الأحيان مرتبطة بشبكات مصالح داخلية وخارجية أكثر من ارتباطها ببناء اقتصاد وطني متماسك.
ومع الحرب، أصبحت بعض الموارد جزءًا من اقتصاد الصراع نفسه.
فالذهب وطرق التجارة والتهريب والمعابر والمناطق الزراعية ومصادر الإيرادات لم تعد مجرد أصول اقتصادية، بل تحولت إلى عناصر قوة تساعد الأطراف المسلحة وشبكات المصالح المرتبطة بها على تمويل عملياتها والمحافظة على نفوذها.
ويبرز الصمغ العربي مثالًا دالًا على هذه الإشكالية. فالسودان يحتل موقعًا محوريًا في إنتاج هذه السلعة الاستراتيجية التي تدخل في صناعات عالمية متعددة. وقد أثارت جهات أممية مخاوف من أن تؤدي شبكات التجارة المرتبطة ببعض الموارد إلى توفير عائدات يمكن أن تغذي اقتصاد الحرب.
المشكلة هنا تتجاوز تهريب مورد بعينه. فحين تنهار مؤسسات الدولة وتضعف الرقابة على الحدود والأسواق، تنشأ اقتصادات موازية تستفيد من استمرار الفوضى. ويصبح للحرب مستفيدون اقتصاديون لا ترتبط مصالحهم بعودة الدولة، بل باستمرار غيابها.
وهكذا تنقلب المعادلة: الموارد التي كان يفترض أن تمنح السودان قوة اقتصادية قد تتحول، في ظل انهيار المؤسسات، إلى أحد العوامل التي تجعل الصراع أكثر قدرة على الاستمرار.
لماذا لا يمتلك السودان صوتًا دوليًا قويًا؟
الحروب لا تصل إلى الأجندة الدولية بقوة المأساة وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى من يستطيع تحويل المأساة إلى قضية سياسية وإعلامية مستمرة.
وهنا تظهر إحدى نقاط الضعف السودانية.
فالقوى المدنية والسياسية، التي كان يفترض أن تمثل بديلًا عن منطق السلاح، تعاني من انقسامات عميقة ومن ضعف القدرة على بناء خطاب موحد تجاه الخارج. وبينما تتنافس الأطراف المسلحة على الأرض، تتنافس القوى السياسية أيضًا على تفسير الحرب وتحديد المسؤولية عنها ومستقبل الدولة بعدها.
هذا التشظي ينعكس مباشرة على صورة الأزمة في الخارج.
فالعالم لا يسمع «رواية سودانية» واحدة، بل روايات متصارعة؛ كل طرف يقدم تفسيره للحرب، ويحمّل خصومه المسؤولية، ويحاول استقطاب الدعم الخارجي.
وفي هذا السياق يصبح أصحاب السلاح أكثر قدرة على فرض أنفسهم باعتبارهم الأطراف التي لا يمكن تجاوزها في أي تفاوض، بينما تتراجع أصوات المدنيين والضحايا والقوى المجتمعية.
وهنا تتجسد واحدة من أكثر مفارقات الحرب قسوة: من يمتلك السلاح يمتلك مقعدًا على طاولة التفاوض، بينما من يدفع ثمن الحرب قد لا يمتلك الصوت نفسه.
أفريقيا والهامشية المزمنة في النظام الدولي
لكن أزمة السودان تكشف أيضًا عن مشكلة أوسع تتعلق بموقع أفريقيا في النظام الدولي.
فالقارة التي شهدت خلال العقود الأخيرة حروبًا أهلية وانقلابات عسكرية وأزمات إنسانية متلاحقة لا تحظى أزماتها غالبًا بالاهتمام نفسه الذي تحظى به صراعات تقع في مناطق أكثر ارتباطًا بالمصالح المباشرة للقوى الكبرى.
ولا يعني ذلك غياب الاهتمام الدولي بأفريقيا تمامًا، بل إن هذا الاهتمام غالبًا ما يكون انتقائيًا: يتصاعد عندما يتعلق الأمر بالطاقة أو المعادن أو مكافحة الإرهاب أو الهجرة أو التنافس الجيوسياسي، ثم يتراجع عندما تصبح القضية الأساسية هي حماية المدنيين أو إعادة بناء الدولة.
ومن هنا، فإن «نسيان السودان» ليس حالة منفصلة، بل يمكن النظر إليه بوصفه امتدادًا لهامشية أوسع تعاني منها أزمات أفريقية عديدة في النظام الإعلامي والسياسي العالمي.
غير أن تفسير ضعف الاهتمام الدولي بالعنصر الجغرافي وحده سيكون تبسيطًا. فهناك عامل آخر شديد الأهمية: العالم لا يستطيع أن يرى حربًا كاملة إذا كان من يوثقها عاجزًا عن الوصول إليها.
حرب تجري بعيدًا عن الكاميرات
أحد أخطر أبعاد الحرب السودانية هو التعتيم الذي يحيط بجزء كبير من الانتهاكات.
فالصحافيون يعملون في بيئة بالغة الخطورة، مع صعوبة التنقل بين مناطق السيطرة المختلفة، والخوف من الاعتقال أو الاستهداف، والقيود التي تفرضها الأطراف المسلحة، فضلًا عن انهيار البنية الإعلامية المحلية في مناطق واسعة.
ويصف صحافي سوداني، فضّل عدم الكشف عن هويته، واقعًا يجعل التغطية المهنية شبه مستحيلة في بعض المناطق. فالتنقل بين مناطق سيطرة الجيش وقوات الدعم السريع قد يكون محفوفًا بالمخاطر، والوصول إلى مناطق مثل دارفور ليس متاحًا دائمًا للصحافيين، ما يعني أن مذابح وانتهاكات قد تقع من دون أن تجد طريقها سريعًا إلى الإعلام الدولي.
الأخطر أن التهديد لا يأتي فقط من صعوبة الوصول.
بحسب شهادة الصحافي، تعرض صحافيون لضغوط وتهديدات مباشرة لمنع نشر تقارير عن الانتهاكات، بل شملت القيود أحيانًا تقارير إنسانية تتعلق بالجوع ومعاناة المدنيين.
وهذا يخلق حلقة خطيرة: غياب الصحافة يؤدي إلى نقص التوثيق، ونقص التوثيق يؤدي إلى ضعف الاهتمام، وضعف الاهتمام يقلل الضغط الدولي، وغياب الضغط يمنح مرتكبي الانتهاكات مساحة أكبر للاستمرار.
إنها دائرة تجعل «الصمت الإعلامي» جزءًا من بنية الحرب نفسها، حتى عندما لا يكون مقصودًا.
عندما يصبح الوصول إلى الضحايا معركة أخرى
ولا تقتصر المشكلة على الأطراف المتحاربة.
فالصحافيون يواجهون أحيانًا قيودًا بيروقراطية وإجرائية عند محاولة العمل داخل مخيمات النزوح أو المناطق التي تدير فيها المنظمات الإنسانية عملياتها. الحصول على تصاريح قد يستغرق وقتًا أطول من المدة المتاحة لإنتاج التقرير، كما قد تفرض اعتبارات حماية النازحين والخصوصية والأمن قيودًا على المقابلات والتصوير.
وبعض هذه الإجراءات له مبررات مهنية وأخلاقية مفهومة، خصوصًا لحماية الضحايا، لكن المبالغة في البيروقراطية قد تنتج نتيجة عكسية: حماية الأشخاص من مخاطر التغطية، مقابل اختفاء معاناتهم تقريبًا من المجال العام.
وفي الحروب، لا يمثل الإعلام مجرد ناقل للأحداث. فالصورة والشهادة والتحقيق الميداني أدوات أساسية لتحويل المعاناة الفردية إلى قضية عامة.
إذا تعذر الوصول إلى الضحايا، يصبح من الأسهل أن تتحول أعداد القتلى والنازحين والجوعى إلى مجرد أرقام تتكرر في التقارير الدولية من دون أن تولد استجابة سياسية أو شعبية تتناسب معها.
انتقائية التعاطف العالمي
هناك أيضًا عامل يصعب تجاهله: الرأي العام العالمي نفسه انتقائي.
ليست كل المآسي متساوية في قدرتها على جذب الاهتمام.
فبعض الأزمات تمتلك حضورًا تاريخيًا وسياسيًا وإعلاميًا يجعلها جزءًا من النقاش اليومي في المجتمعات الكبرى، بينما تظل أزمات أخرى بعيدة عن الوعي العام مهما بلغ حجم ضحاياها.
وتلعب وسائل الإعلام ومنصات التواصل دورًا حاسمًا في هذه المعادلة. فكلما زادت الصور والشهادات والتغطيات المباشرة، زادت قدرة قضية ما على خلق التعاطف والضغط الشعبي. أما الحرب التي يصعب الوصول إليها وتوثيقها، فإنها تخسر تدريجيًا المنافسة على الاهتمام العالمي.
وفي السودان، اجتمعت العوامل السلبية كلها تقريبًا: حرب معقدة يصعب اختزالها، تعدد في القوى والمصالح، مناطق يصعب الوصول إليها، صحافة محاصرة، وانقسامات سياسية تجعل تقديم رواية موحدة للعالم أمرًا بالغ الصعوبة.
والنتيجة أن واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية يمكن أن تستمر بينما يعتاد العالم أخبارها تدريجيًا.
المشكلة تبدأ من الداخل.. لكن الحل لا يمكن أن يكون داخليًا فقط
رغم أهمية المسؤولية الدولية، فإن اختزال الأزمة في «تجاهل العالم» وحده قد يعفي القوى السودانية من مسؤولياتها.
ترى درّة قمبو أن البداية الحقيقية تكمن في قدرة السودانيين أنفسهم على الاستماع إلى بعضهم والاعتراف بأن جذور الأزمة داخلية أيضًا، وأن بناء موقف وطني قادر على تجاوز الانقسامات شرط أساسي لاستعادة صوت السودان في الخارج.
وهذه النقطة جوهرية.
فلا يمكن بناء ضغط دولي فعال إذا ظلت القوى السودانية منقسمة حول تعريف الحرب نفسها، ومن يمثل الدولة، ومن يتحمل مسؤولية استمرارها، وما شكل النظام السياسي المطلوب بعدها.
كما أن أي تسوية تعيد إنتاج الهيمنة العسكرية أو الإقصاء السياسي من دون معالجة جذور الأزمة ستظل معرضة للانفجار مجددًا.
الحرب الحالية لم تبدأ من فراغ؛ إنها نتيجة تراكم طويل لأزمات بناء الدولة، والعلاقة بين المركز والأطراف، وانتشار السلاح، وتسييس المؤسسة العسكرية، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وضعف المؤسسات المدنية.
لذلك، فإن وقف إطلاق النار، على ضرورته القصوى، لن يكون كافيًا إذا لم يترافق مع مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة.
السودان لا يحتاج إلى التعاطف فقط
إن السؤال الحقيقي ليس لماذا لا يتعاطف العالم بما يكفي مع السودان، بل لماذا لم تتحول هذه الكارثة إلى كلفة سياسية على الأطراف القادرة على إطالة الحرب أو المساهمة في وقفها.
فالتعاطف وحده لا يوقف الحروب.
ما يوقفها هو تغير حسابات المصالح: عندما تصبح كلفة استمرار القتال أعلى من كلفة التسوية، وعندما تتراجع قدرة الأطراف على الحصول على التمويل والسلاح والدعم السياسي، وعندما توجد إرادة داخلية قادرة على تقديم بديل سياسي قابل للحياة.
ولهذا فإن إخراج السودان من دائرة «الحرب المنسية» يتطلب أكثر من حملات إعلامية مؤقتة. يحتاج إلى صحافة قادرة على الوصول إلى الضحايا، وآليات أكثر صرامة لتتبع اقتصاد الحرب وتدفقات الموارد والسلاح، وضغط سياسي على الأطراف الخارجية المرتبطة بالصراع، وقبل ذلك كله جبهة مدنية سودانية تستطيع تقديم مشروع سياسي يتجاوز الاستقطاب العسكري.
فالحرب في السودان ليست أزمة إنسانية بعيدة يمكن للعالم أن يؤجل التعامل معها بلا نهاية. استمرار انهيار دولة بهذا الحجم وفي هذا الموقع الجغرافي يحمل تداعيات تتجاوز حدودها، من البحر الأحمر إلى الساحل والقرن الأفريقي، ومن الهجرة العابرة للحدود إلى شبكات التهريب وانتشار السلاح.
وربما تكون المفارقة الأكبر أن السودان لا يعاني من نقص المؤشرات التي تثبت خطورة ما يحدث؛ فالضحايا والنزوح والجوع والانهيار كلها واضحة. ما ينقص هو تحويل هذه الحقائق إلى إرادة سياسية.
وبينما ينتظر ذلك، تستمر الحرب في إنتاج ضحايا جدد، في وقت يبدو فيه أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مأساة ليس فقط أن تستمر، بل أن تصبح استمرارها أمرًا مألوفًا.
فحين يعتاد العالم الحرب، يتحول الصمت من مجرد غياب للاهتمام إلى أحد الظروف التي تسمح لها بالبقاء.
