العراق بين ضغوط الجغرافيا السياسية وإكراهات التوازن: هل ينجح في إعادة تعريف موقعه الإقليمي؟
لم يكن العراق يوماً دولة عادية في معادلات الشرق الأوسط، فمنذ تأسيس الدولة الحديثة، ظل موقعه الجغرافي وثروته النفطية وتكوينه الاجتماعي والسياسي عوامل جعلته ساحة تفاعل وصراع بين القوى الإقليمية والدولية. واليوم، وبعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي الذي أعاد تشكيل النظام السياسي العراقي، يجد العراق نفسه مرة أخرى عند مفترق طرق استراتيجي، حيث تتقاطع الضغوط الأمريكية مع النفوذ الإيراني والطموحات التركية والتحولات الإقليمية المتسارعة.
وجاء وصول علي الزيدي إلى رئاسة الوزراء في مايو 2026 ليضع هذه التحديات أمام اختبار جديد، إذ لا يرث الزيدي يرث فقط ملفات اقتصادية وأمنية معقدة، بل يتسلم أيضاً دولة تحاول إعادة تعريف دورها الإقليمي في بيئة استراتيجية تتغير بسرعة غير مسبوقة.
وتكشف التطورات العراقية الراهنة عن معضلة مركزية تتمثل في الفجوة بين مفهوم الدولة السيادية وبين موازين القوة الفعلية على الأرض، فالعراق يمتلك مؤسسات دستورية وجيشاً وأجهزة أمنية رسمية، لكنه في الوقت ذاته يضم منظومة واسعة من الفاعلين المسلحين الذين يمتلكون مصادر قوة مستقلة نسبياً عن مؤسسات الدولة.
ومنذ الحرب على تنظيم داعش عام 2014، برزت هيئة الحشد الشعبي باعتبارها أحد أهم الفاعلين في المشهد الأمني العراقي، ورغم دمجها رسمياً ضمن مؤسسات الدولة، فإن جزءاً من تشكيلاتها ما زال يحتفظ بعلاقات سياسية وأيديولوجية وعسكرية وثيقة مع إيران.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن هذه الفصائل لم تعد مجرد قضية أمنية، بل أصبحت جزءاً من التوازنات السياسية التي يقوم عليها النظام الحاكم نفسه. ولذلك فإن أي محاولة لتقليص نفوذها أو إخضاعها الكامل لسلطة الدولة لا تمثل تحدياً أمنياً فحسب، بل تهدد بإعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام السياسي العراقي. ومن هنا تبدو قدرة حكومة الزيدي على فرض احتكار الدولة للسلاح مرتبطة بحدود التوافقات السياسية أكثر من ارتباطها بالقدرات الأمنية والعسكرية.
ويلاحظ أنه منذ اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس مطلع عام 2020، تحول العراق بصورة متزايدة إلى إحدى أهم ساحات المواجهة غير المباشرة بين واشنطن وطهران. لكن ما يميز المرحلة الحالية أن العراق لم يعد مجرد مسرح للصراع، بل أصبح جزءاً من الحسابات الاستراتيجية للطرفين؛ فالولايات المتحدة تنظر إليه باعتباره نقطة ارتكاز ضرورية لمنع تمدد النفوذ الإيراني في المشرق العربي، بينما ترى إيران أن الحفاظ على نفوذها داخل العراق يشكل ركناً أساسياً في منظومة الردع الإقليمية التي بنتها خلال العقدين الماضيين.
وقد ازدادت أهمية هذا البعد في ظل المواجهة الأمريكية–الإيرانية الراهنة، والتي أعادت بدورها طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الفصائل المسلحة الموالية لطهران ودورها داخل الدولة العراقية.
وفي هذا السياق، تجد بغداد نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي بحاجة إلى استمرار التعاون الأمني مع الولايات المتحدة لمواجهة التهديدات الإرهابية ودعم قدراتها العسكرية، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع تجاهل النفوذ الإيراني العميق داخل مؤسساتها السياسية والأمنية.
على الجانب الآخر، وفي الوقت الذي تركز فيه التحليلات غالباً على العلاقة العراقية–الإيرانية، تتزايد أهمية البعد التركي في المعادلة العراقية؛ فأنقرة تنظر إلى شمال العراق من منظور أمني بالدرجة الأولى، حيث تعتبر وجود حزب العمال الكردستاني تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ولذلك استمرت العمليات العسكرية التركية داخل الأراضي العراقية لسنوات طويلة رغم اعتراض بغداد المتكرر عليها.
غير أن التحولات الأخيرة، وخاصة إعلان حزب العمال الكردستاني التخلي عن العمل المسلح، قد تفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة التركية–العراقية بصورة مختلفة، تسمح بالانتقال من المقاربة الأمنية الصرفة إلى شراكة اقتصادية واستراتيجية أوسع. ويمتلك هذا التحول أهمية كبيرة بالنسبة للعراق، الذي يسعى إلى تنويع شراكاته الإقليمية وتقليل اعتماده على محور واحد في علاقاته الخارجية.
ورغم تراجع الحديث عن استقلال إقليم كردستان مقارنة بما كان عليه الحال بعد استفتاء عام 2017، فإن الملف الكردي ما زال يمثل أحد أهم التحديات البنيوية للدولة العراقية. فالعلاقات بين أربيل وبغداد لا تزال محكومة بمساعي التفاهمات حول النفط والميزانية وتقاسم الصلاحيات وعدد من الملفات المتنازع عليها، والحال نفسه بالنسبة للمشهد العام بين كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني تضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد.
وفي السنوات الأخيرة، نجحت بغداد تدريجياً في إعادة تعزيز نفوذها على حساب الإقليم من خلال قرارات قضائية واتفاقات مالية وسياسية أعادت جزءاً من السلطات إلى الحكومة الاتحادية. لكن هذه العملية لا تعني بالضرورة انتهاء الإشكالية الكردية، بل تشير إلى انتقالها من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة التفاوض المستمر حول طبيعة العلاقة بين المركز والإقليم.
ورغم التحسن النسبي الذي شهده العراق خلال السنوات الأخيرة، فإن الاقتصاد العراقي لا يزال يمثل الحلقة الأضعف في معادلة الاستقرار الوطني. فالدولة تعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات النفط لتمويل الموازنة العامة، في حين تستمر معدلات النمو السكاني المرتفعة في توليد ضغوط متزايدة على سوق العمل والخدمات العامة.
كما أن توسع التوظيف الحكومي خلال السنوات الماضية خلق نموذجاً اقتصادياً يعتمد على الإنفاق العام أكثر من اعتماده على الإنتاج والاستثمار، ويزداد هذا التحدي خطورة في ظل التقلبات المستمرة في أسعار النفط والاضطرابات الإقليمية التي تؤثر على حركة التجارة والطاقة والاستثمارات. ومن ثم، فإن مستقبل الاستقرار العراقي لن يتحدد فقط بقدرته على إدارة التوازنات الأمنية والسياسية، بل أيضاً بمدى نجاحه في بناء نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً واستدامة.
بعبارة أخرى، تكشف التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين أن نجاح بغداد في الحفاظ على استقرارها النسبي ارتبط دائماً بقدرتها على تجنب الانحياز الكامل لأي محور إقليمي أو دولي. فالعراق يدرك أن الاصطفاف الكامل مع الولايات المتحدة سيؤدي إلى صدام داخلي وإقليمي مع القوى المرتبطة بإيران، كما أن الارتهان الكامل لطهران سيهدد علاقاته مع الغرب والعالم العربي ويقوض فرصه الاقتصادية. ولهذا السبب، تبدو سياسة التوازن الاستراتيجي الخيار الأكثر واقعية أمام القيادة العراقية الحالية، وهي سياسة تقوم على الحفاظ على الشراكة الأمنية مع واشنطن، واستمرار العلاقات السياسية والاقتصادية مع إيران، وتعزيز التعاون مع تركيا ودول الخليج العربي في الوقت ذاته. غير أن نجاح هذه السياسة سيعتمد على قدرة الدولة العراقية على استعادة جزء أكبر من استقلالية القرار الوطني وتقليص تأثير الفاعلين غير الحكوميين على خياراتها الاستراتيجية.
بشكل عام، يقف العراق اليوم أمام مرحلة مفصلية قد تكون من أكثر المراحل حساسية منذ هزيمة تنظيم داعش، فالتحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على مواجهة تهديد أمني محدد أو إدارة أزمة سياسية مؤقتة، بل يتمثل في إعادة بناء مفهوم الدولة نفسها في بيئة إقليمية شديدة الاستقطاب. وبين الضغوط الأمريكية والنفوذ الإيراني والطموحات التركية والتحديات الاقتصادية والانقسامات الداخلية، يجد العراق نفسه أمام اختبار تاريخي يتعلق بقدرته على التحول من ساحة للتنافس الإقليمي إلى فاعل إقليمي يمتلك إرادة مستقلة ورؤية استراتيجية واضحة. وسيكون نجاح أو فشل هذا التحول عاملاً حاسماً ليس فقط في تحديد مستقبل العراق، بل أيضاً في رسم ملامح التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
