بث تجريبي

لماذا تخسر أمريكا معركة التفاوض وتربح إيران لعبة الوقت؟

تحليلات - Foresight

في الأزمات الكبرى، لا تُحسم النتائج دائمًا في ساحات القتال، بل كثيرًا ما تُحسم حول طاولات التفاوض. وفي الصراع الممتد بين United States وIran، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فبينما تمتلك واشنطن التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي، تُظهر جولات التفاوض المتكررة أن ميزان القوة لا ينعكس تلقائيًا داخل غرف التفاوض، حيث تتقدم الخبرة، والصبر الاستراتيجي، وفهم عقلية الخصم، على مجرد امتلاك أدوات الضغط التقليدية.

التطورات التي أحاطت بالمحادثات غير المعلنة بين الجانبين في مطلع عام 2026، وما سبق الضربات الأمريكية في 28 فبراير من ذلك العام، كشفت أن المشكلة الأمريكية لا تكمن فقط في تعنت الموقف الإيراني، بل أيضًا في ضعف المقاربة التفاوضية ذاتها. فحين يدخل فريق يفتقر إلى الخبرة النووية العميقة، والمعرفة الدقيقة ببنية النظام الإيراني، وتعقيدات الملف التقني، في مواجهة مفاوضين أمضوا عقودًا في إدارة هذا الملف، تصبح النتيجة أقرب إلى عدم تكافؤ مهني منها إلى تنافس سياسي متوازن.

القوة لا تعني الكفاءة

لطالما افترضت الإدارات الأمريكية المتعاقبة أن العقوبات الاقتصادية، والعزل الدبلوماسي، والتهديد العسكري، كفيلة بإجبار إيران على تقديم تنازلات جوهرية. لكن التجربة الممتدة منذ أزمة البرنامج النووي أظهرت أن الضغط وحده لا يكفي، وأن الدولة الإيرانية طورت قدرة عالية على امتصاص الصدمات، وتحويل الضغوط إلى أوراق تفاوضية.

فالولايات المتحدة، رغم قوتها، كثيرًا ما تتعامل مع الملف الإيراني بعقلية إدارة الأزمات السريعة: مطالب قصوى، مهل زمنية قصيرة، تهديدات متكررة، ثم خيبة أمل عند غياب الاستجابة الفورية. أما إيران، فتتعامل مع الملف بمنطق النفس الطويل، حيث يُدار التفاوض بوصفه عملية تراكمية لا حدثًا لحظيًا.

وهنا تظهر المفارقة: الدولة الأقوى تدخل المفاوضات أحيانًا بأدوات سياسية قصيرة النفس، بينما الدولة الأضعف نسبيًا تدخلها بعقلية استراتيجية أكثر صبرًا وانضباطًا.

إيران والذاكرة المؤسسية

يُعد أحد أهم عناصر القوة الإيرانية في هذا الملف ما يمكن وصفه بـ"الذاكرة المؤسسية". فمنذ مطلع الألفية، حافظت طهران على نخبة تفاوضية تمتلك خبرة تراكمية عميقة في القانون الدولي، والتقنيات النووية، وآليات التفتيش، والعقوبات، وسلوك المؤسسات الغربية.

شخصيات مثل Abbas Araghchi ليست مجرد وجوه دبلوماسية عابرة، بل جزء من مدرسة تفاوضية راكمت خبرتها عبر أزمات متتالية، من المفاوضات مع الترويكا الأوروبية، إلى جولات الاتفاق النووي لعام 2015، وصولًا إلى محاولات الإحياء اللاحقة.

هذا النوع من الاستمرارية يمنح إيران ميزة نادرة في الشرق الأوسط: جهاز تفاوضي يعرف الملف بتفاصيله الدقيقة، ويعرف خصومه أيضًا. وفي المقابل، كثيرًا ما تغيّر واشنطن فرقها التفاوضية بتغير الإدارات، ما يضعف تراكم الخبرة ويجعل السياسة خاضعة لإيقاع الانتخابات أكثر من إيقاع الاستراتيجية.

منطق البوكر ومنطق الشطرنج

يمكن تلخيص الفارق بين المقاربتين في أن واشنطن تميل إلى التفاوض بمنطق الصفقة، بينما تميل طهران إلى التفاوض بمنطق اللعبة الطويلة. الولايات المتحدة تريد اختراقًا سريعًا، إعلانًا سياسيًا واضحًا، وصورة نصر يمكن تسويقها داخليًا. أما إيران فتسعى إلى تحسين موقعها تدريجيًا، وتفكيك الضغوط، وكسب الوقت، وتحويل كل مرحلة إلى نقطة انطلاق للمرحلة التالية.

حين انسحبت واشنطن من Joint Comprehensive Plan of Action عام 2018، لم ترد طهران بانفجار شامل، بل بدأت تدريجيًا بتجاوز بعض القيود، ورفعت مستويات التخصيب، ووسعت مخزونها، بحيث أصبح كل خرق رسالة ضغط محسوبة، لا قطيعة نهائية.

وهذا النمط يكشف أن إيران لا تتعامل مع التفاوض بوصفه تنازلًا أو مواجهة صفرية، بل كامتداد للصراع بوسائل أخرى.

سوء فهم بنية النظام الإيراني

أحد الأخطاء الأمريكية المتكررة يتمثل في التعامل مع إيران كدولة مركزية تقليدية يمكن فهم قرارها عبر وزارة الخارجية فقط. والحال أن النظام الإيراني أكثر تعقيدًا، إذ تتوزع مراكز القوة بين المرشد الأعلى، ومؤسسة الرئاسة، ووزارة الخارجية، وIslamic Revolutionary Guard Corps، والأجهزة الأمنية، والمؤسسات الاقتصادية المرتبطة بها.

هذا يعني أن أي تفاوض جاد يتطلب فهمًا دقيقًا لمن يملك القرار النهائي، ومن يستطيع التعطيل، ومن يدير الرسائل المزدوجة بين التصعيد والتهدئة. تجاهل هذه البنية المركبة يقود غالبًا إلى قراءة خاطئة للمواقف الإيرانية، أو الاعتقاد بأن تصريحًا دبلوماسيًا يعني قرارًا نهائيًا.

وقد استخدمت طهران هذه التعددية المؤسسية بمهارة، بحيث تبقي هامش المناورة مفتوحًا: خطاب تفاوضي من جهة، ورسائل ردع ميدانية من جهة أخرى.

لماذا تفشل المقاربة القصوى؟

تقوم السياسة الأمريكية في كثير من المراحل على فرضية أن تشديد العقوبات ورفع سقف المطالب سيؤديان إلى استسلام الطرف الآخر. غير أن التجربة الإيرانية تشير إلى العكس في أحيان كثيرة. فكلما ارتفع الضغط دون مخرج تفاوضي واقعي، زادت حوافز التشدد داخل النظام الإيراني، وتقوى التيارات التي ترى أن التنازل لا يجلب إلا مزيدًا من الابتزاز.

ومن هنا، فإن المطالب القصوى — مثل وقف كامل للتخصيب دون مقابل واضح — تتحول من أداة تفاوض إلى وصفة لتعطيل التفاوض. لأن الطرف الإيراني لا يقرأها كعرض، بل كطلب استسلام سياسي.

العامل الداخلي الأمريكي

لا يمكن فصل التعثر التفاوضي عن الداخل الأمريكي نفسه. فكل إدارة تفاوض تحت ضغط الكونغرس، والرأي العام، والحسابات الانتخابية، واللوبيات المتنافسة، والانقسام الحزبي. لذلك كثيرًا ما يكون هامش المناورة لدى الرئيس الأمريكي أضيق مما يبدو.

أي اتفاق مع إيران قد يُتهم داخليًا بالضعف أو المهادنة، وأي تصعيد قد يُتهم بالمغامرة. هذا التناقض يجعل الاستراتيجية الأمريكية متذبذبة بين الرغبة في الاتفاق والخشية من كلفته السياسية.

أما إيران، ورغم انقساماتها الداخلية، فتدير هذا الملف غالبًا بدرجة أعلى من المركزية والانضباط، وتستثمر معرفة دقيقة بالضغوط الأمريكية الداخلية.

ما الذي تريده إيران فعلًا؟

الهدف الإيراني لا يبدو بالضرورة امتلاك قنبلة نووية فورًا، بقدر ما يتمثل في امتلاك قدرة نووية متقدمة تخلق ردعًا استراتيجيًا، وتمنحها موقعًا تفاوضيًا قويًا، دون تجاوز الخط الذي يستدعي حربًا شاملة.

بعبارة أخرى، تسعى طهران إلى البقاء على حافة القدرة النووية، لأن هذه المنطقة الرمادية تمنحها مزايا كثيرة: النفوذ، الردع، وورقة تفاوض مستمرة.

هل يمكن لواشنطن أن تنجح؟

نعم، لكن ليس عبر الأدوات نفسها. النجاح الأمريكي يتطلب أولًا إعادة الاحتراف إلى الملف: دبلوماسيين مخضرمين، وخبراء نوويين، ومعرفة دقيقة بالمشهد الإيراني والإقليمي. ويتطلب ثانيًا صياغة أهداف واقعية قابلة للتنفيذ، بدل شعارات قصوى يصعب فرضها. كما يتطلب ثالثًا الجمع بين الضغط والحوافز، لأن العقوبات دون مسار خروج تتحول إلى إدارة للأزمة لا حل لها.

بشكل عام، فإن الصراع بين واشنطن وطهران ليس مواجهة بين قوي وضعيف بقدر ما هو مواجهة بين نمطين من إدارة القوة. الولايات المتحدة تمتلك فائض القوة الصلبة، لكنها كثيرًا ما تفتقر إلى الصبر والدقة والاستمرارية. أما إيران، فرغم محدودية مواردها، فقد أتقنت استخدام الوقت، والتعقيد، والتفاوض المرحلي، لتحويل ضعفها النسبي إلى قدرة على المناورة.

ولهذا، ما لم تُدرك واشنطن أن التفوق العسكري لا يضمن التفوق التفاوضي، ستبقى تدخل الجولات من موقع القوة… وتخرج منها بخسائر سياسية واستراتيجية.