هل ينتهي العمل الصحفي عندما يضغط المحرر زر النشر؟ كان هذا السؤال يبدو غريبًا قبل سنوات، لأن الإجابة كانت بديهية، فالصحيفة تنشر، ثم يصل الخبر إلى القارئ عبر صفحاتها أو شاشتها، أما اليوم فقد أصبح النشر مجرد بداية لرحلة جديدة، رحلة لا تتحكم فيها المؤسسة الإعلامية وحدها، بل تشاركها فيها أنظمة التوصية والخوارزميات التي تقرر أي الأخبار تستحق الظهور، ولمن، وفي أي لحظة، وكم مرة.
عندما صاغ عالم النفس كورت لوين مفهوم حارس البوابة (Gatekeeping) في أربعينيات القرن الماضي، ثم طبقه ديفيد مانينغ وايت على العمل الصحفي عام 1950، كان الحارس شخصًا يجلس داخل غرفة الأخبار، يختار ما يعبر إلى الجمهور وما يبقى خارج النشر، وكانت سلطة المؤسسة الإعلامية تبدأ من قرار التحرير وتنتهي عند وصول الصحيفة إلى القارئ، لكن البيئة الرقمية أعادت توزيع هذه السلطة دون أن تلغيها، فلم يعد السؤال: من يقرر نشر الخبر؟ بل أصبح: من يقرر أن يراه الجمهور أصلًا؟
هذه هي النقلة التي أرى أنها تمثل التحول الأكبر في الإعلام الرقمي، فالسلطة لم تنتقل من رئيس التحرير إلى الخوارزمية كما يعتقد البعض، وإنما انتقلت من قرار النشر إلى قرار الوصول، فالمؤسسة لا تزال تملك قرار إنتاج الخبر، لكنها لم تعد تملك وحدها قرار انتشاره، إذ أصبح الوصول إلى الجمهور يمر عبر أنظمة توصية معقدة، لا تكتفي بترتيب المحتوى، بل تحدد فرص ظهوره وفق مئات الإشارات المتعلقة باهتمامات المستخدم وسلوكه وتفاعله.
هذا لا يعني أن الخوارزمية أصبحت صحفيًا أو رئيس تحرير، فهذه مبالغة لا تدعمها الأدبيات العلمية، بل إن أحدث الدراسات تشير إلى أن الإنسان ما زال محور القرار التحريري، لكن المحرر يعمل اليوم داخل بيئة تتأثر باستمرار بمنطق المنصات، فهو يعلم أن عنوانًا معينًا قد يحظى بانتشار أكبر، وأن فيديو يحتفظ بالمشاهد لثوانٍ إضافية قد يحصل على توزيع أوسع، وأن مادة لا تحقق تفاعلًا سريعًا قد تختفي رغم قيمتها المهنية، وهكذا لا تملي الخوارزمية القرار، لكنها تعيد تشكيل الحوافز التي يُتخذ القرار في ظلها.
وتدعم الأدبيات الحديثة هذا الفهم. فقد أظهرت دراسة منشورة في مجلة Journalism عام 2024 أن الجمهور يمنح ثقة أكبر للأخبار التي يختارها الصحفيون مقارنة بالأخبار التي تختارها الخوارزميات، بينما لم يؤد تفضيل الاختيار الخوارزمي إلى زيادة الثقة في الأخبار، وهو ما يؤكد أن المجتمع لا يزال يرى الإنسان عنصرًا أساسيًا في العملية التحريرية.
كما يبين تقرير الأخبار الرقمية الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2025 أن وسائل الإعلام التقليدية تواجه تراجعًا مستمرًا في قدرتها على الوصول إلى الجمهور، مع انتقال متسارع لاستهلاك الأخبار عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو، وهو تحول يمنح أنظمة التوصية دورًا أكبر في تحديد ما يراه الناس، دون أن يلغي الحاجة إلى الصحافة المهنية. ويشير التقرير أيضًا إلى أن الجمهور يتقبل استخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدة الصحفي، لكنه يبقى متحفظًا تجاه إنتاج الأخبار آليًا دون إشراف بشري.
ومن اللافت أن النقاش الأكاديمي نفسه بدأ يتغير، فلم تعد الأدبيات تتحدث فقط عن حارس البوابة التقليدي، بل ظهر مفهوم الحراسة الخوارزمية للبوابة (Algorithmic Gatekeeping)، وهو مفهوم لا يساوي بين الخوارزمية والمحرر، وإنما يشرح كيف أصبحت المنصات شريكًا في تحديد ما يصل إلى المجال العام، عبر أنظمة التوصية والفرز والترتيب، وهي عملية تحمل أبعادًا اقتصادية وثقافية وسياسية، وليست تقنية فقط.
وهذا يفسر تغير سلوك غرف الأخبار نفسها، فالمحرر لم يعد يراقب جودة النص وحدها، بل يراقب أيضًا مؤشرات الوصول، ويقرأ بيانات الجمهور، ويختبر صيغ العناوين، ويعيد إنتاج المادة لتناسب أكثر من منصة، ولم يعد نجاح الخبر يقاس فقط بدقته أو أهميته، بل بقدرته على عبور بوابات رقمية لا تملكها المؤسسة الإعلامية.
لكن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن هذه المؤشرات يجب أن تقود القرار التحريري، لأنها في النهاية تقيس اهتمام الجمهور، لا مصلحته بالضرورة، فالصحافة لم تنشأ لتقديم أكثر ما يجذب الانتباه، وإنما لتقديم ما يحتاج المجتمع إلى معرفته، حتى عندما يكون أقل جاذبية، وإذا أصبحت المؤشرات الرقمية هي الحكم النهائي، فإن الصحافة تخاطر بالتخلي تدريجيًا عن وظيفتها العامة لصالح منطق المنافسة على الانتباه.
لهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الإعلام الرقمي ليس مقاومة الخوارزميات، ولا الاستسلام لها، بل إعادة تعريف العلاقة معها، بحيث تبقى البيانات أداة تساعد الصحفي على فهم جمهوره، لا سلطة تحدد له ماذا يكتب، لأن استقلال القرار التحريري لا يبدأ عند لحظة كتابة الخبر، بل يبدأ عندما يرفض المحرر أن تتحول معايير الوصول إلى معايير للحقيقة، وعندها فقط يبقى الإنسان هو حارس البوابة، حتى لو تغير شكل البوابة نفسها.