بث تجريبي

لبنان بين الدولة وحزب الله: هل اقتربت لحظة الاحتكار الشرعي للسلاح؟

تحليلات - Foresight

يشهد لبنان مرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل توازناته السياسية والأمنية التي استقرت لعقود حول معادلة استثنائية تمثلت في وجود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية تفوق في بعض جوانبها قدرات الدولة نفسها. فالتطورات الإقليمية المتسارعة منذ اندلاع الحرب في غزة عام 2023، مروراً بالمواجهة الإسرائيلية الإيرانية الواسعة في عام 2026، وضعت الحزب أمام تحديات غير مسبوقة، وفتحت الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبل دوره داخل لبنان والمنطقة.

تحولات إقليمية أضعفت محور الدعم

منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي، اعتمد حزب الله على شبكة دعم إقليمية وفرتها إيران وسوريا، ما مكنه من بناء ترسانة عسكرية ضخمة جعلته أحد أقوى الفاعلين غير الدولتيين في الشرق الأوسط. غير أن هذه المعادلة شهدت تغيرات جوهرية خلال السنوات الأخيرة.

فالحرب المفتوحة مع إسرائيل استنزفت جزءاً كبيراً من القدرات العسكرية للحزب، فيما أدت الضربات الإسرائيلية المتكررة إلى استهداف قياداته وبنيته العسكرية. وفي الوقت نفسه، تراجعت قدرة إيران على تقديم الدعم التقليدي للحزب بعد تعرضها لضغوط عسكرية واقتصادية متزايدة. كما أن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا حرم حزب الله من الممر البري الاستراتيجي الذي كان يربط لبنان بإيران عبر الأراضي السورية.

هذه التطورات مجتمعة لم تؤد إلى انهيار الحزب، لكنها أضعفت البيئة الاستراتيجية التي اعتمد عليها لعقود، وقلصت هامش حركته الإقليمية بشكل ملحوظ.

من حركة مقاومة إلى فاعل إقليمي مثير للجدل

ارتبطت شرعية حزب الله في بداياته بدوره في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وهو الدور الذي أكسبه تأييداً واسعاً داخل لبنان وخارجه. إلا أن السنوات اللاحقة شهدت تحولاً تدريجياً في طبيعة الحزب ووظائفه.

فانخراطه في الحرب السورية إلى جانب نظام الأسد، ومشاركته في صراعات إقليمية مرتبطة بالاستراتيجية الإيرانية، أديا إلى تآكل جزء من صورته التقليدية كحركة مقاومة وطنية. وأصبح الحزب بالنسبة لقطاع واسع من اللبنانيين جزءاً من الاستقطابات الإقليمية والطائفية، أكثر منه قوة مكرسة للدفاع عن لبنان وحده.

هذا التحول انعكس على مستوى التأييد الشعبي، حيث تراجعت شعبيته خارج البيئة الشيعية، وازدادت المخاوف من تأثير سلاحه على التوازنات الداخلية وعلى علاقات لبنان العربية والدولية.

صعود الدولة واستعادة خطاب السيادة

في المقابل، شهد لبنان تطوراً سياسياً مهماً مع انتخاب الرئيس جوزيف عون مطلع عام 2025. وقد حملت مواقفه منذ البداية رسالة واضحة تتمثل في ضرورة احتكار الدولة اللبنانية للسلاح والقرار الأمني.

ويمثل هذا الطرح تحدياً مباشراً للمعادلة التي سمحت لحزب الله بالاحتفاظ بترسانته العسكرية منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية. فعلى الرغم من أن اتفاق الطائف والقرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 1559 والقرار 1701، دعت جميعها إلى نزع سلاح الميليشيات، فإن الحزب ظل الاستثناء الوحيد الذي حافظ على قوته العسكرية تحت عنوان "المقاومة".

واليوم، ومع تراجع مبررات هذا الاستثناء لدى شرائح متزايدة من اللبنانيين، يكتسب خطاب الدولة السيادية زخماً متصاعداً، خصوصاً في ظل الرغبة الشعبية بإعادة بناء مؤسسات الدولة وإنهاء حالة ازدواجية السلطة.

لماذا لا يزال حزب الله صامداً؟

ورغم حجم الضغوط التي يواجهها الحزب، فإن الحديث عن نهايته أو تفككه يبدو مبالغاً فيه. فحزب الله لا يمثل مجرد تشكيل عسكري، بل يمتلك بنية سياسية وتنظيمية واجتماعية واسعة تمتد داخل المجتمع الشيعي اللبناني.

كما أن الحزب نجح خلال العقود الماضية في ملء فراغات كبيرة تركتها الدولة، عبر توفير خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية وأمنية لمناصريه. وفي ظل استمرار الأزمة الاقتصادية العميقة وعجز مؤسسات الدولة عن أداء وظائفها الأساسية، لا يزال كثير من اللبنانيين ينظرون إليه باعتباره شبكة حماية اجتماعية وسياسية لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة.

إضافة إلى ذلك، ما زالت المخاوف الأمنية قائمة داخل البيئة الشيعية، سواء في ما يتعلق بإسرائيل أو بالتغيرات الإقليمية المحيطة بلبنان، وهو ما يمنح الحزب مبررات إضافية للحفاظ على سلاحه.

معضلة نزع السلاح: بين الضرورة والمخاطر

يبدو أن التحدي الأساسي لا يكمن في إمكانية إضعاف حزب الله عسكرياً، بل في كيفية دمجه داخل الدولة اللبنانية دون دفع البلاد نحو صراع داخلي جديد.

فالتجارب اللبنانية السابقة تشير إلى أن أي محاولة لفرض حلول قسرية على التوازنات الطائفية غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية. ومن ثم فإن نجاح مشروع حصر السلاح بيد الدولة يتطلب توفير بدائل سياسية واقتصادية وأمنية حقيقية للبيئة التي يعتمد عليها الحزب.

ويتطلب ذلك تعزيز حضور الدولة في المناطق المهمشة، وتحسين الخدمات العامة، وإطلاق برامج تنموية تعيد بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية. كما يتطلب تقديم ضمانات أمنية وسياسية تجعل الطائفة الشيعية تشعر بأن مصالحها وأمنها لن يصبحا عرضة للمخاطر في حال تراجع دور حزب الله العسكري.

خاتمة

يمر حزب الله اليوم بأصعب مرحلة في تاريخه منذ تأسيسه، نتيجة تراجع الدعم الإقليمي وتزايد الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية عليه. غير أن ضعف الحزب لا يعني بالضرورة قرب اختفائه، كما أن نزع سلاحه بالقوة قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من عدم الاستقرار.

لذلك، فإن مستقبل لبنان لا يرتبط فقط بمصير حزب الله، بل بقدرة الدولة اللبنانية على استعادة وظائفها الأساسية وإقناع مواطنيها بأنها قادرة على توفير الأمن والخدمات والتمثيل السياسي للجميع. وعندها فقط يمكن أن يصبح الانتقال من معادلة "الدولة والحزب" إلى معادلة "الدولة وحدها" خياراً واقعياً ومستداماً، لا مجرد شعار سياسي.