إيران بين مفاوضات الدوحة والتصعيد العسكري.. هل تتحول أوراق الضغط إلى مكاسب سياسية واقتصادية؟

تقارير وملفات - Foresight

تواجه إيران مرحلة معقدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والدبلوماسية مع ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة، في وقت تحاول فيه طهران توسيع هامش المناورة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية جديدة أو تقديم تنازلات مبكرة على طاولة التفاوض.

وتكشف التطورات التي شهدها مطلع نوفمبر 2026 عن استراتيجية إيرانية تقوم على إبقاء قنوات الاتصال الدبلوماسي مفتوحة، بالتوازي مع تعزيز رسائل الردع العسكري، واستخدام مضيق هرمز ورقة ضغط اقتصادية، وإثارة احتمالات تتعلق بمستقبل العقيدة النووية.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضًا جوهريًا؛ فبينما تسعى طهران إلى رفع تكلفة التصعيد بالنسبة إلى خصومها، تتزايد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي يتحملها الداخل الإيراني، مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية واتساع الفجوة بين الدخول وأسعار المساكن.

وهكذا، لا تبدو المعضلة الإيرانية محصورة في الاختيار بين الحرب والتفاوض، بل تتمثل في قدرة القيادة على تحويل أدوات الضغط الخارجية إلى نتائج ملموسة، قبل أن تصبح كلفتها الداخلية أكبر من المكاسب السياسية التي يمكن تحقيقها.

مفاوضات الدوحة.. اتصالات دبلوماسية دون اختراق سياسي

تشير التصريحات الإيرانية إلى استمرار الاتصالات غير المباشرة بشأن الأزمة مع الولايات المتحدة، دون انتقالها حتى الآن إلى مفاوضات مباشرة أو اتفاق شامل يحدد مستقبل التوتر الإقليمي.

فقد أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن طهران لا ترى حاجة حاليًا إلى عقد اجتماع مباشر مع المسؤولين الأميركيين، لكنه وصف الجهود الرامية إلى إيجاد أرضية لتفاهم أوسع بأنها تطور إيجابي.

وأوضح أن ممثلًا إيرانيًا موجود في الدوحة، وأن قطر وباكستان تواصلان أداء دور الوساطة، في مؤشر إلى استمرار المسار الدبلوماسي رغم التصعيد العسكري والإعلامي.

وتبرز أهمية هذه الاتصالات في ارتباطها بمضيق هرمز، بعدما تحدث عراقجي عن تقليص الجدول الزمني المقترح لإعادة فتح المضيق من سبعة أيام إلى يومين.

غير أن هذا التطور لا يعني التوصل إلى اتفاق، إذ ربطت طهران المضي قدمًا في الترتيبات باعتراف بمرور ملاحي جديد بالتنسيق مع سلطنة عُمان، والإفراج عن أصول إيرانية، واستعادة الإعفاءات المرتبطة بصادرات النفط.

وتظل هذه الشروط مطالب إيرانية لم يثبت قبول واشنطن بها، لكنها تعكس محاولة طهران تقديم نفسها طرفًا مستعدًا للتسوية، بشرط أن تترافق مع مكاسب سياسية واقتصادية واضحة.

وفي السياق نفسه، أعلن محسن رضائي أنه اطّلع على رسالة من نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، دون أن يرد عليها بعد، مشيرًا إلى اختلاف صياغتها عن المقاربات الأميركية السابقة.

ويكشف هذا المشهد عن طبيعة المسار الدبلوماسي الحالي، الذي يبدو أقرب إلى اختبار شروط التسوية وحدود التنازل المتبادل، منه إلى مفاوضات مكتملة الأركان.

فإيران تريد الاحتفاظ بصورة الطرف القادر على فرض شروطه، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى تجنب إغلاق الباب أمام تسوية قد تخفف الضغوط عليها.

الردع العسكري.. توسيع نطاق التهديد ورفع تكلفة المواجهة

بالتوازي مع الاتصالات الدبلوماسية، كثفت المؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية رسائلها بشأن الاستعداد لأي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.

وجاءت أبرز هذه الرسائل عبر توجيه صادر عن مكتب المرشد الأعلى، دعا إلى الاستعداد لرد فوري وفعال على أي تهديد دون قيود جغرافية، مع تحديث قائمة الأهداف المحتملة لتشمل أصولًا أميركية وإسرائيلية مادية وغير مادية.

وتحمل هذه الصياغة دلالات تتجاوز التهديد التقليدي بالرد على الهجمات، إذ توحي بمحاولة توسيع نطاق الردع جغرافيًا وعملياتيًا، وترك مساحة من الغموض بشأن طبيعة الأهداف التي قد تشملها أي مواجهة مقبلة.

لكن الإعلان عن هذه التوجهات لا يمثل دليلًا على قدرة إيران العملياتية على تنفيذ جميع عناصرها، بل يعكس بالدرجة الأولى الرسالة السياسية والعسكرية التي تريد إيصالها إلى خصومها.

وزاد رئيس الأركان علي عبد اللهي من حدة الخطاب عندما تحدث عن احتمال عدم انتظار بدء الهجوم المعادي إذا رصدت إيران مؤشرات أولية تدل على الاستعداد لتنفيذه.

ويمثل هذا التصريح انتقالًا على مستوى الخطاب من التأكيد على الرد الانتقامي إلى التلويح بإمكانية التحرك الاستباقي، وهو ما يرفع درجة عدم اليقين لدى الأطراف الأخرى.

ومع ذلك، يظل تعريف التهديد الوشيك أو المؤشرات التي قد تبرر التحرك الاستباقي غير واضح، ما يجعل التصريحات أداة لتوسيع الردع النفسي والسياسي بقدر ما تعكس استعدادات عسكرية محتملة.

وفي المقابل، ساهمت تقارير الإعلام الإيراني عن اتصالات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتصريحات ترامب بشأن تقدم المحادثات مع إيران، في تعزيز الانطباع بأن الخيار العسكري لا يزال حاضرًا رغم استمرار القنوات الدبلوماسية.

ولا تثبت هذه التقارير وجود قرار بتنفيذ هجوم جديد، لكنها توضح طبيعة البيئة السياسية التي تتحرك فيها طهران، حيث يُستخدم التفاوض والتهديد العسكري في الوقت نفسه للتأثير في حسابات الطرف الآخر.

مضيق هرمز.. ورقة ضغط عالمية تحمل تكلفة داخلية

يمثل مضيق هرمز أحد أهم عناصر النفوذ التي تعتمد عليها إيران في إدارة الأزمة، بالنظر إلى أهميته لتدفقات الطاقة والتجارة الدولية.

وقد أشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى أن أزمة المضيق تضاعف الضغوط الاقتصادية العالمية، وهو ما يمنح الخطاب الإيراني فرصة للتأكيد على أن تداعيات المواجهة تتجاوز حدود الخليج.

ومن منظور طهران، فإن القدرة على التأثير في حركة الملاحة تمنحها وسيلة لرفع تكلفة استمرار الأزمة بالنسبة إلى القوى الدولية، بما قد يدفعها إلى البحث عن تفاهمات أسرع.

لكن استخدام هذه الورقة لا يخلو من مخاطر.

فكلما طال أمد اضطراب الملاحة، اتسعت التداعيات الاقتصادية على دول المنطقة والأسواق العالمية، وفي مقدمتها الاقتصاد الإيراني نفسه، الذي يحتاج إلى استمرار تدفقات التجارة والواردات وعائدات الطاقة.

وهنا تظهر مفارقة استراتيجية مهمة؛ إذ تتحول الأداة المستخدمة للضغط على الخصوم إلى مصدر ضغط إضافي على الدولة التي تستخدمها.

ولذلك، فإن القيمة الحقيقية لورقة هرمز لا تتحدد فقط بقدرتها على إرباك الأسواق، بل بمدى إمكانية تحويلها إلى اتفاق يحقق مكاسب دون إطالة أمد الخسائر الاقتصادية.

العقيدة النووية.. غموض متعمد يثير مخاطر التصعيد

في الملف النووي، تظهر فجوة واضحة بين الموقف الرسمي الإيراني والتغيرات التي يشهدها الخطاب السياسي والإعلامي الداخلي.

فقد أكد محسن رضائي عدم اتخاذ قرار بتعديل العقيدة النووية الإيرانية، بينما واصل عباس عراقجي التأكيد على التزام طهران الرسمي بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

غير أن مجرد طرح احتمالات تغيير العقيدة النووية على لسان شخصيات بارزة، وربطها بمتطلبات الردع ومنع اندلاع حرب جديدة، يشير إلى اتساع حدود النقاش العام حول مسألة كانت أكثر تقييدًا في السابق.

وتكمن خطورة هذا التحول في أن الغموض النووي قد يؤدي وظيفتين متعارضتين؛ فمن ناحية، يمكن أن يزيد المخاوف لدى الخصوم ويعزز القدرة التفاوضية الإيرانية، ومن ناحية أخرى قد يدفع بعض الأطراف إلى الاعتقاد بأن قرار التوجه نحو السلاح النووي أصبح أقرب، حتى من دون وجود إعلان رسمي بذلك.

وقد عكست صحيفة «هم ميهن» الإصلاحية هذا القلق، عندما انتقدت تقديم تغيير العقيدة النووية بوصفه مطلبًا شعبيًا دون وجود استطلاعات أو استفتاء أو نقاش عام يسمح بتعدد الآراء.

كما حذرت الصحيفة من أن مجرد إعلان السعي لامتلاك أسلحة نووية، قبل توافر قدرة فعلية، قد يؤدي إلى زيادة دوافع شن هجوم على إيران بدلًا من منع وقوعه.

ومن زاوية أخرى، أثار الكاتب أحمد زيد آبادي تساؤلات بشأن غياب الشفافية حول طبيعة الاتصالات الجارية والسيناريوهات المحتملة للحرب، منتقدًا اعتماد الرأي العام على تصريحات شخصيات لا تتحمل مسؤولية رسمية مباشرة.

وتعكس هذه المواقف اختلافًا داخل النقاش الإيراني بين من يرى الغموض أداة ضرورية للردع، ومن يخشى أن يتحول إلى عامل يزيد احتمالات سوء التقدير والتصعيد.

وفي المحصلة، لا توجد في المعطيات المطروحة أدلة على تغيير رسمي للعقيدة النووية، لكن هناك تحولًا ملحوظًا في حدود الخطاب المسموح بشأنها.

التضخم يضغط على الداخل الإيراني ويقلص هامش المناورة

بينما تحاول طهران استخدام أوراقها العسكرية والدبلوماسية لتعزيز موقعها الخارجي، تكشف المؤشرات الاقتصادية عن أزمة متفاقمة تهدد قدرتها على تحمل استمرار التوتر.

فقد أظهرت بيانات أكتوبر 2026 وصول معدل التضخم السنوي في إيران إلى 76.8%، بينما بلغت الزيادة في الأسعار مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق 88.7%.

وتكشف التفاصيل عن تفاوت واضح في توزيع الأعباء، إذ بلغت الزيادة السنوية في الأسعار بالمناطق الريفية 107%، مقابل 85.5% في المناطق الحضرية.

كما بلغ معدل التضخم السنوي للشريحة الثانية من شرائح الدخل 85.8%، مقارنة بنحو 74.8% للشريحة الأعلى دخلًا.

وتشير هذه الأرقام إلى أن التضخم لا يؤثر في جميع الفئات بصورة متساوية، بل يفرض عبئًا أكبر على الأسر الأقل دخلًا وسكان المناطق الطرفية، الذين يخصصون نسبة مرتفعة من مواردهم للاحتياجات الأساسية.

وتزداد خطورة هذه التطورات مع استمرار الضغوط على الأجور.

فبحسب تصريح لرئيس لجنة الميزانية في البرلمان الإيراني، يتقاضى نحو 75% من الموظفين الحكوميين أقل من 30 إلى 35 مليون تومان شهريًا، وهو مستوى اعتبره غير متناسب مع تكاليف المعيشة.

ورغم أن هذا التقدير لا يمثل جدولًا شاملًا للأجور، فإنه يعكس حجم الضغوط التي تواجهها شرائح واسعة من العاملين في القطاع العام.

ولا تتوقف الأزمة عند السلع والخدمات اليومية، بل تمتد إلى سوق الإسكان.

فوفق تقدير نُشر مطلع نوفمبر، تحتاج الفئات التي تمثل أدنى 40% من المجتمع الإيراني إلى ادخار يمتد بين 70 و80 عامًا لشراء شقة تبلغ مساحتها 70 مترًا مربعًا.

ويعتمد هذا التقدير على افتراضات تتعلق بالأجور ومعدلات الادخار وأسعار المساكن، لكنه يكشف عن اتساع الفجوة بين القدرة الشرائية وتكلفة امتلاك العقارات.

وبذلك، يتحول التضخم من أزمة اقتصادية إلى تحدٍ اجتماعي طويل الأمد، يؤثر في الاستقرار المعيشي وفرص الحراك الاجتماعي بين الأجيال.

أزمة الموارد الحكومية.. أصول موجودة وعوائد غائبة

لا تقتصر الأزمة الاقتصادية الإيرانية على ارتفاع الأسعار وضعف الأجور، بل تشمل أيضًا صعوبات في تحويل الأصول الحكومية إلى موارد مالية قابلة للاستخدام.

فقد أقر محمد رضا عارف بأن الإيرادات المحققة من التصرف في أصول الدولة لم تتجاوز 4.3% من المستهدف المدرج في الموازنة.

وأرجع هذا التعثر إلى البيروقراطية ومخاوف المديرين من الجهات الرقابية، إلى جانب تداعيات تجارب الخصخصة السابقة.

ويكشف هذا الوضع عن مشكلة تنفيذية تتجاوز نقص الموارد، إذ قد تمتلك الدولة أصولًا وخططًا مالية، لكنها تواجه عوائق مؤسسية تحول دون الاستفادة منها بالسرعة المطلوبة.

وفي القطاع المصرفي، تتزايد الدعوات إلى رفع أسعار الفائدة للحد من السيولة ومواجهة الاختلالات المالية داخل البنوك.

غير أن هذه الخطوة تنطوي على آثار محتملة على الإنتاج والاستثمار وفرص العمل، خصوصًا في اقتصاد يعاني بالفعل من ضغوط تضخمية حادة.

وبذلك تجد الحكومة نفسها أمام خيارات صعبة، إذ إن استمرار أسعار الفائدة المنخفضة في ظل التضخم المرتفع يضعف العوائد الحقيقية للمدخرات، بينما قد يؤدي رفعها إلى زيادة تكلفة التمويل وتعميق الركود.

وتعكس هذه المعضلة محدودية الحلول الجزئية، والحاجة إلى معالجة متزامنة للاختلالات النقدية والمالية والإدارية.

الاحتجاجات المهنية تكشف حدود الاستجابة الحكومية

على المستوى الاجتماعي، تشير بعض التطورات إلى أن السلطات الإيرانية يمكن أن تستجيب لمطالب مهنية محددة، بشرط بقائها ضمن نطاق ضيق لا يتحول إلى مواجهة سياسية واسعة.

ففي مستشفى فياض بخش، أفاد تقرير محلي بأن ملفات خمسة من أصل سبعة ممرضين واجهوا إجراءات إدارية وقانونية عقب احتجاج مهني قد سُويت إلى حد كبير، مع صرف جزء من مستحقاتهم المالية المحتجزة.

ولا تزال حالتان قيد المراجعة.

ولا تعني هذه الواقعة تغيرًا شاملًا في علاقة الدولة بالحركات العمالية أو المهنية، لكنها تظهر إمكانية تقديم تنازلات محدودة لاحتواء التوتر داخل قطاعات بعينها.

ومن منظور إدارة الأزمات، قد تمثل هذه الاستجابة محاولة لمعالجة بؤر الاستياء قبل انتقالها إلى قطاعات أخرى، دون إحداث تغييرات واسعة في آليات التعامل مع الاحتجاجات.

وفي المقابل، تبدو المقاربة الحكومية أكثر تشددًا في القطاعات الاستراتيجية، ولا سيما البنية التحتية للطاقة.

فقد طالبت وزارة النفط بتحديث خطط الطوارئ والتعافي واستمرارية التشغيل في المنشآت، مع التأكيد على عدم انقطاع إمدادات الوقود خلال الحرب.

ويعكس الجمع بين هذين الموقفين محاولة لإظهار قدرة الدولة على الصمود، مع الاعتراف ضمنيًا بأن مخاطر استهداف البنية التحتية لا تزال قائمة وتستدعي مزيدًا من الاستعداد.

هل تستطيع إيران تحويل التصعيد إلى تسوية؟

تكشف التطورات الإيرانية عن استراتيجية تسعى إلى الجمع بين أدوات تبدو متعارضة في الظاهر، لكنها تخدم هدفًا واحدًا يتمثل في تحسين شروط التفاوض وتقليل احتمالات فرض تسوية غير مواتية.

فالمسار الدبلوماسي في الدوحة يوفر قناة لاختبار التفاهمات، بينما يمثل مضيق هرمز أداة للضغط الاقتصادي، وتستخدم رسائل الردع العسكري لتوسيع حسابات المخاطر لدى الخصوم.

ويضيف النقاش بشأن العقيدة النووية مستوى آخر من الغموض، دون أن يصل حتى الآن إلى قرار رسمي بتغيير السياسة القائمة.

غير أن هذه الأدوات تضع إيران أمام معادلة شديدة الحساسية؛ فكل زيادة في الضغط الخارجي قد ترفع في المقابل الأعباء الداخلية.

فالغموض النووي قد يعزز الردع لكنه يزيد مخاطر سوء التقدير، واضطراب الملاحة قد يضغط على الاقتصادات الأخرى لكنه يضر بالتجارة الإيرانية، كما أن التصعيد العسكري قد يمنح طهران أوراقًا تفاوضية إضافية دون أن يعالج التضخم أو أزمة الإسكان.

وتتمثل المشكلة الأساسية في أن نجاح استراتيجية الضغط لا يمكن قياسه بحجم التهديدات وحدها، بل بما تحققه من نتائج سياسية واقتصادية قابلة للاستمرار.

مستقبل الأزمة.. ثلاثة مسارات محتملة

تفتح المعطيات الحالية المجال أمام ثلاثة مسارات رئيسية خلال المرحلة المقبلة.

يتمثل المسار الأول في نجاح الوساطات عبر الدوحة في الوصول إلى تفاهمات تدريجية بشأن مضيق هرمز وبعض الملفات الاقتصادية، بما يؤدي إلى خفض التوتر وتحقيق مكاسب محدودة يمكن البناء عليها.

أما المسار الثاني، فيقوم على استمرار الوضع الراهن، حيث تبقى الاتصالات الدبلوماسية مفتوحة دون اتفاق حاسم، فيما تستمر رسائل التهديد العسكري والضغوط الاقتصادية المتبادلة.

وقد يمنح هذا المسار الأطراف وقتًا إضافيًا للمناورة، لكنه يفرض تكلفة متزايدة على الاقتصاد الإيراني، خصوصًا في ظل استمرار التضخم وتآكل الدخول.

ويرتبط المسار الثالث بتصاعد احتمالات المواجهة نتيجة سوء التقدير أو تفسير التحركات العسكرية باعتبارها مقدمات لهجوم وشيك، وهو سيناريو تزداد خطورته مع اتساع الخطاب المتعلق بالتحرك الاستباقي والغموض النووي.

ولا تسمح المعلومات المتاحة بترجيح قاطع لأي من هذه المسارات، لكن المؤكد أن قدرة طهران على الاستمرار في إدارة الأزمة ستتأثر بمدى تحمل الاقتصاد والمجتمع لتكاليفها.

اختبار إيران الحقيقي يبدأ من الداخل

لا تواجه إيران اختبارًا يتعلق بقدرتها على تهديد خصومها فحسب، بل بمدى قدرتها على توظيف نفوذها الإقليمي والعسكري لتحقيق استقرار يمكن أن يشعر به المواطنون.

فإبقاء مضيق هرمز ضمن أدوات الضغط، وتوسيع نطاق الردع العسكري، والحفاظ على غموض الموقف النووي، كلها وسائل قد تمنح طهران مساحة إضافية للمناورة، لكنها لا تمثل غاية سياسية بحد ذاتها.

ويبقى التحدي الأساسي في تحويل هذه الأوراق إلى نتائج تخفف احتمالات الحرب وتفتح المجال أمام الاستقرار الاقتصادي وتحسين القوة الشرائية ومعالجة الاختلالات الاجتماعية.

وفي ظل تضخم مرتفع وتراجع قيمة الأجور واتساع أزمة السكن، يصبح عامل الوقت حاسمًا؛ فكل تأخير في الوصول إلى تسوية لا يترك أثره على العلاقات الخارجية فقط، بل ينعكس مباشرة على قدرة الأسر الإيرانية على تلبية احتياجاتها الأساسية.

وهكذا، قد تتمكن طهران من توسيع هامش التفاوض مع الخارج، لكنها تخاطر في الوقت نفسه بتضييق هامش الاستقرار في الداخل.

وسيكون المعيار الحقيقي لنجاح سياستها هو قدرتها على تحويل الضغط إلى مكاسب، والتهديد إلى تفاهم، والقوة التفاوضية إلى تحسن ملموس في حياة الإيرانيين.