هل انتقلت بروكسل من سياسة احتواء روسيا إلى استراتيجية الاستنزاف الطويل؟
بينما تتعثر مسارات التفاوض بين موسكو وكييف، وتتراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية قريبة للحرب الأوكرانية، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو مرحلة جديدة في مقاربته للصراع، عنوانها الرئيس ليس تحقيق اختراق دبلوماسي سريع، وإنما تعظيم كلفة الحرب على روسيا وإطالة أمد الضغوط الاقتصادية والاستراتيجية عليها. وفي هذا السياق جاءت الحزمة الأوروبية الجديدة من العقوبات التي كشفت عنها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، لتؤشر إلى تحول نوعي في فلسفة العقوبات الغربية، سواء من حيث طبيعة الأهداف المستهدفة أو الرسائل السياسية التي تسعى بروكسل إلى إيصالها.
فبعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، لم تعد العقوبات الأوروبية تستهدف فقط تقليص الموارد المالية التي تمول المجهود الحربي الروسي، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بروسيا، وإضعاف قدرتها على تحويل المكاسب العسكرية إلى نفوذ سياسي طويل الأمد.
من معاقبة الدولة إلى معاقبة منظومة الحرب
يكشف المقترح الأوروبي الجديد عن تطورات لافتة في طبيعة العقوبات الغربية. ففي المراحل الأولى للحرب ركزت العقوبات على مؤسسات الدولة الروسية والبنوك والطاقة والتكنولوجيا، أما اليوم فإن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى استهداف ما يمكن وصفه بـ"منظومة الحرب الروسية" بكل مكوناتها البشرية والاقتصادية واللوجستية.
وتجسد فكرة منع جميع الجنود الروس المشاركين في الحرب من دخول منطقة شنغن هذا التحول بوضوح. فالإجراء لا يحمل قيمة عملية كبيرة على المستوى العسكري، لكنه يكتسب أهمية رمزية واستراتيجية عالية، لأنه يوجه رسالة مفادها أن المشاركة في الحرب لن تترتب عليها فقط تداعيات ميدانية أو قانونية، بل ستنتج عزلة طويلة المدى للأفراد المرتبطين بها.
وبذلك تنتقل أوروبا من معاقبة الدولة الروسية إلى محاولة إنتاج تكلفة اجتماعية وسياسية مستدامة للحرب داخل المجتمع الروسي نفسه، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً بأن تغيير الحسابات الاستراتيجية للكرملين يتطلب التأثير على البيئة الداخلية الحاضنة للحرب، وليس فقط على القدرات الاقتصادية للدولة.
معركة النفط: السلاح الاقتصادي الأكثر تأثيراً
رغم تعدد عناصر الحزمة الجديدة، يبقى ملف النفط هو القلب الحقيقي للمواجهة الاقتصادية بين روسيا والغرب.
فالنفط لا يزال يمثل أحد أهم مصادر الإيرادات التي تسمح لموسكو بتمويل عملياتها العسكرية وتحمل أعباء العقوبات الغربية. ومنذ عام 2022 سعت الدول الغربية إلى خلق معادلة دقيقة تقوم على السماح باستمرار تدفق النفط الروسي إلى الأسواق العالمية لمنع حدوث أزمة طاقة عالمية، مع تقليص العوائد المالية التي تجنيها موسكو من هذه الصادرات.
لكن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، وخاصة الاضطرابات التي شهدها الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، كشفت هشاشة هذه المعادلة. فقد أدى ارتفاع أسعار النفط إلى احتمال تحقيق روسيا مكاسب مالية إضافية رغم استمرار العقوبات، الأمر الذي دفع المفوضية الأوروبية إلى اقتراح تجميد آلية مراجعة سقف الأسعار حتى عام 2027.
ويعكس هذا القرار إدراكاً أوروبياً بأن الصراع الاقتصادي مع روسيا أصبح مرتبطاً بصورة متزايدة بالتطورات الجيوسياسية العالمية. فكل أزمة في الشرق الأوسط أو اضطراب في أسواق الطاقة قد تمنح موسكو هامشاً مالياً إضافياً يقلل من فعالية العقوبات الغربية.
ومن هنا يمكن فهم القرار الأوروبي باعتباره محاولة لمنع روسيا من الاستفادة من المتغيرات الخارجية التي لا ترتبط مباشرة بالحرب الأوكرانية.
أسطول الظل: الحرب الخفية على العقوبات
أحد أكثر الجوانب أهمية في الحزمة الجديدة يتمثل في التركيز على ما يعرف بـ"أسطول الظل"، وهو شبكة واسعة من الناقلات والوسطاء والشركات التي مكنت روسيا خلال السنوات الماضية من الالتفاف على القيود الغربية.
لقد أثبتت التجربة أن فعالية العقوبات لا تتوقف فقط على قوة الإجراءات القانونية، بل أيضاً على القدرة على سد الثغرات التي تسمح بالتحايل عليها. ومن هذا المنطلق، تسعى بروكسل إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل ليس فقط السفن، بل أيضاً البنية التحتية المالية واللوجستية المرتبطة بها من موانئ ومصافي وشركات وسيطة.
ويعكس ذلك انتقال الاتحاد الأوروبي من مرحلة فرض العقوبات إلى مرحلة إدارة العقوبات، وهي مرحلة أكثر تعقيداً تتطلب استهداف الشبكات الموازية التي تشكل اقتصاداً خفياً موازياً للعقوبات الرسمية.
حدود القوة الأوروبية
ورغم الخطاب الأوروبي الحازم، تكشف المناقشات الجارية داخل الاتحاد عن وجود فجوة بين الطموحات السياسية والقدرات التنفيذية.
فالتراجع عن مشروع الحظر البحري الشامل على النفط الروسي يبرز حجم التباينات داخل المعسكر الغربي. إذ تخشى بعض الدول الأوروبية، وخاصة اليونان ومالطا، من أن يؤدي تشديد القيود البحرية إلى الإضرار بمصالحها الاقتصادية، بينما تفضل دول أخرى الحفاظ على التنسيق مع مجموعة السبع وعدم الانفراد بخطوات قد تضعف التوافق الغربي.
ويعكس هذا الواقع معضلة أعمق تواجه أوروبا منذ بداية الحرب، تتمثل في كيفية تحقيق أقصى قدر من الضغط على روسيا دون الإضرار بالمصالح الاقتصادية للدول الأوروبية نفسها.
فكلما طالت الحرب ازدادت كلفة العقوبات على جميع الأطراف، وهو ما يفسر الحذر الأوروبي المتزايد في تبني إجراءات قد تؤدي إلى اضطرابات جديدة في أسواق الطاقة أو التجارة الدولية.
العقوبات ومسار التفاوض
تأتي الحزمة الجديدة في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزامن مع محاولات متجددة لإحياء المسار التفاوضي بين موسكو وكييف.
ومن هذا المنظور، لا تبدو العقوبات مجرد أداة اقتصادية، بل وسيلة ضغط سياسية تهدف إلى تحسين شروط التفاوض بالنسبة لأوكرانيا وحلفائها الغربيين. فبروكسل تراهن على أن استمرار الضغوط الاقتصادية سيؤدي تدريجياً إلى تقليص هامش المناورة الروسي ودفع الكرملين نحو إبداء قدر أكبر من المرونة السياسية.
غير أن هذا الرهان لا يخلو من المخاطر. فالتجارب السابقة أظهرت أن الأنظمة التي تخوض حروباً وجودية غالباً ما تكون أكثر قدرة على تحمل الضغوط الاقتصادية مما تتوقعه الأطراف الخارجية. كما أن موسكو نجحت خلال السنوات الماضية في إعادة توجيه جزء كبير من تجارتها نحو آسيا والشرق الأوسط، ما خفف نسبياً من تأثير العقوبات الغربية.
لذلك فإن فعالية العقوبات الجديدة ستظل مرتبطة ليس فقط بحجمها، وإنما أيضاً بمدى قدرة الغرب على الحفاظ على وحدة موقفه السياسي، ومنع ظهور قنوات بديلة تسمح لروسيا بالالتفاف عليها.
أوروبا واستراتيجية الاستنزاف الطويل
تكشف الحزمة الأوروبية الحادية والعشرون أن بروكسل لم تعد تتعامل مع الحرب الأوكرانية باعتبارها أزمة مؤقتة يمكن احتواؤها خلال أشهر، بل كصراع طويل الأمد قد يستمر سنوات إضافية.
ومن هنا يبدو أن الاتحاد الأوروبي ينتقل تدريجياً من استراتيجية الاحتواء إلى استراتيجية الاستنزاف، أي السعي إلى إضعاف القدرة الروسية على مواصلة الحرب عبر تراكم الضغوط الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والسياسية بمرور الوقت.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية: أولها قدرة أوروبا على الحفاظ على الإجماع الداخلي رغم تباين مصالح الدول الأعضاء؛ وثانيها استمرار التنسيق مع الولايات المتحدة ومجموعة السبع؛ وثالثها قدرة الاقتصاد الروسي على التكيف مع بيئة العقوبات المتزايدة.
وفي المحصلة، لا تمثل العقوبات الجديدة مجرد جولة إضافية من الضغط على موسكو، بل تعكس دخول الحرب الأوكرانية مرحلة أكثر تعقيداً، باتت فيها المعركة الاقتصادية جزءاً لا يقل أهمية عن المعركة العسكرية. وفي هذه المرحلة، لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كانت العقوبات ستؤلم روسيا، بل ما إذا كانت قادرة على تغيير الحسابات الاستراتيجية للكرملين قبل أن تتغير موازين القوى على الأرض.
