بث تجريبي

حاضر الثقافة في مصر

ثقافة - ياسر عبد الحافظ
ياسر عبد الحافظ
كاتب مصري
بعد انتهاء فعاليات معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته الـ 57، توجهتُ إلى الكويت بدعوة من المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب للمشاركة فى أعمال الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الثقافى. لم يغادرنى الشعور وأنا فى الكويت بأن عقلى ما زال معلقاً بما جرى على أرض المعرض هذا العام؛ ذلك أنه مثلما تواصل النقاش فى القاهرة، على وسائل التواصل الاجتماعى وبين المهتمين، بعد انتهاء فعاليات المعرض حول قضاياه وعلى رأسها الموقف من الحضور الجماهيرى الواسع لأعماله، فقد كان هذا النقاش أيضاً محوراً أساسياً فى الحديث مع من التقيت فى الكويت باعتباره الحدث الثقافى العربى الأبرز فى هذا التوقيت.

كان هناك اتفاق على حيوية الحدث وما يمثله الإقبال الواسع من علامة صحية وحضارية، لكن الرؤى اختلفت حول السبل المثلى للتنظيم وكيفية الاستفادة من الحضور بدمجه بصورة أكبر مع الفعاليات الثقافية التى اتفقت معظم الآراء على أنها فى حاجة إلى إعادة النظر، خاصة فيما يخص الدعاية عنها.

أقيمت الندوة الرئيسية لمهرجان القرين تحت عنوان «من الإرث إلى الإبداع: الكويت ومسيرة الثقافة العربية.» وقد شاركت فى أعمالها متحدثاً فى جلستها الافتتاحية إلى جانب مجموعة من المفكرين من الكويت والعالم العربي: د. سليمان العسكرى، د. سعود هلال الحربى، محمد رضا نصر الله، د. الزواوى بغوره، وأدارها د. أحمد الفرج.

يربط مصطلح الـ «إرث»، الوارد فى عنوان ندوة الكويت، بين العاصمتين الثقافيتين العربيتين اللتين قدمتا صناعة ثقافية لا زلنا نستعين بما تبقى منها إلى اليوم، وقد أنجزتا هذا بعد أن قدمتا مثالاً عظيماً على التعاون الثقافى الذى يتوجه إلى الجمهور العام بديمقراطية وانفتاح ومن دون أن يكون هادفاً إلى الربح، بل إنه على العكس من ذلك يتحمل الخسائر فى سبيل عملية التنوير الموضوعة كهدف أساسى.

حتى اللحظة فإننا نستقى الكثير من سبل العمل الثقافى من أسس تلك الفترة التى تواصلت منذ الخمسينيات والستينيات إلى عهد التسعينيات، قبل أن تشهد تراجعاً تدريجياً إلى أن وصلت إلى مرحلة لم تعد فيها قادرة على مواصلة أداء دورها بالفاعلية ذاتها بسبب جمود الآليات والأفكار، وعدم القدرة على ملاحقة التطورات المتسارعة فى بنية المجتمعات، ثم تحول تلك المجتمعات إلى وسائل المعرفة والترفيه الحديثة، ويعقبها تغير أكبر وأكثر إرباكاً والمتمثل فى إتاحة وسائل التعبير أمام الجميع ليتولى الجمهور بنفسه إنتاج فنه وخطاباته.

الجمهور الذى احتشد فى طرقات معرض القاهرة، أو ذاك الذى تابع بشغف إصدارات الكويت التاريخية، لم يعد جمهوراً «متلقياً» بالمعنى الكلاسيكى. انهار الجدار الرابع بالكامل؛ وبينما كانت المؤسسة الثقافية مشغولة بترميم واستدعاء نصوصها القديمة، كان الشارع يصنع ثقافته البديلة عبر السيولة الرقمية. هنا تكمن الفجوة؛ فنحن أمام (إرث) عظيم، لكنه يفتقد إلى (برمجيات) حديثة لنقله إلى عقول الأجيال الجديدة.

فى الورقة التى قدمتها فى تلك الفعالية قلت بأن: «الفعل الثقافى الكويتى كان جزءاً من إسهام عربى عام كان طموحه إعادة موضعة نفسه فى عالم مضطرب يشابه ما نحن عليه اليوم؛ لذا فإن استعادة التاريخ السابق، ومراجعة كيفية تكونه، ورصد الأدوار التى لعبها، ليس فعلاً احتفالياً بقدر ما هو ضرورى لإعادة التواصل مع لحظة الحاضر. وفى تقديرى، فإنه لا بد من ربط المنتج الثقافى الكويتى بسياقه التاريخى الذى صدر من خلاله؛ لأن واحدة من مزايا ذلك المنتج تفاعله مع محيطه، بما يجعله واحداً من أدوات قراءة أحداث الفترة منذ خمسينيات القرن الفائت وحتى هذه اللحظة».

فى الأوراق المختلفة التى تم تقديمها، وفى المناقشات عبر محاور الندوة، تحدث مفكرون ومبدعون وإعلاميون عرب عن الإسهام الذى قدمته الكويت فى المجالات الثقافية المختلفة، رصدوا الأدوار وتعقبوا التغيرات وصولاً إلى سؤال: وماذا بعد؟ وهو سؤال يصلح لأن تتبناه كل العواصم الثقافية العربية التى أوجد فعلها الثقافى الأرضية المناسبة للتفكير فى القضايا المطروحة على شعوبها.

لهذا أظن أن السؤال حول جمهور معرض القاهرة للكتاب سؤال خادع إلى حد بعيد، يلهى عن نقاش أولى لا بد لنا من تبنيه كمشتغلين بالفعل الثقافى قبل أن نتحول إلى الجمهور متسائلين عما يفعله بين أجنحة العرض: فما الذى نريده من وراء هذه الصناعة أولاً؟ لأنه فى الفترات الذهبية لها كانت الأهداف واضحة، على سبيل المثال: التنوير، تعميق الترابط العربى، ترسيخ الإيمان بالقضايا العربية ووحدة المصير، وغير ذلك.. فما الذى نريده من الفعل الثقافى فى لحظتنا هذه قبل أن نفتش فى نوايا الجمهور وخططه؟

أهمية إسهام الكويت فى مسيرة الثقافة العربية تشكلت استناداً إلى نظرية «المثقف الملتزم» أو «المثقف العضوي»، وعبر عمل جاد لإشاعة فعل الثقافة على أسس ديمقراطية وبأفضل الشروط الإنتاجية، هادفاً إلى توسيع أفق النقاش حول الأسئلة العربية المطروحة منذ قرون، هذا ما أكدتُ عليه ضمن الندوة، وعليه فإن هذا يدفعنا للسؤال عما يمكن لهذه الثقافة تقديمه اليوم فى ظل التغيرات الحالية؟ دعونا نسأل بصراحة: هل يكفى المواصلة على ما سبق؟ مع عدم إغفال أهميته بالطبع.

لا بد أن الملايين التى زارت معرض القاهرة للكتاب تبحث عن إجابات ما لأسئلتها حتى لو أنها لم تعبر عنها صراحة، وأن هذه الأسئلة قد تكون، وللمصادفة، هى ذاتها أسئلة الجماعة الثقافية.. قال لى أحد الأصدقاء فى الكويت: ولماذا يتكبد أحدهم عناء هذا المشوار إن كان هدفه «الفسحة» فقط كما يقول بعضهم؟ وهو سؤال منطقى للغاية ويدفعنا لأن نحاول الابتعاد قليلاً عن طرق تفكيرنا النمطية فى الجمهور والمرسومة حسب تصوراتنا وقناعتنا وآمالنا فى حصر هذا التنوع الضخم فى وصف «القارئ»، وفى السؤال إن كان اشترى كتاباً أم لا؟ هل يقرأ؟ وماذا يقرأ؟ وبدلاً من ذلك أن نصدق فى أن الثقافة لم تعد قائمة على صورة المعلم والتابع، وأن كليهما باتا يتبادلان المواقع فى عالم يصنع فيه الجميع الفن والثقافة. يضاف لهذا أننا نشهد تحولاً جذرياً فى آليات الفعل الثقافى، إن لم يكن فى المحتوى الثقافى نفسه، فى ظل السيولة الرقمية المتغيرة؛ حيث لم يعد للأفكار بريقها، وانحسر الدور التنويرى للمثقف. والأهم من ذلك كله، أن الروح البشرية نفسها باتت مهددة؛ فإن كان الإبداع سابقاً يكمن فى التوصل إلى أفكار جديدة أو حلول مبتكرة أو صورة فنية، فإنه اليوم يتقزم إلى أمر موجه إلى الذكاء الاصطناعى ليقوم عنا بما كنا نفعله، والمتوقع أنه وبعد وقت لن يعود فى حاجة إلى تلك الأوامر.

من المهم تذكر أن المشروع الثقافى الكويتى تميز بقدرته على جمع اللاعبين الثقافيين من مبدعين ومفكرين عرب من مختلف الاتجاهات على أرضية واحدة؛ فكما هو معروف، كان الأساس تعاوناً مصرياً كويتياً لوضع الأسس، قبل أن ينفتح المشروع على كل العرب، فتتداخل الأفكار والانشغالات، بما نتجت عنه استمرارية تنوع وحيوية المطبوعات المختلفة مع الحفاظ على قدر كبير من الرصانة الفكرية. فهل يمكن لنا أن نأمل فى تكرار التجربة مجدداً لنتمكن من الإحاطة بلحظتنا الحاضرة؟