بث تجريبي

الحسابات الاستراتيجية لروسيا بعد الضربات على إيران

تحليلات - Foresight

لقد تغيّر ميزان التوازن في الشرق الأوسط نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، والتي أسفرت عن اغتيال آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى الإيراني، وعدد من القيادات الإيرانية البارزة، ما أدى إلى موجات من الردود الانتقامية استهدفت القواعد الأمريكية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. ويشير حجم هذه الهجمات وسلسلة التفاعلات اللاحقة إلى أن هامش المناورة الدبلوماسية لا يزال ضيقًا، مدفوعًا بانعدام ثقة عميق، خاصة وأن الضربات العسكرية المشتركة جاءت بعد يوم واحد فقط من المحادثات الأمريكية-الإيرانية في عُمان.

بالنسبة لموسكو، فإن إضعاف إيران يقوّض مصالحها الأوسع في الشرق الأوسط. وقد أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن تعازيه للشعب الإيراني، مدينًا الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع ذلك، من غير المرجح أن تتمكن روسيا من التأثير في مسار الأحداث. فالحرب في أوكرانيا، إلى جانب المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، قيدت بشكل كبير خيارات موسكو. ونتيجة لذلك، من المرجح أن يظل دعم روسيا لإيران محدودًا في المجالات السياسية والدبلوماسية. وحتى في ظل هذه القيود الهيكلية ونقص الحلفاء الفاعلين، ستستمر إيران في الاعتماد على موسكو.

الموقف الروسي

تعكس استجابة روسيا إلى حد كبير موقفها خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا في يونيو من العام الماضي. ومع تصاعد الصراع، أصبح دعم روسيا لإيران أكثر وضوحًا. فقد رحّب بوتين بتعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا، وأعرب عن دعمه الكامل للنظام. كما دعت موسكو إلى وقف فوري لإطلاق النار وعرضت المساعدة في الجهود الدبلوماسية. ويزعم صحفيون غربيون أن روسيا تقدم معلومات استخباراتية حول مواقع السفن الحربية الأمريكية وتجمعات القوات إلى القوات الإيرانية.

ورغم أن الضربات تمثل انتكاسة للمصالح الروسية في الشرق الأوسط، فإن تحوّل الاهتمام العالمي من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط منح روسيا متنفسًا استراتيجيًا. إضافة إلى ذلك، أدت حالة عدم الاستقرار المستمرة واضطرابات سلاسل الإمداد إلى ارتفاع سعر خام الأورال الروسي ليصل إلى 90 دولارًا في 6 مارس، بزيادة قدرها 52% مقارنة بنهاية فبراير. ومن المرجح أن تضخ الإيرادات الإضافية الناتجة عن صادرات النفط الروسي، والتي تُقدّر بنحو 150 مليون دولار يوميًا، رأس مال تشتد الحاجة إليه في صندوق الثروة الوطني الروسي.

ومع ذلك، وبخلاف الدعم الدبلوماسي وتبادل المعلومات الاستخباراتية وزيادة صادرات الأسلحة، فمن غير المرجح أن تتمكن روسيا من تقديم دعم إضافي لإيران. وعلى الرغم من تقاطع المصالح، فإن التحالف الأمني بين البلدين لم يتبلور بعد، ويرجع ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية: الخلفية التاريخية للعلاقات بين إيران والاتحاد السوفيتي، وتطورات الحرب الباردة، وأخيرًا تحسن علاقات روسيا مع إسرائيل، مما يحد بشدة من تطور الشراكة الروسية-الإيرانية.

الشراكة بين روسيا وإيران

تحتل إيران موقعًا مهمًا في استراتيجية موسكو في الشرق الأوسط، نظرًا لموقعها الجيوستراتيجي وإطلالتها على المحيط الهندي. وقد تميزت العلاقة السوفيتية-الإيرانية بفترات من التعاون والتوتر، في ظل حالة عامة من انعدام الثقة. ومع نهاية الحرب الباردة، ظهرت ظروف جديدة لتحسين العلاقات. ففي عام 1992، وقّعت روسيا وإيران اتفاقًا للتعاون في مجال الطاقة النووية السلمية، حيث درّبت موسكو علماء إيرانيين وساعدت في بناء محطة طاقة نووية تعمل بالماء الثقيل. ومع ذلك، ظل التقدم محدودًا بسبب عقوبات الأمم المتحدة. وفي عام 2000، وقعت روسيا وإيران والهند اتفاقًا لإنشاء شبكة نقل متعددة الوسائط لتعزيز الترابط.

ورغم تنامي العلاقات، استمرت إيران في النظر إلى نهج روسيا باعتباره قائمًا على المصالح المؤقتة، وغالبًا ما اعتبرت العلاقة أداة تستخدمها موسكو في تعاملاتها مع الولايات المتحدة. كما أثرت العقوبات الأممية على التعاون العسكري بين البلدين، وهو ما ظهر في تعليق روسيا صفقة تزويد إيران بمنظومة الدفاع الصاروخي S-300، قبل أن ترفع الحظر لاحقًا. كذلك لم تستخدم روسيا حق النقض (الفيتو) ضد عقوبات إضافية على إيران، مما أدى إلى تأخير بناء مفاعلات محطة بوشهر النووية.

لكن العلاقة تحسنت بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، والذي شكّل بداية تدهور علاقاتها مع الغرب. ومع تزايد أهمية إيران الإقليمية وقدرتها على تحدي الغرب، ازدادت أهميتها في الحسابات الروسية. وقدمت موسكو دعمًا جويًا للقوات البرية المدعومة من إيران ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ورغم هذا التقارب، استمرت بعض الخلافات، حيث حدّت إيران من استخدام روسيا لقاعدة همدان الجوية، كما بقي موقف موسكو من عدم الانتشار النووي الإيراني دون تغيير. كما لعبت روسيا دورًا مهمًا في الاتفاق النووي (JCPOA)، الذي فرض قيودًا على البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات، وبعده استأنفت روسيا تزويد إيران بمنظومة S-300.

التطورات بعد حرب أوكرانيا

أدى تدهور علاقات روسيا مع الغرب إلى تقارب أكبر مع إيران، خاصة في المجال العسكري. فقد زوّدت طهران موسكو بقذائف وذخائر وطائرات مسيّرة، مثل "شاهد 131 و136" و"مهاجر"، كما نقلت التكنولوجيا اللازمة لإنتاجها. وفي المقابل، وافقت روسيا على تزويد إيران بطائرات مقاتلة من طراز Su-35، بالإضافة إلى طائرات تدريب Yak-130 ومقاتلات MiG-29.

ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، ظل البلدان متوافقين إلى حد كبير. ففي عام 2023، أصبحت إيران عضوًا كاملًا في منظمة شنغهاي للتعاون، وانضمت لاحقًا إلى مجموعة بريكس. كما زادت الاستثمارات والتبادل التجاري، الذي بلغ نحو 5 مليارات دولار، مع استثمارات روسية بقيمة 4.2 مليار دولار منذ الحرب. ويعمل البلدان على إنشاء شبكات دفع بديلة لمواجهة العقوبات. كما وقّعت إيران اتفاق تجارة حرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي المدعوم من روسيا.

وقد تُوّج هذا التقارب بتوقيع اتفاق شراكة استراتيجية لمدة 20 عامًا، يغطي مجالات الدفاع والتجارة، لكنه لا يتضمن ضمانات أمنية متبادلة، مما يعني أنه لا يرقى إلى مستوى تحالف إقليمي كامل.

العلاقات بعد الحرب الأخيرة

بعد ستة أشهر من توقيع الاتفاق، استهدفت إسرائيل والولايات المتحدة منشآت نووية إيرانية. ورغم إدانة روسيا للهجمات، فإنها لم تتعهد بتقديم دعم عسكري. ويعود ذلك إلى عاملين رئيسيين: تحسن العلاقات الروسية مع إسرائيل، وأولوية المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا.

ومع ذلك، استمرت أهمية روسيا في الازدياد، حيث عززت التعاون النووي مع إيران ووقعت صفقة لبناء محطة "هرمز" النووية بقيمة 25 مليار دولار. كما زودت روسيا إيران بمعدات عسكرية متطورة، لكن هذه الإمدادات لم تردع إسرائيل أو الولايات المتحدة.

مستقبل الشراكة الروسية-الإيرانية

من المرجح أن تتعامل موسكو بحذر، خاصة في ظل علاقاتها الاقتصادية المتنامية مع دول مثل الإمارات والسعودية وقطر. وأي دعم إضافي لإيران قد يؤثر على علاقاتها مع هذه الدول. وبالنسبة لإيران، فإن أهمية روسيا تتمثل في الدعم الدبلوماسي، وكذلك في دورها المحتمل في إعادة الإعمار وتحديث الجيش.

ومع ذلك، من المتوقع أن تزيد مطالب إيران بالحصول على أسلحة وتقنيات متقدمة. لكن في ظل انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا ومفاوضاتها مع الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تظل تطورات الشرق الأوسط أولوية ثانوية في الاستراتيجية الروسية.