الأذريون في إيران: بين الاندماج في الدولة وصعود الهويات العابرة للحدود
تبدو القضية الأذرية للوهلة الأولى مجرد ملف يتعلق بأقلية قومية كبيرة داخل إيران، غير أن النظرة المتعمقة تكشف أنها واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بمستقبل التوازنات الداخلية والإقليمية للجمهورية الإسلامية. فالأذريون لا يمثلون أقلية هامشية أو جماعة معزولة على أطراف الدولة، بل يشكلون أحد المكونات المؤسسة لإيران الحديثة، ويتمتعون بحضور واسع داخل مؤسسات السلطة والاقتصاد والجيش ورجال الدين. ومع ذلك، فإن صعود القومية الأذرية في جنوب القوقاز، وتنامي النفوذ التركي، واتساع الحضور الإسرائيلي على حدود إيران الشمالية، أعادت جميعها إحياء المخاوف الإيرانية القديمة من تحول الهوية الأذرية إلى أداة ضغط جيوسياسي على الدولة.
أذريون في قلب الدولة لا على هامشها
خلافاً لما هو الحال بالنسبة لبعض القوميات الأخرى في إيران، مثل الأكراد أو البلوش أو العرب في الأحواز، فإن الأذريين يحتلون موقعاً مختلفاً تماماً داخل البنية السياسية والاجتماعية الإيرانية. فمنذ العصر الصفوي في القرن السادس عشر لعبت القبائل التركية الأذرية دوراً محورياً في بناء الدولة الإيرانية نفسها.
بل إن العديد من الباحثين يرون أن الدولة الصفوية، التي أسست إيران الحديثة ووحدت أراضيها تحت راية التشيع الاثني عشري، قامت أساساً على تحالفات عسكرية تركية قزلباشية كانت اللغة التركية الأذرية إحدى لغاتها الرئيسة. ولذلك لا ينظر كثير من الأذريين إلى أنفسهم باعتبارهم جماعة وافدة أو منفصلة عن الهوية الإيرانية، بل باعتبارهم شركاء تاريخيين في صنعها.
ولعل وصول شخصيات أذرية إلى أعلى مواقع السلطة يعكس هذه الحقيقة. فالمرشد الأعلى علي خامنئي ينحدر من أسرة أذرية ويتحدث اللغة الأذرية بطلاقة، كما أن شخصيات عديدة في الحرس الثوري والمؤسسة الدينية والبيروقراطية الإيرانية تعود أصولها إلى المناطق الأذرية.
غير أن هذا الاندماج السياسي لم يمنع ظهور شعور متزايد لدى قطاعات من الأذريين بأن الدولة الإيرانية ما زالت تعتمد نموذجاً ثقافياً فارسياً مركزياً يهمش اللغات والهويات غير الفارسية.
المفارقة الإيرانية: التشيع يوحد والقومية تفرق
تكمن إحدى أهم معضلات الدولة الإيرانية في أن العامل الذي يمنحها قوة داخلية ــ أي الهوية الشيعية ــ ليس بالضرورة العامل الحاسم في تشكيل الولاءات القومية.
فعلى الرغم من أن الأذريين الإيرانيين والأذربيجانيين في جمهورية أذربيجان يشتركون في الانتماء المذهبي الشيعي، فإن القومية الأذرية الحديثة تشكلت في العقود الأخيرة بصورة متزايدة حول اللغة والتاريخ والهوية الإثنية أكثر من تشكلها حول الدين.
وتخشى طهران من أن يؤدي هذا التحول إلى تراجع قدرة الرابطة المذهبية على احتواء النزعات القومية العابرة للحدود.
ويزداد هذا القلق مع حقيقة ديموغرافية مهمة غالباً ما يتم تجاهلها، وهي أن عدد الأذريين داخل إيران يفوق على الأرجح عدد سكان جمهورية أذربيجان نفسها. فبينما يبلغ عدد سكان أذربيجان نحو عشرة ملايين نسمة، تشير معظم التقديرات إلى أن عدد الأذريين في إيران يتراوح بين 15 و25 مليوناً.
وهذا يعني أن أي صعود قوي للقومية الأذرية يمكن أن يمتلك تأثيراً أكبر داخل إيران منه داخل الدولة الأذرية ذاتها.
جنوب القوقاز: من منطقة عازلة إلى ساحة تهديد
منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 تغيرت البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران بصورة جذرية. فبدلاً من حدود طويلة مع قوة عظمى واحدة هي الاتحاد السوفيتي، وجدت طهران نفسها أمام مجموعة من الدول المستقلة الجديدة، وفي مقدمتها أذربيجان.
في البداية اعتقدت إيران أن الروابط المذهبية ستجعل باكو أقرب إليها من غيرها. لكن ما حدث كان العكس تقريباً.
فأذربيجان المستقلة اختارت نموذجاً علمانياً أقرب إلى النموذج التركي منه إلى النموذج الإيراني، ثم أقامت علاقات استراتيجية متنامية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ومع مرور الوقت أصبحت إسرائيل أحد أهم موردي السلاح لأذربيجان، وتشير تقديرات عديدة إلى أن ما بين 60 و70 بالمئة من واردات باكو العسكرية خلال بعض السنوات جاءت من إسرائيل.
ومن منظور طهران، فإن المشكلة لم تعد تتعلق بمجرد دولة جارة، بل بتحول حدودها الشمالية إلى منطقة نفوذ لقوة تعتبرها إيران عدواً استراتيجياً.
حرب كاراباخ وتغير ميزان القوى
مثلت حرب ناغورنو كاراباخ الثانية عام 2020 نقطة تحول مفصلية في الحسابات الإيرانية.
فطوال ثلاثة عقود كان الوضع القائم في الإقليم يوفر لطهران نوعاً من التوازن بين أرمينيا وأذربيجان. لكن الانتصار العسكري الأذربيجاني المدعوم تركياً وإسرائيلياً أدى إلى تغيير هذا الواقع بصورة جذرية.
للمرة الأولى منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ظهر محور تركي ـ أذربيجاني يمتلك قدرة حقيقية على إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية لجنوب القوقاز.
وكانت طهران تدرك أن انتصار باكو لا يحمل فقط دلالات عسكرية، بل يحمل أيضاً آثاراً نفسية ورمزية عميقة على ملايين الأذريين داخل إيران الذين تابعوا الحرب باعتبارها قضية قومية تتعلق بهم بصورة مباشرة.
ولهذا شهدت المدن الأذرية الإيرانية خلال الحرب مظاهرات داعمة لأذربيجان، في مشهد نادر كشف حجم التعاطف الشعبي مع باكو.
الممر الزنغزوري: الكابوس الجيوسياسي الإيراني
ربما لا يوجد ملف يقلق صانعي القرار في طهران أكثر من مشروع "ممر زنغزور".
فهذا الممر، الذي تسعى أذربيجان إلى فتحه عبر الأراضي الأرمنية، يهدف إلى ربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان ومنه إلى تركيا.
ظاهرياً يبدو المشروع مجرد ممر للنقل والتجارة، لكن إيران تنظر إليه باعتباره مشروعاً يعيد تشكيل الخريطة الاستراتيجية للمنطقة.
ففي حال نجاحه قد تتراجع أهمية الأراضي الإيرانية كممر تجاري بين آسيا الوسطى والقوقاز وتركيا، كما أنه سيؤدي إلى تعزيز التواصل الجغرافي المباشر بين العالم التركي من الأناضول حتى آسيا الوسطى.
ولهذا السبب أعلنت إيران مراراً رفضها أي تغيير للحدود الدولية القائمة في جنوب القوقاز، ونفذت مناورات عسكرية واسعة قرب الحدود الأذرية خلال السنوات الأخيرة.
تركيا وعودة الفكرة الطورانية
تدرك طهران أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في أذربيجان وحدها، بل في المشروع الثقافي والسياسي الأوسع الذي تتبناه تركيا تحت عنوان "العالم التركي".
فمن خلال مؤسسات مثل منظمة الدول التركية، تعمل أنقرة على تعزيز الروابط اللغوية والثقافية والاقتصادية بين الشعوب التركية الممتدة من البلقان إلى آسيا الوسطى.
ورغم أن هذا المشروع لا يتضمن رسمياً مطالب إقليمية داخل إيران، فإن صعوده يعزز شعور الانتماء العابر للحدود لدى بعض الأذريين الإيرانيين.
ومن هنا يمكن فهم رد الفعل الإيراني الحاد تجاه قصيدة "آراس" التي تلاها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عام 2020، إذ رأت فيها طهران تلميحاً رمزياً إلى وحدة الشعب الأذري على جانبي النهر.
هل يواجه النظام الإيراني خطراً انفصالياً؟
حتى الآن، تبدو الإجابة الأقرب إلى الواقع: لا.
فالحركات الانفصالية الأذرية داخل إيران ما تزال محدودة التأثير، ولا تمتلك البنية التنظيمية أو الشعبية الكافية لتحويل مطالبها إلى مشروع سياسي واسع.
كما أن الأذريين يتمتعون بدرجة من الاندماج الاقتصادي والسياسي تفوق بكثير ما تتمتع به أقليات أخرى.
لكن الخطر الذي يقلق طهران ليس الانفصال المباشر، بل احتمال تحول المناطق الأذرية إلى مساحة مفتوحة للتأثيرات الخارجية في لحظة ضعف داخلي أو أزمة سياسية كبرى.
فإذا اجتمعت أزمة اقتصادية عميقة، وصراع على السلطة داخل النظام، وتصاعد القومية التركية في المنطقة، وتزايد النفوذ الإسرائيلي في أذربيجان، فإن المسألة الأذرية قد تتحول من قضية ثقافية إلى أحد أهم التحديات الاستراتيجية التي تواجه الدولة الإيرانية.
الخلاصة
لا تمثل القضية الأذرية مجرد ملف أقليات داخل إيران، بل تقع عند نقطة تقاطع ثلاثة مستويات من الصراع: صراع الهوية داخل الدولة الإيرانية، وصراع النفوذ في جنوب القوقاز، وصراع التوازنات الإقليمية بين إيران وتركيا وإسرائيل.
ولهذا السبب تنظر طهران إلى الأذريين بوصفهم مكوناً أساسياً من نسيجها الوطني، لكنها في الوقت ذاته تتعامل مع أي تعبير سياسي أو ثقافي يتجاوز الحدود الرسمية للدولة باعتباره مسألة ترتبط مباشرة بالأمن القومي الإيراني. وبين هذين الاعتبارين ستظل القضية الأذرية أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في مستقبل إيران الإقليمي والداخلي.
