قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة واشنطن لقراراتها تجاهه.
لقد استؤنف التعاون الاستخباراتي بعد مكالمة هاتفية جمعت الرئيس الأوكراني مع وزير الخارجية ماركو روبيو، ثم عقد لقاء شهد نقاشات تفصيلية بين زيلينسكي والمبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف في العاصمة النرويجية أوسلو.
مهّد هذا اللقاء الذي وصفه الأميركيون بأنه كان مثمراً، لتوجه ويتكوف إلى موسكو للقاء الرئيس فلاديمير بوتين، والاتفاق على استئناف المباحثات الثلاثية (الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا)، وقد تنعقد أولى الجولات الجديدة في أبوظبي قبل موعد الانتخابات النصفية الأميركية.
ويبدو الموقف متجهاً نحو مناقشة أعمق للملفات المستعصية، وبالأخص على خلفية كلام ويتكوف عن تسليم الجانب الروسي أفكاراً محددة جرت بلوَرتها خلال جولات النقاش في أوسلو مع الجانبين الأوروبي والأوكراني. لكن هذا لا يعني أن العقبات الأساسية أمام وضع التسوية على طريق الإنجاز قد أزيلت. فما زالت مسألة التنازلات الإقليمية والقبول بسيطرة موسكو على خُمس أوكرانيا بين أبرز محاور الخلاف، بالإضافة إلى فكرة الضمانات الأمنية التي تطالب بها كييف وعواصم أوروبية.
لذلك يتوقع خبراء روس أن تجد الأطراف أنفسها بعد إعادة إطلاق المفاوضات أمام ثلاثة سيناريوهات:
الأول: حوار فني يراوح لفترات طويلة حول النقاط العالقة، وبينها آليات فرض هدنة مؤقتة أو إطلاق حوار سياسي شامل. وهذا السيناريو لا يغير كثيراً الوضع على الأرض، ولا يَعِد بتقدّم جدي في مسار التسوية. ومع تراجع الحماسة الأميركية المبرّرة حالياً باقتراب الاستحقاق الانتخابي النصفي ستجد الأطراف نفسها أمام نفس المشهد سياسياً وعسكرياً.
الثاني: نجاح الأطراف في تخفيف التصعيد الحاصل حالياً عبر توافقات على هدنة في قطاع الطاقة، وتحاشي استهداف البنى التحتية في البلدين، وإطلاق خريطة طريق للشروع في مناقشة القضايا الرئيسة للتسوية تدريجياً. وهذا السيناريو يبدو أقرب إلى مصالح الطرفين الروسي والأوكراني؛ لأنه يخفف الضغط عن القطاعات الحيوية في البلدين، ويفسح المجال لمواجهة الشتاء من دون صعوبات كبيرة على صعيد إمدادات الطاقة، لكنه في الوقت ذاته لا يضع آلية لهدنة كاملة أو وقف لإطلاق النار، ولا يدفع للإقرار بالحدود الحالية... ما يعني أن تحافظ كل الأطراف على مواقفها السابقة مع تخفيف جزئي للتصعيد العسكري.
الثالث: فشل الأطراف في الوصول أصلاً إلى جولات حوار ثلاثية أو الفشل في التوافق على أي من الخيارات المطروحة للتهدئة المؤقتة. وهذا سيناريو يبدو، وفقاً للخبراء، مستبعداً بعض الشيء بسبب الضغط الأميركي الكبير وحاجة الأطراف الروسية والأوكرانية والأوروبية إلى تخفيف للتصعيد ولو جزئياً.
في كل الأحوال، لا تبدو الظروف قد نضجت فعلاً للحديث عن تسوية سياسية مقبلة، بينما يبدو الرئيس ترمب مستعداً لتقديم «إنجازات» للناخب الأميركي، قبيل معركة التجديد النصفي. فهو أظهر قدرته على المناورة وكسب «صفقة الديزل»، ما أسفر عن تخفيف أسعار الوقود بنحو 6 في المائة، وأظهر قدراته على دفع الطرفين للتهدئة، وأن واشنطن ما زالت اللاعب الأساسي الذي يمكنه لعب دور حاسم في إطفاء الحرائق.
ثم إنه يبدو قادراً على مواصلة الحوار حتى في أصعب الظروف مع بوتين ومع الرئيس الصيني، في إطار الاتفاق الأولي على عقد لقاء ثلاثي للقادة على هامش قمة «آبيك» في الصين، الشهر المقبل.
في المقابل، فإن كل التطورات التي أعقبت إبرام «صفقة الديزل»، أظهرت أن مناورة ترمب وبوتين أسهمت فعلاً في تبديل أولويات كل اللاعبين الأساسيين في النزاع. ومع محاولة أوكرانيا كسب استمرار الدعم الغربي، والأميركي خصوصاً، فهي تبدو أكثر قابلية لتقليص الضغط على القطاع النفطي الروسي، ما قد يعني تحولاً مهماً في موازين القوى على الأرض.
وعلى الجانب الأوروبي، أظهرت الحوارات مع المفاوضين الأميركيين في ميامي ثم أوسلو سعي الأوروبيين إلى توفير بدائل عن الاعتماد الأوكراني على الدعم الاستخباراتي والتقني الأميركي. ولكن في الوقت ذاته، يخشى الأوروبيون أكثر من أي وقت سابق، من تحولات الموقف الأميركي تجاه القضايا الرئيسة المتعلقة بالأمن الأوروبي والوضع المحتمل بعد انتهاء الصراع.
يبقى أن الكاسب الأكبر هو بوتين الذي نجح في تخفيف الضغط على قطاعات الطاقة، وفتح قنوات واسعة للحوار والتعاون مع الإدارة الأميركية، وشطب جزء مهم من العقوبات الأميركية المفروضة على بلاده من دون أن يضطر إلى تقديم تنازلات ميدانية أو وقف القتال.
نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط
