بث تجريبي

الصحافة الثقافية العربية بين الدور التاريخي وأزمة التهميش

ثقافة - Foresight

من صناعة الوعي إلى الهامش الرقمي

شهدت الصحافة الثقافية العربية خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة أفقدتها كثيرًا من مكانتها التاريخية بوصفها فضاءً لصناعة الوعي العام، ومنصة للنقاش الفكري، وأداة للتأثير السياسي والاجتماعي. فبعد أن كانت الصفحة الثقافية في الصحف العربية مختبرًا للأفكار الكبرى، ومنبرًا للنخب الفكرية والأدبية، تراجعت تدريجيًا إلى هامش المشهد الإعلامي، في ظل هيمنة الإعلام السياسي والترفيهي والرياضي، وتقلص مساحات الحرية، وضعف السياسات الثقافية الرسمية.

ولم يكن هذا التراجع معزولًا عن التحولات الكبرى التي عرفها العالم العربي منذ النصف الثاني من القرن العشرين، حيث انعكست الهزات السياسية والانقلابات والصراعات الداخلية على البنية الثقافية برمتها، فتقلصت ميزانيات الثقافة، وانحسرت أدوار المؤسسات الفكرية، وتراجعت قدرة الصحافة الثقافية على ممارسة دورها النقدي والتنويري. ومع تراجع الثقافة خطوة إلى الوراء، دفعت الصحافة الثقافية الثمن مباشرة، بحكم العلاقة العضوية بين المجالين.

ينطلق التقرير من إشكالية مركزية تتعلق بكيفية انتقال الصحافة الثقافية من موقع الفاعل المؤثر في المجال العام إلى مجرد مساحة خبرية محدودة التأثير. فبعد أن كانت الصحافة الثقافية تناقش الاستعمار والحرية والعدالة والهوية، وتشارك في تشكيل الرأي العام، أصبحت في كثير من الأحيان مجرد صفحات للإعلانات الثقافية أو تغطية المناسبات والمعارض وإصدارات الكتب الجديدة، من دون إنتاج حقيقي للجدل الفكري أو الرأي النقدي.

ويستعيد النص نماذج تاريخية عالمية تؤكد أن الصحافة الثقافية لم تكن يومًا نشاطًا هامشيًا أو ترفًا فكريًا، بل كانت في لحظات تاريخية حاسمة جزءًا من الصراع السياسي والاجتماعي. فالفيلسوف الفرنسي Jean-Paul Sartre استخدم مجلة «الأزمنة الحديثة» لمهاجمة الاستعمار الفرنسي في الجزائر، ما عرضه لحملات تشويه وتهديدات مباشرة. كما تحولت كتابات Albert Camus الصحفية حول أوضاع القبائل الجزائرية إلى صدمة سياسية وأخلاقية للرأي العام الفرنسي. أما Émile Zola فقد لعب بمقاله الشهير «إني أتهم» دورًا مفصليًا في قضية دريفوس، مثبتًا قدرة المقال الثقافي على تغيير مسار العدالة والسياسة معًا.

هذه الأمثلة لا تُستحضر بوصفها سردًا تاريخيًا فقط، بل باعتبارها مؤشرًا على طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه الصحافة الثقافية عندما تتوافر لها الحرية والاستقلالية والقدرة على التأثير. فالمشكلة الأساسية التي يطرحها التقرير ليست في غياب الثقافة بحد ذاتها، بل في فقدان الصحافة الثقافية لوظيفتها النقدية وتحولها إلى صحافة «مروّضة» تتحرك ضمن ما يسمى «المتفق عليه سياسيًا».

لقد أدت الرقابة، والملاحقات، والسجن، والنفي، وتضييق المجال العام في عدد من الدول العربية إلى خلق بيئة إعلامية حذرة، تميل إلى تفادي القضايا الإشكالية أو المثيرة للجدل. ونتيجة لذلك اختفى الرأي من الصفحة الثقافية، واختفى معه الجدل الفكري، لتحل محلّه مواد خبرية سريعة الزوال من قبيل: «صدر كتاب جديد»، أو «افتتح معرض»، أو «أقيمت ندوة». وهكذا فقدت الصحافة الثقافية أحد أهم أدوارها التاريخية: صناعة النقاش العام.

وفي سياق متصل، يلفت التقرير الانتباه إلى أن تراجع الصحافة الثقافية لا يتعلق فقط بالمحتوى، بل أيضًا بوظيفتها في اكتشاف المواهب وصناعة الأسماء الجديدة. فالعديد من كبار الأدباء العرب بدأوا مسيرتهم عبر الصفحات الثقافية، وفي مقدمتهم Naguib Mahfouz، الذي نشرت أعماله الأولى في مجلات ثقافية قبل أن يصبح أول عربي ينال جائزة نوبل في الأدب. وكذلك الحال مع Mahmoud Darwish وEmile Habibi وغيرهما من رموز الأدب العربي الحديث. أما اليوم، فقد تقلصت المساحات المخصصة للنشر الأدبي، واختفت تقريبًا ظاهرة نشر الروايات المتسلسلة أو القصائد الجديدة في الصحف.

ومع صعود الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، ازدادت الأزمة تعقيدًا. فمن جهة، وفرت المنصات الرقمية فضاءات أوسع للنشر والتعبير، لكنها من جهة أخرى ساهمت في تسطيح الخطاب الثقافي وتحويله إلى محتوى سريع الاستهلاك تحكمه الخوارزميات ومنطق المشاهدات والتفاعل الآني. وبذلك لم يعد المثقف أو الصحفي الثقافي فاعلًا مركزيًا في تشكيل الذائقة العامة، بل أصبح ينافس وسط ضجيج رقمي هائل يقدّم الترفيه والإثارة على الفكر والتحليل.

ورغم الصورة القاتمة التي يقدمها التقرير، فإنه لا يخلو من إشارات إلى وجود مؤسسات ومنابر إعلامية ما تزال «تمسك على الجمر»، وتحاول الحفاظ على الحد الأدنى من المهنية والوظيفة النقدية للصحافة الثقافية، إلا أن هذه المحاولات تبقى محدودة ومحفوفة بالمخاطر في ظل بيئة سياسية وثقافية مأزومة.

في المحصلة، يكشف التقرير أن أزمة الصحافة الثقافية العربية ليست أزمة مهنية أو تقنية فقط، بل هي انعكاس مباشر لأزمة أعمق تتعلق بعلاقة الثقافة بالسلطة، وبطبيعة المجال العام العربي، وبقدرة المجتمعات على إنتاج النقاش الحر. فحين تُختزل الثقافة في الفلكلور أو الترفيه، وتُفصل عن سياقاتها الاجتماعية والسياسية، تفقد الصحافة الثقافية دورها التاريخي بوصفها مساحة للوعي والنقد وإعادة طرح الأسئلة الكبرى.

ومن هنا، فإن استعادة دور الصحافة الثقافية لا يمكن أن تتحقق بمجرد زيادة عدد الصفحات أو البرامج الثقافية، بل تتطلب إعادة الاعتبار للثقافة نفسها بوصفها عنصرًا أساسيًا في بناء المجتمعات الحديثة، وركيزة من ركائز الحرية والتفكير النقدي، لا مجرد نشاط هامشي يُستبدل بسهولة بصفحات الإعلانات أو برامج الترفيه.