صلاح دياب

عالم الذكاء الاصطناعي!

آراء حرة - صلاح دياب
صلاح دياب
رجل أعمال وكاتب مصري

تجاوز عُمر «الجمهورية الجديدة» فى مصر العقد بقليل. خلال تلك السنوات تغيرت الدنيا تمامًا. كان التغيير جذريًا ومُفاجئًا. الذكاء الاصطناعى سيطر على المشهد.

إذا تجاهلنا هذه الطفرة، فذلك يعنى أننا لا نُدرك حقيقة العالم الراهن. حتى الحروب التى تشهدها المنطقة تغيرت طبيعتها. السلاح التقليدى الذى كانت تتسلح به الجيوش تجاوزه الزمن. الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية هى المرحلة الأكثر خطورة فى تاريخ حروب الذكاء الاصطناعى التى انطلقت شرارتها من غزة.

المُدرعات والطائرات وحاملات الطائرات وغيرها من الأسلحة التقليدية تبدو من الماضى مقارنة بالمُسيّرات والصواريخ. السلاح التقليدى يُخلى الطريق للأسلحة القائمة على الذكاء الاصطناعى والطفرة التكنولوجية. إيران تقوم بتصنيع أسلحة الذكاء الاصطناعى المتمثل فى المُسيّرات والصواريخ الموجهة. تركيا أيضا دخلت مجال إنتاج الأسلحة الذكية. العالم العربى بعيد بمسافات كبيرة. الأمر لا يقتصر فقط على الأسلحة بل المعلومات أيضا.

تحديد الأهداف ومعرفة من أطلق الصاروخ أو المُسيّرة ومن أى مكان انطلقت؟. حتى الآن لم نعرف من أين أتت المُسيّرة التى هاجمت ميناء دمياط؟. هناك ثورة حقيقية فى عالم المعلومات. استخدامات الذكاء الاصطناعى والمعلومات ليست فى السلاح فقط. ستجدها فى الصناعة والتجارة والتعليم والصحة والاستكشافات والبحث العلمى. السؤال الذى يُلح على ذهنى كثيرًا: أين نحن من هذا التغير الذى يشهده الكوكب؟. وهل نسير على نفس الوتيرة، أم ما زلنا نرتجل ونمشى فى طريق مختلف؟.

بدأنا بمسميات لا تعكس الواقع. لدينا المجلس الوطنى للذكاء الاصطناعى. عندنا استراتيجية للذكاء الاصطناعى صدرت النسخة الثانية منها (2025- 2030). الهدف أن تساهم تطبيقات الذكاء الاصطناعى بنسبة 7.7٪ فى الناتج المحلى الإجمالى بحلول 2030. هناك تحول كامل للأتمتة فى العاصمة الإدارية والوزارات الموجودة بها. لدينا كليات للذكاء الاصطناعى. كل ذلك على الورق. لكن الواقع يقول شيئا آخر. الذكاء الاصطناعى ما زال يخص النخبة. هناك فجوة رقمية كبيرة تمنع تحول طفرة المعلومات والتقدم الرقمى إلى أسلوب حياة للمواطنين العاديين. التطبيقات «الذكية» موجودة مثل «الديكور» فى المؤسسات والمصالح التى تخدم المواطنين، لكن المستندات الورقية والدورات البيروقراطية، التى لابد من المرور بها، مستمرة.

سد الفجوة الرقمية، التى نعانى منها، لن يتحقق بالإعلانات التليفزيونية. البيانات الحكومية التى تقول إننا أصبحنا مجتمعًا إلكترونيا لن تغير من الواقع شيئا. الفجوة ستتضاءل بتوفير إنترنت بسعر يناسب قدرات أصحاب الدخول المنخفضة. إنترنت قوى سريع، وليس كما هو حادث الآن.

زيادة رسوم الجمارك والضرائب على أجهزة الكمبيوتر والتليفونات «الذكية» تجعل من الصعب الحصول عليها بالنسبة للشباب والمواطنين العاديين. الفجوة الرقمية ستتلاشى برقمنة الخدمات الحياتية اليومية ابتداء من تذكرة ركوب الأتوبيس والقطار إلى حجز موعد فى مستشفى حكومى.. مصر ستنجح فى اختبار الذكاء الاصطناعى إذا استطاعت وزارة الصحة رقمنة الوحدات الصحية الريفية بدلا من وضعها المُزرى الحالى. وإذا استطاعت وزارة الزراعة تحويل نظام الرى من الغمر إلى التنقيط لمواجهة الأزمة المائية.

الجمهورية الجديدة ستترك بصمة لن تنمحى إذا نقلت الذكاء الاصطناعى من قمة المجتمع والعاصمة الإدارية وجماعات النخبة إلى الشارع والمدرسة و«الغيط» وطوابير بطاقات التموين. الذكاء الاصطناعى يمكنه انتشال الملايين من فقرهم وجهلهم، إذا أزلنا العقبات التى تمنعه من الوصول إليهم.

نقلا عن صحيفة المصري اليوم