بث تجريبي

هل يُحدث الاتفاق مع الولايات المتحدة شرخًا في إجماع النخبة الإيرانية؟

تحليلات - كيان شريفي
كيان شريفي
كاتب متخصص في الشؤون الإيرانية في غرفة الأخبار المركزية التابعة لإذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية (RFE/RL) في العاصمة التشيكية براغ.

كشفت حادثتان غير مألوفتين، وقعتا بفارق يوم واحد، عن مدى احتدام الجدل داخل مؤسسات الحكم الإيرانية بشأن مذكرة التفاهم (MOU) الموقعة مع الولايات المتحدة، وذلك بعد أشهر قليلة فقط من تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى.

وجاء التحدي الأول من مجلس خبراء القيادة، الهيئة الدينية المكلفة بالإشراف على المرشد الأعلى، حيث أصدر 63 عضواً من أصل 88 عضواً بياناً في 29 يونيو دعوا فيه فريق التفاوض إلى الالتزام بـ"الخطوط الحمراء" التي رسمها خامنئي. ورغم أن البيان وُجه رسمياً إلى "الشعب الإيراني"، إلا أن مضمونه بدا أقرب إلى رسالة تحذير مباشرة للمفاوضين.

وبعد ساعات قليلة، سارعت الأمانة العامة للمجلس إلى إصدار توضيح أكدت فيه أن البيان لا يمثل الموقف الرسمي للمجلس، ووصفت صدوره بأنه "أمر غير معتاد وغير متعارف عليه".

أما الحادثة الثانية، فقد وقعت في اليوم التالي عندما أوقف التلفزيون الرسمي الإيراني (IRIB) بشكل مفاجئ بث مقابلة مسجلة مسبقاً مع رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف أثناء إجابته عن سؤال يتعلق بالإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة بموجب مذكرة التفاهم.

وأوضح المكتب الإعلامي للبرلمان أن المقابلة كانت قد سُلِّمت إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون قبل أكثر من ساعتين من موعد بثها، دون أن تتلقى أي طلب مسبق لإجراء هذا الحذف أو التنسيق بشأنه. وسرعان ما أثارت الواقعة تكهنات بأن بعض كبار المسؤولين داخل هيئة الإذاعة والتلفزيون يعارضون الاتفاق مع الولايات المتحدة، ويسعون إلى إضعاف موقف فريق التفاوض.

ويرى محللون يتابعون توازنات القوى داخل النظام الإيراني أن الحادثتين، رغم اختلاف طبيعتهما، تعكسان حقيقة واحدة، وهي أنه مع غياب السلطة الشخصية التي كان يتمتع بها المرشد الراحل آية الله علي خامنئي في فرض الانضباط داخل مؤسسات الدولة، بدأت هذه المؤسسات تختبر حدود المساحة المتاحة لها للتأثير في صناعة الرواية السياسية.

وقال المحلل السياسي المقيم في بريطانيا بابك دوربيكي لإذاعة راديو فردا التابعة لـRFE/RL إن بيان مجلس الخبراء يمكن قراءته على مستويين مختلفين.

فعلى الصعيد الخارجي، يرى دوربيكي أن تصاعد الضغوط يخدم مجتبى خامنئي، الذي وصل إلى موقع المرشد عبر عملية انتقال للسلطة دعمتها الأجهزة الأمنية، دون أن يمتلك بعد قاعدة نفوذ مستقلة خاصة به. وبذلك يستطيع أن يبعث برسالة إلى واشنطن مفادها أن هامش حركته مقيد بضغوط داخلية، بينما يتيح له الطابع غير الرسمي للبيان الاحتفاظ بقدر من المرونة السياسية.

أما داخلياً، فإن البيان يعكس احتدام المنافسة بين التيارات المختلفة داخل النظام.

وأضاف دوربيكي أن توقيع 63 عضواً يمنح البيان عملياً صفة التعبير عن المؤسسة بأكملها، مرجحاً أن يكون إصداره بصيغته غير الرسمية خطوة مقصودة، لأن بياناً رسمياً بهذه الحدة لم يكن ليحصل على موافقة الأمانة العامة في خضم المفاوضات.

ويرى أن الصراع الحقيقي يدور بين تيار عقائدي متشدد مرتبط بالأجهزة الأمنية والحرس الثوري الإيراني، كان يتمتع حتى وقت قريب بنفوذ واسع داخل النظام، وبين جناح أكثر براغماتية وواقعية بدأ يحقق تقدماً في مراكز صنع القرار.

ويواصل المتشددون توجيه انتقادات حادة للاتفاق مع الولايات المتحدة، في وقت تتابع فيه واشنطن عن كثب ردود الفعل الإيرانية تجاهه.

ويؤكد هؤلاء أن إيران لم يكن ينبغي لها الدخول في مفاوضات من الأساس، ويتهمون فريق التفاوض بالتفريط في المكاسب التي تحققت بعد الحملة العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية في 28 فبراير.

في المقابل، ترفض أصوات أكثر اعتدالاً، بما في ذلك عدد من المحافظين، هذا الطرح، معتبرة أن مذكرة التفاهم تحقق لإيران مكاسب أكبر بكثير مما تمنحه للولايات المتحدة.

ويرى المعلق السياسي المقيم في فرنسا رضا عليجاني أن السؤال المحوري يتمثل في ما إذا كان المرشد الجديد سيدعم فريقه التفاوضي بشكل كامل، أم أنه سيتبع نهج والده في محاولة إرضاء جميع التيارات داخل النظام.

وأشار عليجاني إلى أن تصريحات مجتبى خامنئي الأولى بعد توليه منصب المرشد اتسمت بلغة متواضعة وحذرة، إلا أن تصريحاته الأخيرة أظهرت تحولاً واضحاً، إذ أكد أنه هو شخصياً من "سمح" لفريق التفاوض بالدخول في المحادثات.

ويرى عليجاني أن خامنئي، الذي يبلغ من العمر 56 عاماً، سيحتاج إلى وقت حتى يرسخ سلطته ويصل إلى مستوى النفوذ المطلق الذي تمتع به والده.

وإلى أن يتحقق ذلك، يرجح أن يحافظ المرشد الجديد على النهج المزدوج الذي اتبعه والده تجاه الغرب، والقائم على السماح بإجراء المفاوضات، مع الحرص في الوقت نفسه على إبقاء التيار المتشدد مندمجاً داخل بنية النظام، بدلاً من دفعه إلى موقع المعارضة الداخلية.

وفي المحصلة، لم يعد الجدل حول الاتفاق الأمريكي الإيراني مجرد مواجهة تقليدية بين الإصلاحيين والمحافظين المتشددين، بل تحول إلى اختبار بالغ الحساسية لمدى الاستقلالية التي تعتقد المؤسسات الإيرانية ــ الدينية والعسكرية والإعلامية ــ أنها باتت تمتلكها في ظل غياب مركز سلطة واحد يتمتع بإجماع مطلق كما كان الحال في عهد علي خامنئي.