العقوبات الأمريكية تبني عالماً ما بعد الدولار
على مدى سنوات، تعاملت واشنطن مع العقوبات الاقتصادية باعتبارها الأداة المثالية في إدارة سياستها الخارجية؛ فهي أكثر حزماً من الدبلوماسية، وأقل كلفة ومخاطرة من الحرب، كما يمكن فرضها دون أن تتحمل الإدارة الأمريكية ثمناً سياسياً أو اقتصادياً كبيراً في الداخل. غير أن هذه المعادلة بدأت تفقد فاعليتها تدريجياً. فالعقوبات لا تزال قادرة على إلحاق أضرار بالغة بالدول المستهدفة، إلا أن الإفراط في استخدامها يعيد، في الوقت نفسه، تشكيل النظام المالي العالمي الذي تستمد منه تلك العقوبات قوتها.
وليس التحذير من هذا المسار صادراً عن بكين أو موسكو أو دول مجموعة «بريكس» وحدها، بل إن وزارة الخزانة الأمريكية نفسها أقرت بذلك. ففي مراجعتها لسياسة العقوبات الصادرة عام 2021، اعترفت الوزارة بظهور «تحديات جديدة» تتمثل في انتشار أنظمة الدفع البديلة والأصول الرقمية، وأوصت بربط العقوبات بأهداف واضحة، وتعزيز التنسيق متعدد الأطراف، وتقليص آثارها الجانبية غير المقصودة، وجعلها قابلة للإلغاء متى تحققت أهدافها. وبعبارة أخرى، أدركت وزارة الخزانة أن أداة تُستخدم من دون استراتيجية للخروج قد تتحول إلى عادة دائمة، بدلاً من أن تكون سياسة مدروسة.
وقد اتسع نطاق هذه «العادة» بصورة لافتة. فوفقاً لدراسة نُشرت عام 2026 أعدها الاقتصاديان جريجور ماتفوس وبرنت نيمان، ارتفع عدد الأفراد والسفن والكيانات المدرجة على قائمة العقوبات الرئيسية لوزارة الخزانة الأمريكية من أقل من ألف اسم عام 2000 إلى ما يقارب عشرين ألفاً في الوقت الراهن. وتؤكد الدراسة أن العقوبات قادرة على حرمان البنوك من علاقاتها المباشرة مع البنوك المراسلة، ولا سيما تلك التي تعتمد على الدولار. لكنها تشير في الوقت ذاته إلى أن هذه العقوبات لا تقطع الروابط المالية بالكامل، بل تدفع المعاملات إلى المرور عبر سلاسل أطول وأكثر تعقيداً، فيما توسع البنوك في الاقتصادات الخاضعة للعقوبات علاقاتها مع بدائل أخرى، وعلى رأسها التمويل المقوم باليوان الصيني.
وهنا تكمن المفارقة الجوهرية في سياسة العقوبات الأمريكية؛ فكل قرار جديد بفرض العقوبات يبرهن، على المدى القصير، على اتساع النفوذ الأمريكي، لكنه في المقابل يدفع الدول والمؤسسات إلى تطوير وسائل جديدة للالتفاف عليها، بما يقلص تدريجياً من فاعلية هذا النفوذ على المدى الطويل.
وتقدم أفغانستان مثالاً واضحاً على الكيفية التي يمكن أن تتجاوز بها العقوبات أهدافها الأصلية. فبعد عودة حركة طالبان إلى السلطة، أدى تخوف البنوك من مخالفة قواعد الامتثال الأمريكية إلى شل المدفوعات العادية داخل الاقتصاد الأفغاني. وأظهر تقرير للبنك الدولي أن القيود المصرفية أجبرت الشركات على الاعتماد على النقد في معاملاتها المحلية، وعلى نظام «الحوالة» التقليدي في التحويلات الدولية. واضطرت وزارة الخزانة الأمريكية لاحقاً إلى إصدار «الترخيص العام رقم 20» للسماح بإجراء معاملات مع أفغانستان ومؤسساتها الحاكمة، وهو ما كشف أن الحذر المفرط لدى المؤسسات المالية الخاصة قد يحول عقوبات تستهدف جهات محددة إلى عزلة اقتصادية شاملة.
أما روسيا، فتقدم نموذجاً مختلفاً يتمثل في قدرة الدول على الالتفاف على العقوبات. فقد أعادت موسكو توجيه صادراتها النفطية عبر ما بات يعرف بـ«أسطول الظل»، الذي يعتمد على هياكل ملكية معقدة وغير شفافة. واعترفت وزارة الخزانة الأمريكية بأن متوسط سعر النفط الروسي تجاوز السقف السعري الذي فرضته مجموعة السبع مع توسع هذه القنوات البديلة. وفي عام 2024، فرضت واشنطن عقوبات على 275 شخصاً وكياناً في 17 ولاية قضائية بتهمة تزويد روسيا بمعدات متقدمة، بينما حذرت وزارة التجارة الأمريكية من أن شبكات التوريد الروسية باتت تعتمد بصورة منتظمة على وسطاء في دول ثالثة ومراكز لإعادة التصدير. لقد رفعت العقوبات تكلفة التجارة، لكنها لم توقفها، بل دفعتها إلى مسارات بديلة.
ولم تعد البدائل المالية مجرد أفكار نظرية. فقد أعلن نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود الصيني (CIPS) أن حجم معاملاته بلغ 180 تريليون يوان خلال عام 2025، وأن عدد أعضائه حتى يوليو (تموز) 2026 تجاوز 200 عضو مباشر وأكثر من 1600 عضو غير مباشر. ورغم أن هذا النظام لا يشكل بديلاً كاملاً للنظام المالي العالمي القائم على الدولار، فإنه يوفر للبنوك والشركات مساراً آخر يمكن اللجوء إليه عندما يصبح الوصول إلى النظام المالي الغربي محفوفاً بالمخاطر.
وفي مناطق أخرى من العالم، لا تنبع الرغبة في بناء بدائل من دوافع أيديولوجية بقدر ما تعكس اعتبارات عملية. ففي أفريقيا، يتيح نظام المدفوعات والتسويات الإفريقي (PAPSS) للشركات تسوية تجارتها الإقليمية بالعملات المحلية بدلاً من تمريرها عبر البنوك المراسلة المعتمدة على الدولار. ويقدر القائمون على النظام أنه قد يوفر للقارة نحو خمسة مليارات دولار سنوياً من احتياطيات النقد الأجنبي. كما اقترح البنك المركزي الهندي ربط العملات الرقمية لدول «بريكس» بهدف تسهيل المدفوعات التجارية والسياحية، رغم استمرار العقبات التقنية واختلال موازين التجارة بين الدول الأعضاء.
ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذه التطورات على أنها مؤشر على انهيار وشيك لهيمنة الدولار. فما زالت العملة الأمريكية تمثل نحو 57 في المائة من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية المعلنة خلال الربع الأول من عام 2026، ولا توجد حتى الآن عملة منافسة توفر المزيج نفسه من عمق الأسواق، والسيولة، والبنية القانونية، والقبول العالمي. ولا يزال الدولار يتصدر النظام المالي الدولي بفارق كبير عن أقرب منافسيه.
غير أن الهيمنة ليست مرادفة للحصانة.
فقد بلغت حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية نحو 71 في المائة عند إطلاق اليورو عام 1999، وهي نسبة أعلى بكثير من مستواها الحالي. والأهم من ذلك أن الدول ليست مضطرة إلى إيجاد عملة واحدة تحل محل الدولار حتى تحد من النفوذ المالي الأمريكي. فالتوسع التدريجي في استخدام العملات المحلية، وإنشاء شبكات دفع إقليمية، وإبرام اتفاقيات تبادل العملات، وتطوير أدوات التسوية الرقمية، والاعتماد المتزايد على التمويل المقوم باليوان، كلها عوامل تجعل العقوبات الأمريكية أقل إحكاماً وأكثر كلفة من حيث التنفيذ والرقابة.
ورغم ذلك، جاء الرد الأمريكي في كثير من الأحيان عبر التلويح بمزيد من العقوبات والإجراءات العقابية. فقد حذر الرئيس دونالد ترامب من فرض رسوم جمركية على الدول التي تسعى إلى تقليص اعتمادها على الدولار. وقد يحقق هذا النهج مكاسب سياسية داخلية، لكنه يحول الانضمام إلى النظام المالي القائم على الدولار من خيار اقتصادي إلى اختبار للولاء السياسي. وعندئذ، تجد الدول المحايدة نفسها مدفوعة إلى تنويع خياراتها والتحوط مبكراً خشية أن تصبح الهدف التالي للعقوبات الأمريكية.
ومن ثم، إذا أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على فعالية العقوبات، فعليها أن تستخدمها بدرجة أكبر من الانضباط، لا أن توسع نطاقها بلا ضوابط. وهذا يقتضي قصر القيود المالية الشاملة على الحالات الاستثنائية، وتفضيل العقوبات المحددة والمتعددة الأطراف، وضمان استمرار التجارة الإنسانية، ووضع أهداف واضحة وقابلة للقياس، والإعلان عن الشروط التي يترتب عليها رفع العقوبات. فالدبلوماسية لا ينبغي أن تصبح مجرد خيار يُلجأ إليه بعد فشل سياسة الإكراه.
إن قوة العقوبات الأمريكية لا تستمد فعاليتها من التشريعات الأمريكية وحدها، بل من الثقة الدولية في عدالة واستقرار النظام المالي الذي تقوده واشنطن. وإذا تآكلت هذه الثقة، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها قد أسهمت، من خلال الإفراط في استخدام العقوبات، في تسريع نشوء النظام المالي متعدد الأقطاب الذي كانت تسعى إلى منعه.
نُشر هذا المقال في مجلة Foreign Policy In Focus (FPIF).
