بث تجريبي

العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا

دراسات وأبحاث - Foresight

تُعد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الولايات المتحدة وكندا من أكثر العلاقات الثنائية تكاملاً في العالم، إذ يرتبط البلدان بشبكة واسعة من التبادلات التجارية والاستثمارية تشمل قطاعات استراتيجية مثل الطاقة وصناعة السيارات والخدمات. وقد خضعت هذه العلاقة منذ أواخر القرن العشرين لأطر مؤسسية متعددة، بدأت باتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا عام 1989، ثم اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) عام 1994، وصولاً إلى اتفاقية الولايات المتحدة – المكسيك – كندا (USMCA) التي دخلت حيز التنفيذ عام 2020.

ومع ذلك، شهدت العلاقات التجارية بين البلدين منذ عام 2025 تصاعداً ملحوظاً في حدة التوترات، على خلفية الإجراءات الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على عدد من الصادرات الكندية. ويأتي ذلك في وقت تستعد فيه الدول الثلاث – الولايات المتحدة وكندا والمكسيك – لإجراء مراجعة دورية لاتفاقية USMCA في يوليو 2026، وهي مراجعة قد تفضي إلى تعديلات جوهرية في بنية الاتفاقية وتنظيم العلاقات التجارية في أمريكا الشمالية. كما يظل للكونغرس الأمريكي دور محوري في هذا السياق، سواء من خلال الإشراف على السياسات التجارية أو الموافقة على أي تعديلات محتملة على الاتفاقية.

أولاً: ملامح التبادل التجاري بين البلدين

تشير بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي إلى أن كندا احتلت المرتبة الثانية بين أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة في تجارة السلع والخدمات عام 2025. وتتميز العلاقات الاقتصادية بين البلدين بارتفاع مستوى التكامل في قطاع الخدمات، حيث تحقق الولايات المتحدة عادة فائضاً ملحوظاً في تجارة الخدمات مع كندا، خاصة في مجالات التمويل والسياحة والخدمات المهنية.

وعلى الجانب الكندي، تُظهر البيانات أن السوق الأمريكية تمثل الوجهة الرئيسية للصادرات الكندية، إذ تستحوذ على نحو 73% من إجمالي الصادرات السلعية الكندية، بينما تستورد كندا نحو 46% من احتياجاتها السلعية من الولايات المتحدة. كما تعكس تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بين البلدين مستوى عالياً من الترابط الاقتصادي؛ إذ تُعد الولايات المتحدة أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في كندا، في حين تمثل كندا ثاني أكبر مصدر للاستثمار في الولايات المتحدة.

وتكتسب العلاقات الاقتصادية بين البلدين أهمية إضافية في قطاع الطاقة، حيث تُعد كندا أكبر مورد للطاقة المستوردة إلى الولايات المتحدة، بما في ذلك النفط الخام والغاز الطبيعي والكهرباء. وقد ارتفعت حصة كندا من واردات النفط الخام الأمريكية بصورة ملحوظة خلال العقد الأخير، الأمر الذي يعكس عمق الاعتماد المتبادل في قطاع الطاقة بين البلدين.

ثانياً: تصاعد النزاعات الجمركية

شهد عام 2025 نقطة تحول في العلاقات التجارية بين البلدين، عندما فرضت الإدارة الأمريكية رسوماً جمركية على عدد من السلع الكندية استناداً إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية، إضافة إلى المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962. غير أن هذه الإجراءات واجهت تحدياً قانونياً، حيث قضت المحكمة العليا الأمريكية في فبراير 2026 بعدم امتلاك الرئيس صلاحية فرض الرسوم الجمركية بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية.

وفي أعقاب هذا الحكم، استبدلت الإدارة الأمريكية هذه الرسوم بفرض رسم إضافي مؤقت بنسبة 10% على الواردات، بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، مع استثناء السلع المتوافقة مع قواعد اتفاقية USMCA من هذه الرسوم. ورغم ذلك، فرضت الولايات المتحدة رسوماً على نسبة محدودة من وارداتها من كندا، في حين استمرت غالبية السلع الكندية في الدخول إلى السوق الأمريكية دون رسوم نتيجة توافقها مع قواعد الاتفاقية.

ثالثاً: الرسوم القطاعية والخلافات الصناعية

إلى جانب الإجراءات العامة، اتخذت الولايات المتحدة سلسلة من التدابير القطاعية التي شملت فرض رسوم على واردات الصلب والألومنيوم، إضافة إلى منتجات أخرى مثل الأخشاب وبعض المعادن والسيارات وقطع الغيار. وقد أثارت هذه الإجراءات ردود فعل قوية في كندا، نظراً لما تمثله هذه القطاعات من أهمية استراتيجية للاقتصاد الكندي.

وفي المقابل، لجأت كندا إلى فرض رسوم انتقامية على مجموعة من الواردات الأمريكية، كما اتخذت بعض المقاطعات الكندية إجراءات اقتصادية إضافية، مثل تقييد بيع المشروبات الكحولية الأمريكية والتأثير في سياسات المشتريات الحكومية. كما قامت الحكومة الكندية بالطعن في بعض الرسوم الأمريكية أمام منظمة التجارة العالمية.

رابعاً: قضايا تجارية أخرى مثار خلاف

تتجاوز الخلافات التجارية بين البلدين مسألة الرسوم الجمركية، لتشمل مجموعة من القضايا الاقتصادية والتنظيمية، من أبرزها:

ضريبة الخدمات الرقمية
أقرت كندا ضريبة بنسبة 3% على إيرادات شركات الخدمات الرقمية الكبرى، غير أن الضغوط الأمريكية دفعت الحكومة الكندية لاحقاً إلى التراجع عن تطبيق هذه الضريبة وإلغائها ضمن تشريعات الموازنة لعام 2026.

تنظيم منصات البث الرقمي
يُلزم قانون البث عبر الإنترنت في كندا شركات البث الرقمي بالمساهمة في تمويل المحتوى الكندي، وهو ما أثار اعتراضات في الولايات المتحدة باعتباره قد يضر بالشركات الأمريكية العاملة في هذا القطاع.

صناعة السيارات
شهد قطاع السيارات خلافاً حول تفسير قواعد المحتوى المحلي في اتفاقية USMCA، حيث اختلفت الولايات المتحدة مع كل من كندا والمكسيك بشأن طريقة احتساب نسبة المكونات المصنعة داخل أمريكا الشمالية. وقد حُسم جزء من هذا الخلاف لصالح كندا والمكسيك في قرار تحكيمي عام 2022، إلا أن القضية لا تزال دون تسوية نهائية.

المعادن الحيوية
تمثل كندا مصدراً مهماً للمعادن الحيوية التي تعتمد عليها الصناعات الأمريكية المتقدمة، وقد سعت الولايات المتحدة إلى تعزيز التعاون في هذا المجال في إطار سياسات أمن الإمدادات الاستراتيجية.

قطاع الألبان وإدارة العرض
يُعد نظام إدارة العرض الكندي في قطاع الألبان أحد أبرز مصادر التوتر التجاري، حيث ترى الولايات المتحدة أن القيود الكندية على الواردات تحد من وصول منتجاتها إلى السوق الكندية.

نزاع الأخشاب اللينة
يمثل النزاع حول تجارة الأخشاب اللينة أحد أطول النزاعات التجارية بين البلدين، حيث استمرت الخلافات بشأن الدعم الحكومي والرسوم المفروضة على هذه المنتجات لعقود طويلة.

خامساً: آفاق المستقبل ودور الكونغرس الأمريكي

يلعب الكونغرس الأمريكي دوراً محورياً في تحديد مسار السياسة التجارية للولايات المتحدة، سواء من خلال الإشراف على استخدام الرسوم الجمركية أو من خلال المشاركة في مراجعة اتفاقية USMCA. وقد ينظر الكونغرس في عدد من الخيارات، مثل تعديل صلاحيات السلطة التنفيذية في فرض الرسوم أو تقييم الآثار الاقتصادية للإجراءات التجارية المتبادلة بين البلدين.

وفي ضوء التوترات الحالية، من المرجح أن تشكل مراجعة اتفاقية USMCA المقررة في عام 2026 محطة رئيسية في إعادة صياغة قواعد التجارة في أمريكا الشمالية، بما يعكس التوازن بين اعتبارات الأمن الاقتصادي وحماية الصناعات الوطنية من جهة، ومتطلبات التكامل الاقتصادي الإقليمي من جهة أخرى.