تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران
أدت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، إلى وضع العراق أمام معادلة سياسية وأمنية معقدة. فقد وجدت حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد شياع السوداني، التي انتهت ولايتها، نفسها مطالبة بإدارة تداعيات هذا التصعيد الإقليمي الحاد ومحاولة منع امتداده إلى الداخل العراقي. ويأتي ذلك في ظل تنامي نشاط بعض فصائل الحشد الشعبي المقرّبة من إيران، التي قامت بتنفيذ عمليات عسكرية دعماً لطهران، استهدفت خلالها مواقع أمريكية داخل العراق، من بينها القنصلية والقاعدة الاستخباراتية في أربيل بإقليم كردستان، فضلاً عن هجمات طالت منشآت دبلوماسية وعسكرية أمريكية في دول مجاورة مثل السعودية والأردن.
في هذا السياق، أصبح ضبط تحركات الفصائل المسلحة الموالية لإيران مسألة بالغة الأهمية بالنسبة للحكومة العراقية، ليس فقط للحفاظ على الاستقرار الداخلي، بل أيضاً لتجنب إدراج العراق ضمن نطاق الأهداف العسكرية المحتملة للعمليات الأمريكية–الإسرائيلية المشتركة. فعدم السيطرة على هذه الفصائل قد يفتح الباب أمام انتقال الصراع مباشرة إلى الساحة العراقية، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الوضع الأمني والسياسي في البلاد.
كما أن احتمالات توسع دائرة المواجهة قد تنعكس سلباً على العلاقات السياسية بين القوى العراقية المختلفة، ولا سيما بين الفصائل الشيعية المسلحة من جهة، والقوى السياسية الكردية في إقليم كردستان من جهة أخرى. ويزداد هذا التعقيد بالنظر إلى طبيعة العلاقات التي تربط حكومة الإقليم بالولايات المتحدة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني والاستخباراتي، فضلاً عن وجود قنوات تعاون مع إسرائيل. وقد أدى ذلك إلى تصاعد حالة التوتر بين بعض الفصائل العراقية الموالية لإيران وبين القوى السياسية الكردية التي تحافظ على علاقات وثيقة مع واشنطن.
وقد تجلّى هذا التوتر في الهجمات التي استهدفت مدينة أربيل، التي تضم قواعد ومراكز استخبارات أمريكية تشهد مستويات مختلفة من التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وجاءت هذه العمليات في سياق رد فعل من قبل الفصائل المسلحة على ما تعتبره محاولات أمريكية وإسرائيلية لاستغلال وجود جماعات كردية إيرانية معارضة للنظام في طهران، ودفعها لتنفيذ عمليات داخل الأراضي الإيرانية انطلاقاً من مناطق تقع ضمن إقليم كردستان العراق.
ومن المعروف أن أربيل غالباً ما تكون ضمن قائمة الأهداف المحتملة لفصائل الحشد الشعبي في فترات التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. وقد تعرضت المدينة بالفعل لعدة هجمات خلال السنوات التي أعقبت اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني عام 2020. وفي الوقت نفسه، شكّل إقليم كردستان لعقود طويلة ملاذاً لبعض الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، التي تتركز في المناطق الحدودية بين العراق وإيران. وقد كان وجود هذه الجماعات مشروطاً بعدم استخدام أراضي الإقليم لشن عمليات ضد إيران، على غرار القيود التي فُرضت في السابق على نشاط عناصر حزب العمال الكردستاني التركي المصنف تنظيماً إرهابياً.
غير أن التطورات المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية الحالية على إيران أوجدت واقعاً جديداً داخل إقليم كردستان. فهناك مؤشرات على أن واشنطن قد تسعى إلى توظيف بعض القوى الكردية الإيرانية المعارضة كأداة ضغط إضافية على طهران انطلاقاً من الأراضي العراقية. وإذا ما حدث ذلك، فقد يضع إقليم كردستان والعراق بأكمله أمام مخاطر الانزلاق إلى قلب الصراع الإقليمي الدائر.
وعليه، يجد العراق نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد تتداخل فيها مصالح عدة أطراف: الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى جانب حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد. وفي ظل هذه المعادلة المتشابكة، يصبح التحدي الرئيسي أمام بغداد هو كيفية تجنب تحوّل أراضيها إلى ساحة مواجهة مباشرة بين هذه القوى المتنافسة.
سيادة الدولة بين الفصائل الشيعية وإقليم كردستان
منذ تولي مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة العراقية في مايو 2020، مروراً بحكومة محمد شياع السوداني التي انتهت ولايتها في نوفمبر 2025، ظل ملف فرض سيادة الدولة على الفصائل المسلحة الموالية لإيران أحد أكثر التحديات تعقيداً أمام الحكومات العراقية المتعاقبة. وقد تمكن السوداني خلال فترة حكمه من ممارسة قدر محدود من التأثير على بعض تلك الفصائل، الأمر الذي ساعد إلى حد ما في تقليل انعكاسات أنشطتها العسكرية المرتبطة بالصراعات الإقليمية، خاصة خلال المواجهة العسكرية التي اندلعت بين إسرائيل وإيران بدعم أمريكي في يونيو 2025 واستمرت اثني عشر يوماً.
غير أن المعادلة تغيرت بشكل جذري عقب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 28 فبراير 2026، وبدء العمليات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. ففي ظل هذا التطور، لم يعد خيار الحياد مطروحاً بالنسبة للفصائل العراقية الموالية لطهران، إذ تنظر هذه الفصائل إلى المشاركة في دعم إيران باعتبارها واجباً سياسياً وأيديولوجياً، خاصة في ظل المكانة الرمزية التي يحظى بها خامنئي لدى قطاع واسع من الشيعة في العراق. كما ترى تلك الفصائل أن استهداف القيادة الإيرانية ومحاولات تقويض نظام «ولاية الفقيه» تمثل تهديداً مباشراً للمنظومة السياسية الشيعية التي نشأت في العراق بعد عام 2003، وهو ما يدفعها إلى توسيع عملياتها ضد المصالح الأمريكية في المنطقة.
في هذا السياق، أصبحت مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان، أحد الأهداف الرئيسية لهجمات الفصائل المسلحة، نظراً لما تمثله من رمز للتعاون الأمني والسياسي بين حكومة الإقليم وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل. وتشير التقديرات إلى أن مستوى التوتر بين الفصائل الشيعية وإقليم كردستان مرشح للتصاعد خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا سمحت حكومة الإقليم لواشنطن باستخدام الأراضي الكردية لتدريب أو تنظيم عناصر من الأكراد الإيرانيين المعارضين للنظام في طهران، بهدف توظيفهم في عمليات عسكرية محتملة عبر الحدود العراقية-الإيرانية.
كما أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يزيد من حدة التصعيد، خصوصاً مع تزايد عمليات الاستهداف والاغتيالات التي تنسبها الفصائل إلى إسرائيل ضد عناصرها. فقد أشارت تقارير إلى وقوع عمليات اغتيال في الثالث من مارس 2026 قرب الحدود السورية-العراقية، إضافة إلى تصريحات صادرة عن قيادات في بعض الفصائل، مثل حركة النجباء، تحدثت عن مقتل عناصر تابعة لها في الثامن من الشهر نفسه نتيجة عمليات إسرائيلية.
وفي تطور آخر يعكس اتساع دائرة الصراع، اتجهت الولايات المتحدة إلى استثمار وجود جماعات كردية إيرانية معارضة للنظام في طهران داخل إقليم كردستان العراق، خاصة عناصر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني المتمركزة قرب الحدود الإيرانية في محافظة السليمانية. وقد تجسد هذا التوجه في اتصال جرى مطلع مارس 2026 بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقيادات الأحزاب الكردية في الإقليم، وهو ما أثار رد فعل حاداً من جانب الحرس الثوري الإيراني، الذي وجّه تحذيرات شديدة لتلك الجماعات وقام بقصف مواقعها داخل إقليم كردستان، إلى جانب استهداف مواقع أمريكية في أربيل.
وفي المقابل، أعلنت خمس تنظيمات كردية إيرانية مسلحة في نهاية فبراير 2026 تشكيل تحالف عسكري يهدف إلى إسقاط النظام الإيراني، مع الإشارة إلى أن عملياتها قد تنطلق من مناطق داخل إقليم كردستان باتجاه غرب إيران.
وتجدر الإشارة إلى أن بغداد وطهران كانتا قد وقعتا في مارس 2023 اتفاقاً أمنياً يهدف إلى ضبط الحدود المشتركة ونزع سلاح الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة، ومنع استخدامها للأراضي العراقية كنقطة انطلاق لعمليات ضد إيران. غير أن قدرة الحكومة العراقية على تنفيذ هذا الاتفاق داخل إقليم كردستان واجهت عقبات عدة، ترتبط بطبيعة العلاقة المعقدة بين بغداد وأربيل، فضلاً عن وجود ملفات سياسية واقتصادية عالقة بين الطرفين، من بينها قضية تصدير نفط الإقليم، وإدارة المناطق المتنازع عليها، وحصة الإقليم من الموازنة الاتحادية.
توظيف الورقة الكردية الإيرانية عبر إقليم كردستان
شهد مطلع مارس 2026 تحركاً سياسياً لافتاً تمثل في تواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قيادات الأحزاب الكردية في إقليم كردستان العراق، في محاولة لاستطلاع موقف حكومة الإقليم من إمكانية استخدام أراضيه كمنصة لوجستية للتواصل مع الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران. ويقوم هذا التصور على تحويل إقليم كردستان إلى نقطة ارتكاز لعمليات التدريب والتسليح لهذه الجماعات تمهيداً لإرسالها إلى داخل الأراضي الإيرانية، الأمر الذي قد يجعل الإقليم في حال تحقق هذا السيناريو جزءاً من ساحة الصراع المباشر، ويضعه ضمن قائمة الأهداف المحتملة للرد العسكري الإيراني.
على المستوى الميداني، بدأت مؤشرات هذا التوجه في الظهور من خلال ضربات عسكرية استهدفت مناطق على الحدود العراقية – الإيرانية تنتشر فيها قوات من فصائل الحشد الشعبي. ويُنظر إلى هذه العمليات باعتبارها محاولة لتهيئة البيئة العملياتية أمام الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة للتحرك نحو الداخل الإيراني انطلاقاً من أراضي إقليم كردستان العراق.
ويتقاطع هذا المسار مع التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة في المنطقة، لاسيما الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من شمال شرق سوريا، والذي بدأ في يناير 2026 وانتهى بإعادة انتشار هذه القوات في إقليم كردستان العراق. وقد أدى هذا الانتشار الجديد إلى تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في أربيل، وهو ما يفرض بدوره قيوداً إضافية على قدرة الحكومة الاتحادية في بغداد على إدارة علاقتها مع حكومة الإقليم أو فرض سيطرتها على بعض الملفات الخلافية بين الطرفين.
في ضوء هذه التطورات، يبرز تساؤل أساسي حول الدوافع التي تقف وراء توجه واشنطن إلى توظيف الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة كأداة ضغط ضد النظام في طهران. وتشير تقارير إعلامية غربية إلى أن هذا التوجه يحظى بدعم من بعض دوائر الاستخبارات الأمريكية، التي ترى فيه وسيلة لتحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية.
أول هذه الأهداف يتمثل في محاولة تحفيز اضطرابات داخلية داخل إيران. فبعد مرور فترة على بدء العمليات العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية المشتركة ضد طهران في أواخر فبراير 2026 دون تحقيق حسم سريع، بدأت واشنطن في البحث عن أدوات إضافية يمكن أن تسهم في إضعاف النظام الإيراني من الداخل. وفي هذا السياق، يُنظر إلى دعم جماعات مسلحة تعمل داخل الأراضي الإيرانية باعتباره وسيلة لاستنزاف القدرات العسكرية الإيرانية وإرباك الأجهزة الأمنية، بما قد يفتح المجال أمام تصاعد الاحتجاجات الداخلية.
أما الهدف الثاني فيتعلق بإمكانية إنشاء منطقة عازلة على طول الحدود العراقية – الإيرانية. ويُعد هذا السيناريو من أكثر الطروحات حساسية، إذ قد يؤدي إلى نشوء كيان كردي إيراني شبه مستقل في تلك المنطقة على غرار تجربة إقليم كردستان العراق. مثل هذا التطور قد يثير مخاوف إقليمية واسعة، خاصة لدى تركيا التي تعارض بشدة أي مشروع قد يقود إلى قيام كيان كردي جديد في المنطقة يمكن أن يشجع النزعات الانفصالية.
كما يمكن أن يؤدي إنشاء منطقة من هذا النوع إلى تحقيق هدف استراتيجي آخر يتمثل في قطع خطوط الإمداد بين إيران والفصائل المسلحة الموالية لها في العراق. فوجود منطقة نفوذ معادية لطهران على الحدود المشتركة قد يحد من قدرة إيران على تقديم الدعم اللوجستي والعسكري لحلفائها داخل العراق. بل إن بعض التقديرات تذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن مثل هذه المنطقة قد تتحول مستقبلاً إلى خط دفاع متقدم يخدم المصالح الأمنية الإسرائيلية في المنطقة.
الهدف الثالث المحتمل يتمثل في إضعاف نفوذ الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران في المناطق الحدودية. فوجود جماعات كردية إيرانية مسلحة في هذه المنطقة قد يؤدي إلى خلق بؤرة توتر دائمة بين هذه الجماعات وبين فصائل الحشد الشعبي، الأمر الذي قد يضعف سيطرة بغداد على حدودها الشمالية والشرقية ويجعل الوضع الأمني في تلك المناطق أكثر هشاشة.
وقد شهدت المنطقة بالفعل مؤشرات أولية على هذا المسار، حيث نفذت إسرائيل ضربات جوية في مطلع مارس 2026 على مواقع قرب الحدود العراقية – الإيرانية. ويُعتقد أن هذه العمليات كانت تهدف إلى تمهيد الطريق أمام تحركات الجماعات الكردية الإيرانية داخل الأراضي الإيرانية، غير أن قوات الحرس الثوري الإيراني تمكنت من إحباط هذه المحاولات في مراحلها الأولى.
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن إقليم كردستان العراق قد يتحول إلى نقطة ارتكاز رئيسية في الصراع الإقليمي الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وهو ما يضع العراق أمام تحدٍ استراتيجي جديد يتمثل في كيفية تجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة قد تمتد تداعياتها إلى الداخل العراقي نفسه.
تحديات توظيف الورقة الكردية الإيرانية
على الرغم من الاهتمام الأمريكي بإمكانية توظيف الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران ضمن سياق المواجهة الحالية، فإن هذا الخيار يواجه مجموعة من العقبات السياسية والأمنية التي قد تحد من فاعليته أو تؤخر نتائجه.
أولى هذه العقبات تتعلق بوجود حالة من الحذر لدى بعض الفصائل الكردية الإيرانية تجاه الاعتماد الكامل على الدعم الأمريكي. ويستند هذا الحذر إلى تجارب سابقة في المنطقة، أبرزها تجربة قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا، التي وجدت نفسها خلال الأشهر الأخيرة أمام تراجع واضح في مستوى الدعم الأمريكي بعد سنوات من التعاون العسكري في مواجهة تنظيم «داعش». وقد دفع هذا التطور تلك القوات إلى البحث عن ترتيبات جديدة مع الدولة السورية، بما في ذلك سيناريوهات الدمج العسكري ضمن مؤسساتها الأمنية. ومن ثم، فإن استعداد الجماعات الكردية الإيرانية للدخول في مواجهة واسعة مع النظام في طهران سيظل مرتبطاً بحجم الضمانات السياسية والعسكرية التي قد تقدمها واشنطن، إضافة إلى حجم الموارد التي يتطلبها هذا الدعم من تدريب وتسليح ومساندة استخباراتية.
أما التحدي الثاني فيرتبط بالحسابات الإقليمية المعقدة واحتمالات توسع نطاق الصراع. فإدخال العامل الكردي الإيراني إلى معادلة الحرب قد يؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدود إيران والعراق، خاصة في ظل وجود أقليات كردية فاعلة في كل من تركيا وسوريا. وقد يفتح هذا الاحتمال الباب أمام تصاعد توترات ذات طابع قومي أو إثني في المشرق العربي، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع دائرة النزاع الإقليمي بدلاً من احتوائه.
التحدي الثالث يتصل بالوضع الداخلي في العراق واحتمالات انعكاس هذا المسار على العلاقات بين القوى السياسية الكردية والشيعية. فاستضافة أو دعم إقليم كردستان للجماعات الكردية الإيرانية قد يضعه في مواجهة مباشرة مع الفصائل المسلحة الموالية لإيران داخل العراق، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد أمني في مناطق الإقليم. كما أن هذا التطور قد يزيد من التوتر السياسي بين القوى الشيعية المنضوية في «الإطار التنسيقي» وبين الأحزاب الكردية الرئيسية، وهو توتر قد يمتد إلى المؤسسات الدستورية العراقية ويؤثر في التوازنات السياسية القائمة، سواء في ما يتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية – الذي يشغله تقليدياً مرشح كردي – أو في عملية تشكيل الحكومات التي تقودها القوى الشيعية.
كما قد تتفاقم الأزمة إذا ما شاركت قوات تابعة لإقليم كردستان بصورة مباشرة في عمليات ضد إيران، مثل قوات البيشمركة أو وحدات الكوماندوز الكردية أو قوات مكافحة الإرهاب التابعة للإقليم، وهي قوات سبق أن لعبت دوراً مهماً في العمليات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» خلال الفترة بين عامي 2014 و2017. ورغم أن انخراط الإقليم رسمياً في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة يظل احتمالاً معقداً بسبب ارتباطه بالدولة العراقية ضمن إطار فيدرالي، فإن ذلك لا يستبعد إمكانية تقديم دعم غير مباشر عبر تسهيلات لوجستية أو استخباراتية، أو من خلال السماح باستخدام القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة داخل الإقليم.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن توظيف الورقة الكردية الإيرانية عبر إقليم كردستان العراق، رغم المحاولات التي ظهرت خلال الفترة الأخيرة، لا يبدو خياراً قادراً على إحداث تغيير سريع في موازين الصراع أو إسقاط النظام الإيراني في المدى القريب. ومع ذلك، قد يؤدي هذا المسار إلى نشوء نمط جديد من المواجهة يقوم على استنزاف القوات الإيرانية في المناطق الحدودية مع العراق، مستفيداً من العمق الجغرافي الذي يوفره إقليم كردستان ومن أشكال الدعم اللوجستي التي قد تُقدم بصورة غير معلنة.
غير أن هذا السيناريو قد يقود في المقابل إلى تصعيد مستمر من قبل الفصائل المسلحة الموالية لإيران داخل العراق ضد الإقليم، الأمر الذي قد ينعكس بدوره على التوازنات السياسية الهشة داخل البلاد. وفي حال استمرار هذا المسار، قد يجد العراق نفسه أمام مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي والأمني، خاصة في ظل التنافس بين القوى الشيعية المرتبطة بالإطار التنسيقي من جهة، والقوى السياسية الكردية الرئيسية – وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني – من جهة أخرى.
وعليه، فإن استمرار الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران قد يدفع العراق إلى مواجهة منعطف استراتيجي حاسم، تتحدد على أساسه طبيعة توازناته السياسية الداخلية وموقعه ضمن خريطة الصراعات الإقليمية في المرحلة المقبلة.
