صعدة.. عقدة جيوسياسية تتجاوز حدود الصراع اليمني

تحليلات - Foresight

لا تكمن أهمية صعدة في كونها محافظة حدودية فحسب، بل في موقعها كحلقة وصل بين الحدود السعودية والعمق اليمني، واتصالها بمحافظات حجة وعمران والجوف والمجال المؤدي إلى صنعاء. ولذلك تحولت جغرافيتها إلى متغير يتجاوز المستوى المحلي، ويمس بصورة مباشرة أمن الحدود السعودية والبيئة الأمنية الأوسع في الخليج والبحر الأحمر.

وتكمن خطورة صعدة في أن حدودها لا تمثل خطًا فاصلًا بين دولتين بقدر ما تمثل فضاءً وظيفيًا تتقاطع فيه حركة السكان والتجارة والمنافذ الرسمية وغير الرسمية والروابط الاجتماعية، إلى جانب التهريب والمخاطر الأمنية. ومن ثم فإن أمنها لا يمكن تحقيقه بالمنطق العسكري وحده؛ إذ إن إغلاق الحدود دون معالجة الاقتصاد غير الرسمي والتنمية المحلية قد يدفع المشكلة إلى إعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.

وتكشف التجربة التاريخية أن القيمة الاستراتيجية لصعدة تتضاعف عندما يقترن موقعها الحدودي بضعف الدولة؛ إذ يمكن للجغرافيا والتضاريس والامتدادات الاجتماعية أن تتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج النفوذ. ومن هنا فإن القضية ليست في طبيعة المجتمع المحلي أو تنوعه المذهبي بحد ذاته، وإنما في تسييس الهوية وتحويلها إلى أداة للصراع على السلطة والنفوذ.

أما بالنسبة إلى السعودية، فإن استقرار صعدة يمثل جزءًا من أمن حدودها الجنوبية، لكنه لا ينبغي أن يُفهم باعتباره ملفًا أمنيًا منفصلًا عن الداخل اليمني. فاستدامة الأمن تتطلب ضبط الحدود والمنافذ ومكافحة التهريب، بالتوازي مع التنمية المحلية وتنظيم التجارة وبناء علاقة مؤسسية مع المجتمع. وبذلك تصبح التنمية نفسها أداة من أدوات الأمن الوطني وليست مجرد ملف اقتصادي.

وتبرز هنا المفارقة الأساسية: الجغرافيا التي جعلت صعدة مصدرًا للصراع يمكن أن تجعلها منصة للاستقرار. فالحدود يمكن أن تتحول من مجال للتهريب إلى ممر تجاري، والمنافذ إلى مراكز لوجستية، والروابط الاجتماعية إلى قنوات للتواصل، والاقتصاد غير الرسمي إلى اقتصاد قانوني يخلق مصالح مرتبطة بالاستقرار.

وعليه، فإن السيناريو الأكثر استدامة لا يتمثل في تحقيق هدوء أمني مؤقت، وإنما في إعادة بناء وظيفة صعدة داخل الدولة اليمنية: مؤسسات فعالة، أمن حدودي منظم، اقتصاد مشروع، تنمية محلية، وشراكة مجتمعية. أما استمرار ضعف الدولة والاقتصاد غير الرسمي، فيبقي المحافظة قابلة لإعادة إنتاج الصراع والتوظيف الإقليمي.

الخلاصة: صعدة ليست مركزًا للصراع بسبب موقعها فقط، وإنما بسبب تفاعل الموقع مع ضعف الدولة والاقتصاد غير الرسمي والتنافس على النفوذ. ولذلك فإن تحويلها من «جغرافيا للصراع» إلى «جغرافيا للاستقرار» يتطلب مقاربة تتجاوز الحل الأمني إلى إعادة بناء الدولة والتنمية وإدارة الحدود. فالقوى والتحالفات قد تتغير، لكن الجغرافيا باقية؛ وما يتغير هو الوظيفة السياسية والأمنية التي تُمنح لها.