بث تجريبي

ليبيا وتطور السياسة الأمريكية

دراسات وأبحاث - كريستوفر إم. بلانشارد
كريستوفر إم. بلانشارد
متخصص في شؤون الشرق الأوسط

بعد خمسة عشر عامًا من انتفاضة عام 2011 والتدخل العسكري المدعوم من الولايات المتحدة، الذي أطاح بالزعيم السلطوي الليبي معمر القذافي، لم تتمكن ليبيا حتى الآن من الانتقال إلى ترتيبات حكم مستقرة. فقد أفضت الانتخابات والجهود الدبلوماسية إلى سلسلة من الحكومات الانتقالية، إلا أن الميليشيات والقادة المحليين والتحالفات دون الوطنية، المدعومة من أطراف خارجية متنافسة، ظلت تحتفظ بنفوذ قوي. كما تنافست شبكات متصارعة في غرب ليبيا وشرقها على السيطرة على مؤسسات الدولة على المستوى الوطني.

وبعد محاولة تحالف «القوات المسلحة العربية الليبية» المتمركز في شرق ليبيا، والمعروف أيضًا باسم «الجيش الوطني الليبي»، السيطرة على العاصمة طرابلس عام 2019، نجحت الجهود الدبلوماسية المدعومة من الأمم المتحدة في وقف القتال، وأسفرت عن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. غير أن الانتخابات المقررة تأجلت عام 2021، وظل الليبيون عالقين في حالة من المواجهة، مع عودة حكومة منافسة إلى الظهور في الشرق. وأسهم غياب التوافق الوطني بشأن الترتيبات الانتخابية والدستورية، إلى جانب الخلافات بين الفصائل حول قضايا الطاقة والمال والأمن، في إطالة أمد حالة عدم الاستقرار في ليبيا.

سعت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى مساعدة الليبيين على توحيد المؤسسات الأمنية والمالية والإدارية، وأفادت تقارير بأنها اقترحت إنشاء سلطة تنفيذية جديدة وشاملة تتولى إدارة البلاد إلى حين إجراء الانتخابات. ومنذ عام 2025، قام مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس للشؤون العربية والأفريقية، والقائم بالأعمال الأمريكي جيريمي بيرندت، ومسؤولون في القيادة الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم»، بزيارات متكررة إلى ليبيا، وشجعوا على التوصل، في أبريل 2026، إلى اتفاق بشأن أول ميزانية وطنية موحدة للبلاد منذ أكثر من عقد، كما عملوا على تعزيز التعاون الأمني الثنائي والتعاون بين الأطراف الليبية.

وسعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى منع تحول ليبيا إلى بيئة مواتية لنشاط الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، بالتوازي مع التعامل مع تداعيات الانقسامات الداخلية الليبية وتدخلات الدول الأخرى في البلاد. ويبدو أن تزايد حضور المسؤولين والجهات الأمنية الروسية ونفوذهم في ليبيا منذ عام 2020، إلى جانب تداعيات الصراعات المستمرة وعدم الاستقرار السياسي في الدول الواقعة جنوب ليبيا، قد دفع الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى تكثيف جهودها الرامية إلى توحيد المؤسسات الليبية.

غير أن هذه الجهود واجهت عقبات عدة، من بينها الخصومات الليبية المتجذرة، واستمرار المخاوف الدولية والمحلية بشأن سلوك بعض الأطراف البارزة في شرق ليبيا وغربها، ومدى شرعيتها ونواياها.

وفي عام 2025، أدخلت إدارة ترامب تغييرات على برامج المساعدات الخارجية الأمريكية والوكالات المنفذة لها، ما أدى إلى تعديل بعض جهود المساعدة الأمريكية في ليبيا أو إنهائها، بما في ذلك برامج نُفذت بموجب «قانون الهشاشة العالمية» (GFA، الباب الخامس من القسم J، القانون العام 116-94). ومنذ عام 2024، خصص الكونغرس تمويلًا لدعم انخراط دبلوماسي أمريكي إضافي في ليبيا، ولتهيئة الظروف لإعادة إنشاء وجود دبلوماسي أمريكي دائم في البلاد مستقبلًا.

الحرب ووقف إطلاق النار وتأجيل الانتخابات

بعد الإطاحة بالقذافي ومقتله، أفرزت انتخابات عام 2012 ترتيبات للحكم سرعان ما انزلقت إلى الصراع عام 2014، ما أدى فعليًا إلى انقسام البلاد على أسس أيديولوجية وجغرافية ومؤسسية.

وتجدد الصراع عام 2019، عندما حاولت «القوات المسلحة العربية الليبية»، وهي تحالف من الجماعات المسلحة المتمركزة في شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر، الضابط السابق في جيش القذافي الذي انشق عنه، السيطرة على طرابلس من الحكومة المعترف بها دوليًا آنذاك.

وحظي هذا التحالف بدعم روسيا والإمارات العربية المتحدة ومصر وقيادات مجلس النواب الليبي، وهو البرلمان الانتقالي المنتخب عام 2014. وفي المقابل، تمكنت الميليشيات المناهضة لقوات حفتر في غرب ليبيا، بدعم عسكري تركي، من إجبار قواته على الانسحاب.

ومنذ ذلك الحين، ظلت ليبيا منقسمة فعليًا، مع استمرار وجود قوات أجنبية على أراضيها، وفصل التحالفات المتنافسة خط سيطرة يقع غرب مدينة سرت. وتدعم بعثة تابعة للأمم المتحدة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر 2020.

وفي الوقت نفسه، عززت قوات حفتر نفوذها وسيطرتها الأمنية في جنوب ليبيا، وأقامت شراكات مع قوات محلية في الجنوب الغربي باتجاه الجزائر، وكذلك جنوبًا نحو الحدود النائية مع النيجر وتشاد والسودان.

وفي عام 2021، دعمت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا «UNSMIL»، التي أنشأها مجلس الأمن الدولي، عملية بقيادة ليبية أسفرت عن اختيار مجلس رئاسي مكون من ثلاثة أعضاء وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، على أن تستمر ولايتهما حتى إجراء الانتخابات أو حتى يونيو 2022.

واختير عبد الحميد الدبيبة رئيسًا لوزراء حكومة الوحدة الوطنية. غير أن الانتخابات أُجلت إلى أجل غير مسمى بسبب الخلافات حول القوانين الانتخابية وتسلسل الاستحقاقات السياسية. وظل الدبيبة في السلطة في طرابلس، في مواجهة حكومة منافسة مدعومة من قوات حفتر في الشرق برئاسة أسامة حماد.

ولكسر هذا الجمود، اقترحت بعثة الأمم المتحدة خارطة طريق، وعقدت حوارات بشأن الترتيبات الانتخابية وغيرها من القضايا الوطنية. وفي يونيو 2026، حددت الهيئات السياسية الليبية عام 2027 موعدًا مستهدفًا لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وأدى التنافس الليبي الحاد على السيطرة على المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي إلى تغذية المواجهات والأزمات حتى عام 2024؛ إذ تدير هاتان المؤسستان عمليات النفط وعائداته ومدفوعات القطاع العام التي يعتمد عليها معظم الليبيين، وكذلك الحكومتان المتنافستان.

وفي مارس 2026، أفاد فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا بأن قيادات من الغرب والشرق تواطأت مع مسؤولين في المؤسسة الوطنية للنفط وآخرين لتوفير «مظلة من الإفلات من العقاب» لمخططات تمويل غير نظامية واسعة النطاق استنزفت خزائن الدولة.

وتمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، فيما يوفر إنتاجها البالغ نحو 1.4 مليون برميل يوميًا تقريبًا معظم إيرادات الدولة.

ومنذ عام 2024، حسّنت قوات حفتر قدراتها العسكرية، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة، وعززت سيطرتها في شرق البلاد وجنوبها. كما تولى أبناء خليفة حفتر أدوارًا قيادية في مؤسسات معنية بإعادة الإعمار والأمن.

وفي مايو 2025، قتلت قوات تابعة لحكومة الوحدة الوطنية أحد أبرز قادة الميليشيات، ما أدى إلى اندلاع أعمال عنف واحتجاجات في طرابلس. وفي مايو 2026، تجدد القتال بين الميليشيات في مدينة الزاوية الساحلية غرب البلاد. ومع ذلك، لم تتجدد المواجهات العسكرية الكبرى بين الشرق والغرب منذ عام 2020.

الانقسام والوحدة والانتخابات والسياسة الأمريكية

يتوسع الانخراط الأمريكي في ليبيا في سياق لا تزال تحدده الانقسامات الداخلية وهشاشة الوضع الأمني. فقد زارت سفن تابعة للبحرية الأمريكية مناطق في غرب ليبيا وشرقها، كما نظمت القيادة الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» عام 2026 جزءًا من مناوراتها السنوية «فلينتلوك» بالقرب من مدينة سرت.

وانخرط المسؤولون الأمريكيون مع أطراف من مختلف جوانب الانقسام الليبي، من خلال زيارات متكررة إلى البلاد، فضلًا عن استقبال ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية وقوات حفتر في واشنطن العاصمة. وشمل ذلك زيارتين منفصلتين في يونيو 2026 لكل من نائب وزير الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية عبد السلام الزوبي، ونائب قائد قوات حفتر صدام حفتر، نجل خليفة حفتر.

كما عمل المسؤولون الأمريكيون على تعزيز العلاقات التجارية، بما في ذلك اتفاقيات للنفط والغاز أُبرمت عام 2026 مع شركة «شيفرون»، إلى جانب صفقة بقيمة 20 مليار دولار لتحسين الإنتاج مع شركتي «كونوكو فيليبس» و«توتال إنرجيز».

وبالتوازي مع ذلك، تستمر جهود الوساطة التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. فقد اقترحت هانا تيتيه، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا ورئيسة البعثة، خارطة طريق لإجراء الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية، وسعت إلى حشد الدعم الليبي والدولي لها.

وفي يونيو 2026، قدمت تيتيه إحاطة إلى مجلس الأمن بشأن توصيات «الحوار المهيكل» الذي نظمته بعثة الأمم المتحدة، وقالت إن التوصيات «تدعو إلى استعادة مؤسسات دولة موحدة وفعالة وشرعية وخاضعة للمساءلة»، كما تؤكد «الحاجة إلى توافق سياسي واسع بشأن انتخابات وطنية ذات مصداقية، ومن خلال أطر قانونية واضحة، مع توفير الموارد الكافية والحوكمة الفعالة عبر المؤسسات، بما في ذلك قطاع الأمن».

ووصف مسعد بولس السياسة الأمريكية بأنها «متكاملة تمامًا» مع جهود بعثة الأمم المتحدة، معتبرًا المبادرة الأمريكية تحركًا قصير الأجل لتحقيق الاستقرار في البلاد بما يدعم رؤية البعثة الأممية الأطول أمدًا.

في المقابل، يرى بعض المراقبين أن محادثات الوحدة المدعومة من الولايات المتحدة قد تنطوي على خطر زيادة ترسيخ نفوذ النخب الليبية المنقسمة والمتصارعة.

الإرهاب والقوات العسكرية الأجنبية

قُتل أربعة أمريكيين في ليبيا خلال هجمات بنغازي عام 2012، من بينهم السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز.

وتشير تقارير الأمم المتحدة والولايات المتحدة إلى أن التهديدات الإرهابية العابرة للحدود في ليبيا تراجعت بدرجة كبيرة مقارنة بذروتها خلال عامي 2015 و2016 تقريبًا، عندما ساعدت الضربات العسكرية الأمريكية القوات المحلية على هزيمة فرع تابع لتنظيم «داعش».

وسعت مصر وتركيا والإمارات وروسيا وفرنسا وإيطاليا، كل منها بصورة منفصلة، إلى تحقيق مصالح خاصة بها في ليبيا، ما أثر في تحركات ومواقف الجماعات الليبية المختلفة. وفي هذا السياق، حاول المسؤولون الأمريكيون الموازنة بين أهداف واشنطن في ليبيا وأولويات أخرى ضمن العلاقات الثنائية مع هذه الدول.

كما سعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى تشجيع خروج القوات العسكرية الأجنبية والمرتزقة من ليبيا. وأعرب مسؤولون أمريكيون عن قلقهم بشأن الوجود الروسي في البلاد منذ عام 2018، بما في ذلك تقارير عن نقل أفراد روس ومنظومات أسلحة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات حفتر في شرق ليبيا وجنوبها.

ومنذ عام 2024، أفادت تقارير بأن ليبيا أصبحت مركزًا لوجستيًا متناميًا للعمليات الروسية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل. كما ورد أن المناطق الخاضعة لسيطرة قوات حفتر استُخدمت ممرًا لتقديم الدعم إلى قوات الدعم السريع في السودان المجاور.

وفي المقابل، قام مستشارون عسكريون أتراك بتدريب القوات الموجودة في غرب ليبيا ومساعدتها، مع تعاون تركيا في بعض الأحيان أيضًا مع قوات حفتر.

هيئات الأمم المتحدة والعقوبات الأممية والأمريكية

مدد مجلس الأمن الدولي تفويض بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حتى أكتوبر 2026.

كما فرض مجلس الأمن حظرًا على توريد الأسلحة إلى ليبيا، إلى جانب عقوبات مالية وقيود على السفر تستهدف الكيانات التي تهدد السلام في البلاد، أو تقوض عملية الانتقال السياسي، أو تدعم أطرافًا تقوم بذلك. ويتناول قرار مجلس الأمن رقم 2819 لعام 2026 حظر الأسلحة وصادرات النفط غير المشروعة.

وفي فبراير 2026، مدد الرئيس ترامب لمدة عام حالة الطوارئ الوطنية المتعلقة بليبيا، والمشار إليها في الأمرين التنفيذيين 13566 و13726، اللذين يتيحان فرض عقوبات أمريكية مماثلة.

وقد أدت عقوبات الأمم المتحدة إلى تجميد عشرات المليارات من الدولارات من أصول الدولة الليبية في الخارج، التي تعود إلى عهد القذافي، فيما سعى الليبيون إلى الوصول إلى هذه الأصول وإيجاد ترتيبات تسمح بإدارتها.

الهجرة

لا تزال ليبيا نقطة عبور رئيسة للهجرة غير النظامية باتجاه أوروبا، فيما يظل المهاجرون عرضة للابتزاز والاحتجاز والعنف الجنسي وغيره من الانتهاكات.

وفي عام 2026، أحصت وكالات الأمم المتحدة أكثر من 936 ألف مهاجر أجنبي، ونحو 113 ألف لاجئ وطالب لجوء في ليبيا، معظم أفراد الفئة الأخيرة من الوافدين الجدد من السودان منذ عام 2023.

وأفادت وزارة الخارجية الأمريكية عام 2025 بأن «الجماعات المسلحة والميليشيات والشبكات الإجرامية اخترقت المستويات الإدارية في الحكومة وانخرطت في أنشطة غير مشروعة، من بينها الاتجار بالبشر».

القضايا المطروحة أمام الكونغرس الـ119

خصص الكونغرس الأمريكي، خلال الفترة من 2011 إلى 2024، تمويلًا لدعم عملية الانتقال السياسي والاستقرار والمساعدات الأمنية والبرامج الإنسانية في ليبيا.

وفي عام 2025، أنهت إدارة ترامب بعض البرامج التي كانت تُنفذ في إطار خطة مدتها عشر سنوات خاصة بليبيا، وُضعت في مارس 2023 بموجب «قانون الهشاشة العالمية».

وفي الوقت نفسه، استمرت مساعدات برنامج «التعليم والتدريب العسكري الدولي» (IMET)، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الوحدة بين الضباط العسكريين المنتمين إلى القوات في غرب ليبيا وشرقها.

ومنذ عام 2014، عمل المسؤولون الأمريكيون من خلال «المكتب الخارجي لشؤون ليبيا» في السفارة الأمريكية بتونس. كما أتاح الكونغرس تمويلًا لإنشاء منشأة مؤقتة في طرابلس لدعم العمليات الدبلوماسية والتنقل، تمهيدًا لاستئناف عمليات السفارة الأمريكية في نهاية المطاف.

وقد يمارس الكونغرس دوره الرقابي على سياسة الإدارة الأمريكية تجاه ليبيا، و/أو يسعى إلى التأثير في توجهاتها، بما يشمل قضايا المساعدات، والانخراط مع قوات حفتر وغيرها من الأطراف، والتعاون الأمني، والعلاقات التجارية، والأصول الليبية المجمدة، ومستقبل الوجود الدبلوماسي الأمريكي في البلاد.

المصدر: نُشر هذا المقال عن «خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي» (Congressional Research Service – CRS).