الوساطة ليست علاقات عامة ولا صور ولقطة إنما هى تعكس جهودا كبيرة ومهارة دبلوماسية والأهم ثقة الأطراف المتصارعة فى هذا الوسيط.
والحقيقة أن نجاح الوساطة الباكستانية بين أمريكا وإيران سمح لها أن تتواجد فى مساحة جديدة على المستوى الإقليمى والدولى قربتها أكثر من مشكلات الشرق الأوسط، وقضايا العالمين العربى والإسلامى حين قامت بدور حاسم فى تسوية صراع معقد وممتد بين أمريكا وإيران بعد حرب استمرت لأشهر قطعتها هدن غير مكتملة و«اتفاق حائر» حتى وصلنا لتفاهم بين الجانبين رعته إسلام أباد بمهارة وكفاءة لافته.
وقد ساهمت جهود الوساطة الباكستانية فى نسج صورة جديدة عن باكستان تختلف عن صورتها فى فترات سابقة، فقد شهدت منذ قيامها فى عام 1947 تقلبات سياسية حادة وحروب مع جارتها الهند وانتقال من الحكم المدنى إلى العسكرى والعكس، وظلت الصورة الذهنية عن إسلام أباد تحمل خليط من المشاعر والتقديرات المختلفة، فهناك علماء باكستان الذين أبهروا الشرق والغرب وهناك نموذجها السياسى الذى انتقده الكثيرون، وهناك قوتها النووية والعسكرية التى لم تستطع أن تخفى الأوضاع الاقتصادية الصعبة لكثير من أهلها.
والحقيقة أن هذه التقديرات المتفاوتة حول «النموذج الباكستانى» تحولت إلى «حالة إجماع» فى الإشادة والتقدير للدور الذى تلعبه فى جهود الوساطة لإنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية، وإن كثيرا من الأحكام المسبقة عن هذا النموذج تم التراجع عنها أمام احترافية الأداء الباكستانى بجناحيه المدنى والعسكرى وشهدنا تتويج لهذا الدور فى سويسرا بحضور رئيس الوزراء شهباز الشريف وقائد الجيش عصام منير.
ويمكن القول إنه من النادر أن نجد بلدا يستطيع أن يغير الصورة الذهنية عنه من خلال أداء دبلوماسى وسياسى رفيع المستوى وليس بالضرورة تحولات داخلية جذرية، وينجح فى حل أو تجميد صراع كبير مثل الصراع الأمريكى الإيرانى، أحد أطرافه قوة عظمى لديها أدوات عسكرية واقتصادية هائلة، والطرف الثانى قوة إقليمية كبيرة دخلت فى مواجهات مع معظم جيرانها وليس فقط الولايات المتحدة وإسرائيل.
لقد أوضح الدور الخارجى وجهود الوساطة كفاءة السياسة الخارجية الباكستانية دون شعارات أو ضجيج، وأبرز تحولات إيجابية فى أداء النظام داخليا حتى لوفاق الأداء الخارجى من حيث المهارة والثقة التى نالها والقدرة على الإنجاز كفاءة الأداء الداخلى.
إن استقرار وضع الحكومة المدنية المنتخبة ساعد باكستان على النجاح فى جهود الوساطة التى قامت بها وعزز من حضورها على الساحة الدولية واستطاعت أن تنال ثقة طرفى الصراع والمجتمع الدولى.
إن نجاح النظم داخليا فى السياسة والاقتصاد يعزز من فرصها فى تقديم نموذج فعال وناجح فى السياسة الخارجية، فى حين أن الإخفاق فى الداخل يعطل هذا الدور، وربما تعطى فعالية الدور الباكستانى الخارجى فرصة لإجراء مزيد من الإصلاحات الداخلية.
نقلا عن صحيفة: المصري اليوم