بث تجريبي

أرمينيا بين الانفتاح الأوروبي وإعادة التموضع في جنوب القوقاز

تحليلات - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

أرمينيا بين الانفتاح الأوروبي وإعادة التموضع في جنوب القوقاز

لم تعد التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية الأرمينية مجرد رد فعل على نتائج حرب إقليم حرب ناغورنو كاراباخ 2020 أو انعكاسًا لتراجع الثقة في المظلة الأمنية الروسية، بل أصبحت تمثل مشروعًا متكاملًا لإعادة تعريف موقع أرمينيا الجيوسياسي داخل منظومة جنوب القوقاز. فالتطورات الأخيرة، التي تراوحت بين تعميق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، واستمرار الحوار الحذر مع روسيا، وتعزيز الانخراط في المؤسسات الأوروبية والدولية، تكشف أن يريفان تسعى إلى بناء سياسة خارجية أكثر استقلالًا، تقوم على تنويع الشراكات بدل الارتهان لمحور واحد.

في هذا السياق، تبدو الحكومة بقيادة نيكول باشينيان وكأنها تخوض عملية إعادة تموضع استراتيجية تدريجية، تراعي موازين القوى الإقليمية دون الذهاب إلى قطيعة كاملة مع موسكو، وفي الوقت ذاته تستثمر الانفتاح الأوروبي لتقليص الاعتماد الاقتصادي والأمني على روسيا.

أولًا: التحول من الاعتماد الأحادي إلى سياسة تنويع الشركاء

شهدت العلاقات الأرمينية-الروسية خلال السنوات الأخيرة تراجعًا غير مسبوق، بعدما اهتزت قناعة النخبة السياسية الأرمينية بقدرة روسيا على توفير الضمانات الأمنية التقليدية، خاصة بعد التطورات العسكرية في ناغورنو كاراباخ، وما اعتبرته يريفان غيابًا روسيًا عن حماية مصالحها الاستراتيجية.

ومن هنا، بدأت أرمينيا في تبني استراتيجية تقوم على تنويع الشركاء الدوليين بدل استبدال شريك بآخر؛ فالتقارب مع الاتحاد الأوروبي لا يعني بالضرورة الانضمام إلى معسكر مناهض لروسيا، وإنما يمثل محاولة لبناء هامش أوسع من الاستقلال في القرار الوطني، عبر توزيع الاعتماد الاقتصادي والسياسي على أكثر من طرف.

ويفسر هذا النهج استمرار باشينيان في التأكيد على أهمية عضوية بلاده في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، بالتزامن مع استمرار خطوات التقارب مع الاتحاد الأوروبي، رغم إدراكه أن موسكو تعتبر المسارين متعارضين استراتيجيًا.

فالحزمة الأوروبية الأخيرة تكشف عن تحول نوعي في فلسفة الحضور الأوروبي داخل أرمينيا، ذلك أن التمويل الأوروبي الجديد، الذي يشمل نحو 18 مليون يورو لدعم تنويع التجارة، ليس مجرد دعم اقتصادي، بل يمثل أداة لإعادة هيكلة اتجاهات الاقتصاد الأرميني بعيدًا عن السوق الروسية. ويبرز ذلك بوضوح في الخطط الأوروبية الهادفة إلى فتح السوق الأوروبية أمام الجزء الأكبر من الصادرات الزراعية الأرمينية، وتقليص الاعتماد على السوق الروسية في المنتجات الغذائية والمشروبات، وإنشاء مؤسسات وطنية لتعزيز الصادرات، بالإضافة لإرسال خبراء أوروبيين لمرافقة الشركات الأرمينية في عملية الاندماج بالسوق الأوروبية.

ويعكس هذا النهج انتقال الاتحاد الأوروبي من سياسة "تقديم المساعدات" إلى سياسة "إعادة تشكيل البنية الاقتصادية"، بما يخلق ارتباطًا مؤسسيًا طويل الأمد بين الاقتصاد الأرميني والمنظومة الأوروبية. ومن منظور استراتيجي، فإن إعادة توجيه التجارة تمثل أحد أهم أدوات تقليص النفوذ الروسي، لأن موسكو لطالما استخدمت الاعتماد التجاري وسيلة ضغط سياسية، كما ظهر في القيود التي فرضتها على الواردات الغذائية الأرمينية خلال الفترة التي سبقت الانتخابات البرلمانية.

ثالثًا: إزالة الألغام... البعد الأمني للدور الأوروبي

قد تبدو المساعدة الأوروبية الخاصة بإزالة الألغام ذات طبيعة إنسانية، لكنها تحمل في الواقع أبعادًا استراتيجية أوسع؛ فالدعم الأوروبي يشمل معدات متطورة لإزالة الألغام عن بعد، وتدريب الكوادر المحلية، وتجهيزات السلامة، ودعم عمليات ترسيم الحدود مع أذربيجان. وهذا يعني أن الاتحاد الأوروبي بات يشارك بصورة غير مباشرة في أحد أكثر الملفات الأمنية حساسية في جنوب القوقاز، وهو ملف ترسيم الحدود بعد سنوات الصراع.

كما أن مساهمة أوروبا في إزالة الألغام تمنحها حضورًا ميدانيًا داخل المناطق الحدودية، وهو تطور كانت روسيا تحتكره لعقود باعتبارها الضامن الأمني الرئيسي في المنطقة. بذلك، يتحول الدور الأوروبي تدريجيًا من "فاعل اقتصادي" إلى "شريك في بناء الأمن"، حتى وإن ظل بعيدًا عن تقديم ضمانات دفاعية مباشرة.

اللافت في اللقاء الذي جمع باشينيان برئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين أنه عكس تحولًا في المقاربة الروسية؛ فبعد مرحلة اتسمت باستخدام أدوات الضغط الاقتصادي والإعلامي، بدا أن موسكو تتجه نحو احتواء القيادة الأرمينية بدل مواصلة التصعيد، ويفسر هذا التحول عدة اعتبارات؛ أولًا، إدراك روسيا أن الضغوط السابقة لم تؤد إلى إضعاف باشينيان، بل انتهت بفوزه الانتخابي. ثانيًا، انشغال موسكو بجبهات استراتيجية أخرى، ما يجعل فتح مواجهة جديدة مع أرمينيا أمرًا مكلفًا. ثالثًا، خشية الكرملين من أن يؤدي التصعيد إلى تسريع انتقال أرمينيا نحو الفضاء الأوروبي بصورة يصعب احتواؤها لاحقًا.

ومع ذلك، فإن الرسائل الروسية لم تخلُ من التحذير، خاصة فيما يتعلق بحماية الاستثمارات الروسية، والاستمرار في احترام التزامات أرمينيا داخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وبعبارة أخرى، فإن موسكو انتقلت من استراتيجية "المعاقبة" إلى استراتيجية "إدارة الخسائر"، في محاولة للإبقاء على الحد الأدنى من النفوذ داخل أرمينيا.

يعتمد باشينيان على معادلة شديدة الحساسية؛ فهو لا يريد خسارة السوق الروسية بصورة مفاجئة، ولا يرغب في التضحية بفرصة الاندماج الأوروبي، كما يدرك أن عضوية الاتحاد الأوروبي لا تزال بعيدة المنال. لذلك، يتبنى سياسة تقوم على الحفاظ على عضوية الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وتعميق التعاون الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي، وتجنب الخطابات العدائية تجاه موسكو، بالإضافة لتوسيع هامش الحركة الدبلوماسية دون إعلان اصطفاف كامل مع الغرب.  وتعكس هذه المقاربة مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي المحدود"، حيث تسعى أرمينيا لتعظيم خياراتها دون استفزاز القوى الكبرى المحيطة بها.

الجدير بالذكر أن الانفتاح الأرميني لا يقتصر على الاقتصاد والأمن، بل يمتد إلى تعزيز الحضور داخل المؤسسات الأوروبية والدولية.

في هذا السياق يأتي إعادة انتخاب سارجيس خاندانيان رئيسًا للجنة الديمقراطية وحقوق الإنسان والشؤون الإنسانية في الجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ليعكس سعي أرمينيا إلى تعزيز حضورها داخل المؤسسات متعددة الأطراف، وتقديم نفسها باعتبارها شريكًا ملتزمًا بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي الرسائل التي تحظى بأهمية خاصة في سياق التقارب مع أوروبا. كما أن اللقاءات التي أجراها نائب رئيس البرلمان الأرميني مع الممثلة الخاصة للاتحاد الأوروبي لشؤون جنوب القوقاز بشأن الأمن الإقليمي وعملية السلام مع أذربيجان تؤكد أن الاتحاد الأوروبي لم يعد وسيطًا اقتصاديًا فحسب، بل أصبح طرفًا سياسيًا فاعلًا في إدارة ملفات المنطقة.

غاية القول إن مجمل المؤشرات تشير إلى أن أرمينيا دخلت مرحلة جديدة من إعادة التموضع الجيوسياسي، تقوم على تقليص الاعتماد الأحادي على روسيا، دون الوصول إلى مرحلة القطيعة معها، وفي الوقت نفسه تعميق الاندماج التدريجي مع الاتحاد الأوروبي اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا. وفي المقابل، يبدو أن روسيا انتقلت من سياسة الضغط المباشر إلى محاولة احتواء هذا التحول، إدراكًا منها أن فقدان أرمينيا بالكامل سيشكل تراجعًا إضافيًا لنفوذها في جنوب القوقاز. وبذلك، لا يتمثل جوهر الصراع الحالي في اختيار أرمينيا بين الشرق والغرب، بقدر ما يتمثل في سعيها إلى إعادة صياغة موقعها داخل بيئة إقليمية متغيرة، بما يمنحها أكبر قدر ممكن من الاستقلالية في اتخاذ القرار، ويقلل من قابلية تعرضها للضغوط الخارجية. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهونًا بقدرة يريفان على إدارة التوازن الدقيق بين شريكين تختلف أولوياتهما ومقارباتهما بصورة جوهرية، في منطقة لا تزال التنافسات الجيوسياسية فيها تتجاوز حدود الاقتصاد والدبلوماسية إلى إعادة تشكيل موازين القوى في جنوب القوقاز بأسره.

Top of Form

Bottom of Form