بث تجريبي

الحرب على السرديات: كيف تحوّل الإعلام إلى ساحة مركزية في الصراع الأمريكي ـ الإيراني؟

تحليلات - Foresight

في الحروب الحديثة، لم تعد المعارك تُحسم فقط في الميدان العسكري، بل باتت تُدار أيضًا داخل الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تتحول الرواية إلى أداة قوة لا تقل تأثيرًا عن الصواريخ والطائرات. وفي ظل الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، برزت مواجهة موازية تدور حول التحكم بالسردية العامة، وإدارة الرأي العام، وتحديد الطريقة التي تُفهم بها الحرب داخليًا وخارجيًا.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز خطاب بيت هيغسيث بوصفه نموذجًا دالًا على التحول المتزايد في علاقة السلطة السياسية بالإعلام. فالمسألة لم تعد تقتصر على انتقاد التغطية الصحفية أو الاعتراض على بعض التقارير، بل أصبحت تعكس محاولة أوسع لإعادة تعريف دور الإعلام نفسه: هل هو مؤسسة رقابية مستقلة، أم أداة يفترض أن تنخرط في دعم “الرواية الوطنية” خلال زمن الحرب؟

الإعلام كخصم سياسي

أظهرت تصريحات هيغسيث المتكررة تجاه وسائل الإعلام نزعة واضحة إلى تصوير الصحافة النقدية باعتبارها عاملًا معرقلًا أو حتى خصمًا سياسيًا. وقد تزامن ذلك مع إجراءات داخل وزارة الدفاع الأمريكية هدفت إلى تقليص وصول بعض الصحفيين إلى المعلومات أو المؤتمرات العسكرية، وهي خطوات اعتبرها منتقدون مساسًا بحرية الصحافة وحق الجمهور في المعرفة.

ولم يكن لافتًا فقط مضمون الانتقادات، بل أيضًا طبيعة اللغة المستخدمة. فحين تُوصَف التغطية الإعلامية المتعلقة بمقتل الجنود الأمريكيين بأنها “مسيّسة” أو “مضرة بصورة الإدارة”، فإن ذلك يعكس محاولة لنقل النقاش من مساءلة الحرب وتكاليفها إلى مساءلة الصحافة نفسها. وبهذا المعنى، تتحول التغطية النقدية من ممارسة ديمقراطية مشروعة إلى فعل يُقدَّم بوصفه افتقارًا للوطنية.

هذا التحول يحمل دلالات أعمق من مجرد سجال إعلامي، لأنه يكشف عن إعادة تشكيل العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسات الإعلامية في سياق الاستقطاب الحاد الذي تعيشه الولايات المتحدة. فبدل التعامل مع الإعلام باعتباره وسيطًا مستقلاً بين السلطة والرأي العام، يجري تصويره تدريجيًا كجزء من معركة سياسية داخلية.

اللغة بوصفها أداة تعبئة

لا يقتصر تأثير الخطاب السياسي على مضمونه المباشر، بل يمتد إلى البنية اللغوية التي يُصاغ بها. فقد اعتمد هيغسيث بشكل متكرر على مفردات مثل “الأخبار الزائفة”، و”الوطنيون الحقيقيون”، و”الأشرار”، وهي تعبيرات لا تعمل فقط كشعارات سياسية، بل تؤدي وظيفة تأطيرية تعيد تقسيم المجال العام أخلاقيًا وسياسيًا.

ومن منظور تحليل الخطاب، تُنتج هذه اللغة ثنائية حادة بين “الأمريكي الصالح” و”المنتقد المشبوه”، بما يؤدي إلى نزع الشرعية عن المعارضة أو التشكيك الإعلامي. كما أن استخدام تعبيرات مبسطة مثل “الأشرار” يختزل تعقيدات الصراع الإقليمي والنتائج الإنسانية للحرب ضمن إطار أخلاقي تجريدي يسهل تسويقه سياسيًا.

وتتضح خطورة هذا النمط بشكل أكبر حين تُختزل الحرب في منطق مالي أو تقني. فتصريحات من قبيل “قتل الأشرار يحتاج إلى المال” لا تعكس فقط لغة تعبئة عسكرية، بل تكشف أيضًا عن عملية تجريد للحرب من أبعادها الإنسانية والأخلاقية، وتحويلها إلى معادلة كفاءة وتكلفة.

من الإعلام التقليدي إلى الفضاء الرقمي

لكن السيطرة على السردية لم تعد ممكنة بالطريقة التقليدية نفسها. فالعصر الرقمي خلق بيئة معلوماتية مفتوحة تتداخل فيها الحكومات مع الإعلام والجمهور والمنصات الرقمية. وقد ظهر ذلك بوضوح في التفاعل الواسع مع خطاب هيغسيث على وسائل التواصل الاجتماعي والبرامج الساخرة مثل The Daily Show، حيث جرى تصوير محاولات التحكم بالسردية على أنها أقرب إلى “إعادة كتابة التاريخ” أو نماذج مستوحاة من عالم جورج أورويل و”وزارة الحقيقة”.

وتكشف هذه التفاعلات عن تحوّل مهم في طبيعة القوة الإعلامية. فالجمهور لم يعد متلقيًا سلبيًا للرسائل الرسمية، بل أصبح شريكًا في إعادة تفسيرها والسخرية منها وإعادة إنتاجها. وهكذا، يمكن لمحاولات السيطرة على الخطاب أن تتحول نفسها إلى مادة للانتقاد والانتشار الفيروسي، بما يخلق مفارقة معقدة: فكل محاولة لفرض رواية واحدة قد تساهم في توسيع دائرة الجدل حولها.

الاتصال الاستراتيجي أم الدعاية؟

مع ذلك، لا يمكن قراءة هذه الظاهرة بمعزل عن اعتبارات الحرب ذاتها. فالحكومات خلال النزاعات المسلحة تسعى تاريخيًا إلى حماية المعنويات العامة ومنع الذعر والحفاظ على الأمن العملياتي. ومن هذا المنظور، قد تبدو محاولات توجيه الخطاب الإعلامي جزءًا من “الاتصال الاستراتيجي” المرتبط بإدارة الحرب.

غير أن الإشكالية تظهر عندما يتحول هذا الاتصال إلى محاولة لتجريم الرقابة الصحفية أو نزع الشرعية عن الأسئلة النقدية. ففي الأنظمة الديمقراطية، لا يُفترض بالإعلام أن يكون جهاز تعبئة حكوميًا، بل مؤسسة رقابية تضمن بقاء النقاش العام مفتوحًا، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالحرب واستخدام القوة.

وهنا تحديدًا يبرز السؤال المركزي: أين ينتهي الاتصال الاستراتيجي وتبدأ الدعاية السياسية؟ فالفارق بينهما لا يتعلق فقط بالمحتوى، بل أيضًا بمدى قبول السلطة بوجود روايات بديلة ونقاشات نقدية مستقلة.

أزمة ثقة تتجاوز الحرب

الأهمية الحقيقية لهذه التحولات لا تكمن فقط في تأثيرها على تغطية الحرب الحالية، بل في ما تعكسه من أزمة أوسع تتعلق بالثقة في المؤسسات الديمقراطية والإعلامية. فعندما تصبح الصحافة موضع اتهام دائم، وتُقدَّم التغطية النقدية باعتبارها عملًا غير وطني، فإن ذلك يهدد الأسس المعرفية التي تقوم عليها الديمقراطية الحديثة.

كما أن لهذه المسألة بعدًا دوليًا بالغ الحساسية. فالولايات المتحدة، التي لطالما قدمت نفسها بوصفها مدافعًا عن حرية الصحافة، تجد نفسها اليوم أمام معضلة تتعلق بمصداقية خطابها الخارجي، خاصة عندما تبدو بعض ممارساتها قريبة من أساليب التحكم بالسرديات التي تنتقدها لدى خصومها.

وفي المحصلة، يبدو أن الحرب الأمريكية ـ الإيرانية لا تُدار فقط بالصواريخ والتحالفات العسكرية، بل أيضًا عبر معركة متواصلة للسيطرة على المعنى والتفسير والذاكرة. فالسردية لم تعد عنصرًا هامشيًا في الصراع، بل أصبحت واحدة من أهم ساحاته الاستراتيجية، حيث يتحدد ليس فقط كيف تُفهم الحرب اليوم، بل كيف ستُروى تاريخيًا في المستقبل.