ما جرى فى سبتة لا يمكن التعامل معه باعتباره موجة هجرة غير نظامية عادية. فعندما يعبر ما بين 50 و60 ألف شخص خلال يومين إلى مدينة لا يتجاوز عدد سكانها 85 ألف نسمة، يصبح الحدث أقرب إلى صدمة سكانية وأمنية مؤقتة، تتجاوز بكثير قدرة شبكات التهريب التقليدية أو أجهزة المدينة على الاستيعاب.
والأرقام ما زالت متحركة. فبعدما أشارت الحصيلة الأولية إلى غرق 34 شخصًا، ارتفع العدد، بحسب أحدث التقارير صباح الأول من أغسطس، إلى ما لا يقل عن 67، فيما قالت السلطات الإسبانية إن أكثر من 48 ألفًا عادوا إلى المغرب. وقد هدأت الحدود نسبيًا بعد أن بدأت مدريد إقامة حاجز عائم بطول نحو 500 متر.
اللافت أن هذه الموجة لم تأتِ من فراغ. فقد شهد النصف الأول من هذا العام دخول نحو 2580 مهاجرًا إلى سبتة، بزيادة بلغت 164 فى المائة تقريبًا مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. أى أن الضغط كان يتصاعد تدريجيًّا قبل أن يتحول فجأة إلى اندفاع جماعى بعشرات الآلاف.
أما الشرارة المباشرة فكانت على الأرجح مزيجًا من حكم قضائى جرى تفسيره بصورة مضللة، وحملة واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعى، واستعداد اجتماعى حقيقى للمغادرة.
فى الثامن من يوليو، قضت المحكمة العليا الإسبانية بأن «الإعادة الفورية» أو ما يُعرف بالدفع الساخن لا تنطبق على من يُعترضون فى البحر أو أثناء محاولة السباحة إلى سبتة ومليلية، وإنما على من يحاولون تجاوز الحواجز عند الحدود البرية. لكن الحكم لم يمنع إعادتهم وفق الإجراءات القانونية العادية، ولم يمنحهم حق الإقامة أو الانتقال إلى البر الإسبانى.
إلا أن الرسالة التى انتشرت على تطبيقات التواصل كانت أبسط وأكثر جاذبية، من يصل إلى سبتة سباحة لن تستطيع إسبانيا إعادته. أضيفت إليها شائعات عن تسوية أوضاع المهاجرين فى إسبانيا، رغم أن برنامج التسوية لا يشمل القادمين الجدد، وإنما من كانوا موجودين فى البلاد قبل بداية هذا العام واستوفوا شروط إقامة محددة.
انتشرت المقاطع المصورة التى تُظهر نجاح مجموعات صغيرة فى الوصول، فتصرف عشرات الآلاف على أساس أن نافذة استثنائية قد فُتحت. وساعد تزامن الاندفاع مع عيد العرش فى المغرب، وتعطل كثير من المؤسسات وانخفاض مستوى الجاهزية الإداريّة والأمنية، على اتساعه بسرعة.
لكن ذلك يفسر لماذا أراد هؤلاء العبور، ولا يفسر وحده كيف استطاع هذا العدد الضخم الوصول إلى الحدود وتجاوزها.
يصعب قبول الرواية التى تختزل ما حدث فى نشاط شبكات التهريب وشائعات مواقع التواصل. فقد كان بين العابرين آلاف من الشباب والعائلات والمغاربة المقيمين فى مناطق قريبة، وليسوا جميعهم زبائن لشبكات تهريب. كما أن حشد عشرات الآلاف ونقلهم ووصولهم إلى محيط حدودى شديد الرقابة لا يمكن أن يمر من دون أن تلاحظه الدولة. تبقى محاولة الفهم، لماذا حدث ما حدث؟!
نقلا عن صحيفة المصري اليوم