الجزائر والإمارات في آتون الصراع على النفوذ والأمن الإقليمي

تقارير وملفات - Foresight

لم يعد التوتر بين الجزائر والإمارات مجرد خلاف دبلوماسي عابر أو تباين في وجهات النظر بشأن ملفات إقليمية، بعدما قررت الجزائر في 10 سبتمبر/أيلول 2026 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع أبوظبي، ومنحت سفير الإمارات مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد. وفي خطوة إضافية، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات المدنية والعسكرية المسجلة في الإمارات.

ويمثل القرار تصعيدًا كبيرًا في العلاقات بين بلدين حافظا على علاقات دبلوماسية منذ سبعينيات القرن الماضي، لكنه في الوقت نفسه يبدو نتيجة لمسار طويل من التوتر تراكمت خلاله الخلافات حول قضايا الأمن والسياسة الخارجية في شمال أفريقيا والساحل والشرق الأوسط.

في المقابل، اختارت أبوظبي الرد بلغة أقل تصعيدًا، إذ أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن أملها في أن يكون القرار «مؤقتًا»، مؤكدة حرصها على استمرار الروابط بين الشعبين والمصالح المشتركة. ويشير هذا الموقف إلى أن الإمارات، رغم القطيعة، لا تبدو راغبة في إغلاق الباب أمام إمكانية إعادة العلاقات مستقبلًا.

قرار جزائري بعد سنوات من التراكم

قالت وزارة الخارجية الجزائرية إن قرار قطع العلاقات جاء بعد "استنفاد جميع السبل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية»، متهمة الإمارات بزيادة ما وصفته بـ«التصرفات الاستفزازية أو العدائية". ولا يقدم البيان الجزائري تفصيلًا كاملًا للوقائع التي دفعت إلى القرار، إلا أن تصريحات المسؤولين الجزائريين خلال الأشهر السابقة تشير إلى أن الخلاف كان يتجاوز ملفًا واحدًا. فالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون كان قد وجّه في مناسبات سابقة انتقادات حادة إلى الإمارات، وتحدث عن ضرورة ابتعادها عن الجزائر، بينما بدأت السلطات الجزائرية في فبراير/شباط إجراءات مرتبطة بإلغاء اتفاقية للخدمات الجوية الموقعة بين البلدين عام 2013. وبالتالي، فإن القطيعة الدبلوماسية تبدو أقرب إلى نهاية مرحلة من التدهور التدريجي منها إلى رد فعل منفرد على حادثة محددة.

من الخلاف الثنائي إلى التنافس الإقليمي

يكمن الجزء الأكثر تعقيدًا من الأزمة في أن العلاقات بين الجزائر والإمارات لا تُفهم بمعزل عن اختلاف تصور البلدين لدورهما في محيطهما الإقليمي. فالجزائر تتبنى تقليديًا سياسة خارجية تؤكد سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع اهتمام خاص بأمن حدودها الجنوبية والشرقية وبالتطورات في منطقة الساحل وليبيا. أما الإمارات فقد تبنت خلال السنوات الماضية سياسة خارجية أكثر نشاطًا، تقوم على بناء شراكات متعددة والتدخل بدرجات مختلفة في عدد من الملفات الإقليمية، سواء عبر الدبلوماسية أو العلاقات الاقتصادية أو التعاون الأمني والسياسي.

هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة أن كل تحرك إماراتي في المنطقة يستهدف الجزائر مباشرة، لكنه يفسر لماذا تنظر الجزائر إلى بعض التحركات الإماراتية من منظور أمني أكثر حساسية، خصوصًا عندما تقع في دول مجاورة أو في مناطق تعتبرها الجزائر جزءًا من مجالها الأمني المباشر.

الصحراء الغربية: نقطة تقاطع معقدة

يأتي ملف الصحراء الغربية في مقدمة الملفات التي عمقت التباعد بين البلدين، فالجزائر تدعم موقف جبهة البوليساريو وتتمسك بمسار يضمن تقرير المصير، في حين عززت الإمارات علاقاتها مع المغرب وأبدت دعمًا لموقفه بشأن الصحراء الغربية، كما افتتحت قنصلية لها في المنطقة. ولا يمكن فصل هذا الخلاف عن التنافس الأوسع بين الجزائر والمغرب، ولا سيما أن العلاقات الجزائرية المغربية تشهد منذ سنوات توترًا حادًا.

فمن منظور الجزائر، فإن اتساع الدعم العربي والدولي للموقف المغربي في قضية الصحراء يمثل تطورًا استراتيجيًا غير مواتٍ لها. وفي المقابل، ترى الإمارات أن تطوير علاقاتها مع المغرب جزء من سياستها الخارجية وشراكاتها الاقتصادية والدبلوماسية في شمال أفريقيا. وبذلك، تحول ملف الصحراء الغربية إلى أحد المجالات التي تتقاطع فيها الاعتبارات الثنائية مع حسابات التوازن الإقليمي.

ليبيا والساحل: أمن الجزائر في مواجهة شبكة نفوذ أوسع

تظهر الخلافات بصورة أكثر مباشرة في ليبيا ومنطقة الساحل، فالجزائر تنظر إلى ليبيا باعتبارها امتدادًا جغرافيًا وأمنيًا مباشرًا لها، وتفضل عادةً تسوية سياسية تقلل من مخاطر انقسام الدولة أو تحول الأراضي الليبية إلى قاعدة لقوى مسلحة أو تدخلات خارجية.

في المقابل، ارتبط اسم الإمارات خلال السنوات الماضية بدعم سياسي وعسكري لقوات خليفة حفتر في شرق ليبيا، بحسب تقارير ومصادر دولية، وهو ما وضع أبوظبي في موقع مختلف عن التوجه الجزائري تجاه الأزمة الليبية.

وفي منطقة الساحل، تزايدت حدة التباين مع اتساع الخلافات بين الجزائر وبعض الأنظمة العسكرية في المنطقة، خاصة مالي والنيجر. وتتهم الجزائر الإمارات بتقديم دعم لبعض الأطراف التي تعتبرها الجزائر مصدرًا للاضطراب الإقليمي، بينما تنفي أبوظبي أو ترفض هذه القراءة لمواقفها الإقليمية.

وهنا يجب التمييز بين المواقف المعلنة والاتهامات السياسية؛ إذ إن بعض الادعاءات المتعلقة بالتمويل أو التسليح لا تحظى دائمًا بأدلة علنية كافية تسمح بالتعامل معها باعتبارها حقائق محسومة. لكن حتى في غياب إثبات علني لكل الاتهامات، فإن اختلاف المصالح بين البلدين في هذه الملفات واضح، وهو ما يجعلها جزءًا أساسيًا من تفسير التوتر.

السودان يضيف بعدًا جديدًا للأزمة

يشكل السودان بدوره إحدى نقاط التباين بين البلدين، فالجزائر تبنت موقفًا يميل إلى دعم مؤسسات الدولة السودانية والجيش، في حين واجهت الإمارات اتهامات متكررة بدعم قوات الدعم السريع. وقد نفت أبوظبي اتهامات تتعلق بتقديم دعم عسكري مباشر للقوات، بينما استمر الجدل الإقليمي والدولي بشأن طبيعة الدور الإماراتي في الحرب السودانية.

ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة بالنسبة للجزائر لأن السودان يقع عند تقاطع شمال أفريقيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهي مناطق ترتبط بصورة متزايدة بحسابات الأمن الإقليمي. ومن ثم، فإن السودان لا يمثل مجرد خلاف سياسي آخر، بل يعكس اختلافًا أوسع حول شكل النظام الإقليمي الذي ترغب كل دولة في رؤيته في محيطها.

إسرائيل والتطبيع: اختلاف في الرؤية السياسية

ساهمت أيضًا مواقف البلدين تجاه إسرائيل في توسيع الفجوة السياسية، فالإمارات كانت من الدول العربية التي وقعت اتفاقات إبراهام وأقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل عام 2020، بينما حافظت الجزائر على موقف أكثر تحفظًا ورفضت مسار التطبيع في غياب تسوية للقضية الفلسطينية. ولا يعني ذلك أن الخلاف حول إسرائيل كان وحده سبب القطيعة، لكنه أصبح جزءًا من اختلاف أوسع في رؤية البلدين للعلاقات الدولية والتحالفات الإقليمية. فالجزائر تنطلق بدرجة كبيرة من إرث سياستها الخارجية المرتبط بدعم حركات التحرر والقضية الفلسطينية وعدم الانحياز، بينما تتبنى الإمارات مقاربة أكثر براغماتية تقوم على بناء شراكات أمنية واقتصادية متعددة، بما في ذلك علاقاتها مع إسرائيل.

ملف الهوية الأمازيغية: عندما يتحول الإعلام إلى ساحة صراع

بلغ التوتر مستوى أكثر حساسية عندما ارتبط النقاش السياسي الإماراتي ـ الجزائري بقضايا الهوية داخل الجزائر، فالتصريحات التي أدلى بها المؤرخ الجزائري محمد أمين بلغيث عام 2025 بشأن الأمازيغية أثارت جدلًا واسعًا، بعد أن ربط فيها القضية بما وصفه بمشروع فرنسي ـ إسرائيلي، بينما اعتبرت وسائل إعلام جز