الهجرة غير النظامية بين المغرب وأوروبا: حدود المقاربة الأمنية وآفاق دبلوماسية الاستثمار

دراسات وأبحاث - د. طه علي أحمد
د. طه علي أحمد
باحث في شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا وسياسات الهوية

من ضبط الحدود إلى توظيف رأس المال والخبرات؛ لماذا تحتاج الشراكة المغربية الأوروبية إلى نموذج جديد لإدارة الهجرة؟

لا تبدو الهجرة غير النظامية بين المغرب والاتحاد الأوروبي مشكلة قابلة للحل من خلال تشديد الرقابة الحدودية أو زيادة التمويل الأمني وحدهما. فاستمرار تدفقات الهجرة، رغم تعدد الاتفاقات والبرامج المشتركة، يكشف عن فجوة بين الأدوات المستخدمة لمعالجة الظاهرة والأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تدفع إليها. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في طبيعة الشراكة المغربية الأوروبية، بحيث لا تظل الهجرة ملفًا أمنيًا مرتبطًا بمنع العبور، بل تتحول إلى قضية تنموية واستراتيجية تشمل فرص العمل، وتوزيع الاستثمار، وتوظيف خبرات الجاليات في الخارج.

في هذا السياق، يطرح إنشاء صندوق لاستثمارات المغاربة المقيمين بالخارج، مستلهمًا مفهوم «صندوق التحوط للجاليات» (Diaspora Hedge Fund) المرتبط بأعمال الدكتور أنيس هـ. باجريكتاريفيتش، تصورًا لإعادة توجيه جزء من الموارد المالية والخبرات المهنية للجالية المغربية نحو مشروعات إنتاجية داخل البلاد. غير أن أهمية هذا المقترح لا تكمن في إنشاء أداة مالية جديدة فحسب، بل في قدرته المحتملة على معالجة اختلال أعمق يتمثل في غياب التوافق بين تطلعات الشباب المغربي، والأولويات الاستراتيجية للدولة، والاحتياجات الاقتصادية والأمنية الأوروبية.

وتتوقف جدوى هذا التوجه على مدى قدرة الأطراف الثلاثة على بناء إطار مشترك يجعل التنمية المحلية مصلحة متبادلة، بدلًا من اختزال العلاقة في تبادل التمويل مقابل تشديد الرقابة على الحدود.

أولًا: المقاربة الأمنية ومحدودية معالجة الأسباب

اتسمت السياسة الأوروبية تجاه الهجرة القادمة من المغرب، على مدى سنوات، بأولوية واضحة لإدارة الحدود ومكافحة شبكات التهريب. ووفقًا للأرقام الواردة في التقرير، خصص الاتحاد الأوروبي ما لا يقل عن 215 مليون يورو لمشروعات أمن الحدود في المغرب خلال الفترة من 2001 إلى 2019. وشهد التمويل توسعًا لاحقًا، شمل 140 مليون يورو إضافية في عام 2018، من بينها 30 مليون يورو للمغرب ضمن برنامج إدارة الحدود في منطقة المغرب العربي، ثم التزامات بقيمة 222 مليون يورو بين عامي 2021 و2024، إلى جانب 190 مليون يورو إضافية مخطط لها بحلول نهاية عام 2027.

وتشير هذه الأرقام، إذا تأكدت وفق بيانات التمويل الرسمية، إلى أن إدارة الحدود أصبحت أحد المكونات الرئيسية للشراكة الأوروبية المغربية. لكن السؤال الأهم ليس حجم الإنفاق وحده، وإنما مدى تأثيره الفعلي في تقليص دوافع الهجرة غير النظامية، وفي تحقيق التوازن بين المتطلبات الأمنية واحتياجات التنمية.

فزيادة الموارد المخصصة للمراقبة والاعتراض لا تؤدي بالضرورة إلى تقليص الرغبة في الهجرة، خصوصًا عندما ترتبط هذه الرغبة بضعف فرص العمل، أو عدم التوافق بين التعليم واحتياجات سوق العمل، أو التفاوت في التنمية بين المناطق. وقد تؤدي المقاربة الأمنية، إذا انفصلت عن السياسات الاجتماعية والاقتصادية، إلى نقل مسارات الهجرة من منطقة إلى أخرى، أو زيادة اعتماد المهاجرين على شبكات التهريب، من دون معالجة الأسباب الأساسية للظاهرة.

وقد عبّر المغرب عن تحفظات على اختزال دوره في حماية الحدود الأوروبية. ففي عام 2018، رفض وزير الخارجية ناصر بوريطة تصور المغرب بوصفه حارسًا حدوديًا بالوكالة عن أوروبا، وهو موقف عاد إلى الواجهة خلال أزمة سبتة عام 2021. ويكشف هذا التوتر عن إشكالية بنيوية في الشراكة: فالاتحاد الأوروبي ينظر إلى ضبط الهجرة باعتباره جزءًا من أمنه الداخلي، بينما يسعى المغرب إلى ربط التعاون في هذا المجال بمصالحه الوطنية، وأولوياته التنموية، وموقعه التفاوضي في علاقاته مع أوروبا.

وعليه، فإن استدامة التعاون لا تتطلب مزيدًا من التمويل الأمني فحسب، بل تستلزم أيضًا إعادة توزيع المسؤوليات والمنافع، وتوسيع الشراكة لتشمل الاستثمار المنتج، وتنمية المناطق المصدرة للمهاجرين، وتعزيز قدرة الاقتصاد المغربي على استيعاب شبابه.

ثانيًا: سبتة بوصفها اختبارًا للأبعاد الجيوسياسية للهجرة

تكشف الأزمات التي شهدتها سبتة في السنوات الأخيرة أن الهجرة لا يمكن تفسيرها من خلال العوامل الاقتصادية وحدها، كما لا يمكن فصلها عن السياق الدبلوماسي والمؤسسي الذي تتحرك داخله العلاقات المغربية الأوروبية.

ففي مايو 2021، عبر نحو عشرة آلاف شخص الحدود خلال 48 ساعة، في سياق توتر دبلوماسي مرتبط بقرار إسبانيا السماح لزعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، بدخول أراضيها لتلقي العلاج. وقد أظهرت هذه الأزمة مدى تأثر إدارة الحدود بالتوترات السياسية، ومدى هشاشة الترتيبات التي تعتمد بصورة أساسية على التعاون الثنائي.

ويورد التقرير كذلك تفاصيل موجة هجرة واسعة شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليو 2026، مع تقديرات تراوحت بين 60 ألفًا و80 ألف شخص، وأرقام متباينة بشأن الخسائر البشرية. ويجب التعامل مع هذه الأرقام والتفاصيل بوصفها ادعاءات منقولة تحتاج إلى تحقق مستقل من مصادر موثوقة، ولا سيما بالنظر إلى ضخامة الأعداد وتباين تقديرات الضحايا.

ومع ذلك، فإن الدلالة التحليلية التي يسعى التقرير إلى إبرازها تظل مهمة: فالأزمات الحدودية الكبرى قد تنتج عن تفاعل عوامل متعددة، تشمل القرارات القضائية، والسياسات المتعلقة بالهجرة، والشائعات الرقمية، ونشاط شبكات التهريب، ومستوى الاستعداد الأمني، والتوترات الدبلوماسية، فضلًا عن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

وبحسب الرواية التي يعرضها التقرير، أشارت بعض التغطيات إلى حكم للمحكمة العليا الإسبانية صدر في 8 يوليو 2026، وإلى طلبات تسوية أوضاع الهجرة التي تجاوزت مليون طلب بنهاية يونيو من العام نفسه، فضلًا عن تساؤلات بشأن كيفية التعامل مع تحذيرات استخباراتية سابقة للأزمة. كما نقل التقرير عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز استبعاده أن تكون السلطات المغربية قد تعمدت تنظيم موجة العبور، وتركيزه على دور المعلومات المضللة وشبكات التهريب.

وفي المقابل، أشار التقرير إلى روايات تتحدث عن انتشار أمني مغربي أقل من المعتاد، مع بقاء حجم هذا التراجع ودوافعه موضع خلاف. وذكر أيضًا أن زيارة سانشيز إلى الجزائر سبقت الأزمة بعشرة أيام، لكن التزامن الزمني لا يشكل في حد ذاته دليلًا على وجود علاقة سببية بين الحدثين.

وتوضح هذه المعطيات ضرورة الفصل بين الوقائع المثبتة، والتقديرات الإعلامية، والفرضيات السياسية. فإسناد المسؤولية إلى طرف واحد، من دون أدلة كافية، قد يحول الأزمات الحدودية إلى أدوات لتبادل الاتهامات، بدلًا من استخدامها فرصة لتطوير آليات مشتركة للإنذار المبكر والاستجابة الإنسانية والتنسيق المؤسسي.

كما أن التركيز الرسمي على التضليل الإعلامي وشبكات التهريب، رغم أهميته، لا ينبغي أن يحجب الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل بعض الشباب أكثر استعدادًا للمخاطرة بحياتهم من أجل الوصول إلى أوروبا. فالعوامل الأمنية قد تفسر كيفية وقوع أزمة معينة، لكنها لا تقدم وحدها تفسيرًا كافيًا لاستمرار الظاهرة.

ثالثًا: فجوة الفرص وتحولات الهجرة المغربية

تختلف دوافع الهجرة المغربية، في جوانب أساسية، عن أنماط النزوح المرتبطة بالحروب الأهلية والانهيار المؤسسي. فالمغرب، وفق الإطار التحليلي الذي يتبناه التقرير، ليس دولة تعيش حربًا داخلية أو انهيارًا شاملًا لمؤسساتها، بل بلد يواجه تحديات في سوق العمل وتوزيع الفرص والاستفادة من الطاقات البشرية المتعلمة.

ومن ثم، يمكن فهم جانب مهم من الهجرة المغربية بوصفه «هجرة تطلعات»، يسعى فيها الأفراد إلى تحسين مستويات دخلهم، والاستفادة من مؤهلاتهم، والوصول إلى فرص مهنية تتناسب مع توقعاتهم. ولا يعني ذلك غياب دوافع أخرى، مثل التفاوتات الإقليمية أو الاعتبارات الأسرية أو الرغبة في الاستقرار الاجتماعي، بل يشير إلى أن نقص الفرص يمثل أحد العناصر المركزية في تفسير الظاهرة.

وتدعم الأرقام الواردة في التقرير أهمية هذه المسألة. فبحسب المندوبية السامية للتخطيط في المغرب، بلغ معدل البطالة الوطني 13% عام 2025، في حين وصل إلى 38.4% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، وإلى 25.7% بين خريجي الجامعات. وتوحي هذه الفجوة بأن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الوظائف المتاحة، بل كذلك بنوعية الوظائف، وقدرتها على استيعاب المؤهلات، ومدى توافق مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد.

وتكمن خطورة هذه الفجوة في أنها قد تولد شعورًا بانسداد المسارات المهنية لدى فئات استثمرت في التعليم واكتساب المهارات، لكنها لا تجد عائدًا مناسبًا لذلك الاستثمار داخل السوق المحلية. وفي هذه الحالة، لا تصبح الهجرة مجرد استجابة للفقر، بل وسيلة متصورة لتحقيق الحراك الاجتماعي والمهني.

لكن تحويل هذه القراءة إلى سياسة عامة يتطلب الحذر من اختزال الشباب المغربي في فئة واحدة، أو افتراض أن البطالة وحدها تفسر جميع قرارات الهجرة. فالعوامل الاقتصادية تتداخل مع التوقعات الاجتماعية، والتصورات المتعلقة بجودة الحياة، والروابط العائلية في الخارج، وسهولة الوصول إلى شبكات الهجرة.

رابعًا: الجالية المغربية بين التحويلات المالية والاستثمار المنتج

تمثل الجالية المغربية بالخارج موردًا استراتيجيًا يتجاوز التحويلات المالية المباشرة، إذ يمكنها الإسهام في نقل المعرفة والتكنولوجيا، وتوسيع شبكات التصدير، وتعزيز العلاقات التجارية، وتطوير المهارات المهنية، وفتح قنوات للتعاون بين المؤسسات المغربية ونظيراتها في الخارج.

ووفق الأرقام الواردة في التقرير، تجاوزت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 11.7 مليار دولار عام 2024، بما يعادل أكثر من 8% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، أشار التقرير إلى أن استثمارات الجالية لا تمثل سوى نحو 10% من إجمالي الاستثمار الخاص الوطني، وهو مستوى وصفه الملك محمد السادس بأنه غير مقبول.

وتكشف هذه المقارنة عن فجوة محتملة بين القدرة المالية للجالية ومساهمتها المباشرة في الاستثمار المنتج. فالتحويلات المالية قد تؤدي دورًا مهمًا في دعم استهلاك الأسر، وتحسين مستويات المعيشة، وتمويل التعليم والسكن، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى مشروعات تخلق وظائف مستدامة أو تعزز الإنتاجية المحلية.

ومن الضروري هنا التمييز بين التحويلات المالية والاستثمار المباشر؛ فلكل منهما وظيفة اقتصادية مختلفة، ولا ينبغي اعتبار التحويلات التي تُستخدم في الاستهلاك أو الاحتياجات الأسرية موارد مهدرة. وإنما يتمثل التحدي في بناء قنوات اختيارية وموثوقة تسمح بتوجيه جزء من مدخرات الراغبين في الاستثمار نحو مشروعات ذات جدوى اقتصادية واجتماعية واضحة.

ويطرح التقرير فرضية مفادها أن بعض تدفقات الاستثمار قد تستفيد منها شبكات حضرية أقرب إلى مراكز القرار، على حساب مناطق أخرى. لكن هذه الفرضية، وفق النص نفسه، لم تُقَس بعد بصورة كافية في الحالة المغربية، ولذلك ينبغي اختبارها ببيانات تفصيلية على المستوى الجهوي، بدلًا من تقديمها باعتبارها حقيقة محسومة.

وهنا تبرز أهمية صندوق استثمارات الجالية، لا بوصفه أداة مالية منفصلة، بل باعتباره آلية محتملة لإعادة توزيع الفرص الاستثمارية، وتعزيز الشفافية، وربط رأس المال الخاص بأولويات التنمية المحلية.

خامسًا: صندوق استثمارات الجالية بوصفه أداة للتنمية المشتركة

يقوم المقترح على إنشاء صندوق للمغاربة المقيمين بالخارج، يستلهم مفهوم «صندوق التحوط للجاليات» الذي طرحه الدكتور أنيس هـ. باجريكتاريفيتش، ويكيّفه مع الخصوصية الاقتصادية والمؤسسية المغربية.

ويمكن أن يتجاوز هذا الصندوق نموذج جمع الأموال التقليدي، ليصبح منصة استثمارية تربط مدخرات الجالية بالمشروعات الإنتاجية، مع توفير معايير واضحة للحوكمة، والإفصاح المالي، وتقييم المخاطر، وقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي.

ولكي يحقق الصندوق أهدافه، ينبغي أن يستند إلى مجموعة من المبادئ.

أولها، التوجيه الجغرافي للاستثمار نحو المناطق التي تواجه تحديات أكبر في التشغيل وتظهر فيها دوافع قوية للهجرة، ومنها مناطق الريف والحسيمة والناظور والجنوب الشرقي. ويهدف ذلك إلى الحد من تركز الاستثمارات في المحاور الحضرية الكبرى، وتوسيع قاعدة التنمية الإقليمية.

وثانيها، التركيز على القطاعات الإنتاجية التي تستجيب لاحتياجات الاقتصاد المغربي، بدلًا من الاكتفاء بالمشروعات الرمزية أو المبادرات التي تستجيب لمؤشرات الجهات الممولة أكثر مما تستجيب لمتطلبات السوق المحلية. ويمكن أن تشمل هذه القطاعات الصناعات التحويلية، والتكنولوجيا، والخدمات الرقمية، وسلاسل القيمة الزراعية، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة القابلة للنمو.

وثالثها، إشراك الكفاءات المغربية بالخارج في نقل الخبرات والإرشاد المهني والتدريب، من خلال برامج للعودة المؤقتة للخبراء، والشراكات بين الجامعات والشركات، ومبادرات نقل التكنولوجيا. فالقيمة الاستراتيجية للجالية لا تكمن في الأموال وحدها، بل في رأس المال البشري وشبكات المعرفة والخبرة التي راكمتها.

ورابعها، ربط الاستثمار بإصلاح العلاقة بين التعليم والتوظيف، بحيث لا ينصب الاهتمام على خلق وظائف إضافية فحسب، بل على توفير وظائف ملائمة للمؤهلات، وتحسين جودة التدريب، وتطوير الشراكات بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص.

ويتطلب نجاح الصندوق كذلك تصميمًا مؤسسيًا يمنع تضارب المصالح، ويحد من المخاطر المرتبطة بسوء الإدارة، ويضمن أن تكون قرارات الاستثمار قائمة على معايير اقتصادية معلنة. كما ينبغي تحديد دوره بدقة: فهو ليس بديلًا من الاستثمار العام أو الإصلاحات الهيكلية، ولا يمكن تحميله وحده مسؤولية معالجة البطالة أو الحد من الهجرة. وإنما يمثل أداة مكملة ضمن سياسة تنموية أشمل.

سادسًا: إعادة بناء الشراكة المغربية الأوروبية

لا يمكن لصندوق استثمارات الجالية أن يحقق أثرًا مستدامًا إذا بقي منفصلًا عن إطار أوسع للتعاون بين المغرب والاتحاد الأوروبي. فالتحدي الحقيقي يتمثل في بناء توافق بين ثلاثة مستويات من المصالح: احتياجات الشباب المغربي إلى فرص اقتصادية ومهنية ذات قيمة، ومصلحة الدولة المغربية في تنمية أقاليمها وتعزيز استقلالية قرارها التنموي، واحتياجات أوروبا إلى إدارة الهجرة بصورة منظمة ومستدامة.

ومن منظور أوروبي، يمكن أن يوفر الاستثمار المنتج في المغرب مسارًا مكمّلًا للتعاون الحدودي، من خلال دعم التشغيل وتعزيز التنمية المحلية وتوسيع فرص التعاون التجاري. أما من منظور المغرب، فينبغي ألا يتحول هذا التعاون إلى التزام أحادي بحماية الحدود الأوروبية، بل يجب أن يرتبط بمنافع اقتصادية قابلة للقياس، ونقل للتكنولوجيا، وتطوير للمهارات، وتحسين فرص الوصول إلى الأسواق.

ويقتضي ذلك الانتقال من منطق التمويل المرتبط بالأزمات إلى برامج طويلة الأجل، تُبنى على مؤشرات أداء واضحة، تشمل عدد الوظائف المستدامة التي أُنشئت، ونوعية هذه الوظائف، وتوزيعها الجغرافي، ومعدلات بقاء المشروعات، وحجم مشاركة الكفاءات المغربية بالخارج.

كذلك، يجب ألا تُقاس نتائج السياسة الجديدة بانخفاض أعداد المهاجرين وحده؛ فالهجرة النظامية والتنقل المهني يمكن أن يكونا عنصرين إيجابيين في التنمية، كما أن حرية التنقل والحقوق الأساسية تظل اعتبارات ضرورية في أي إطار للتعاون. والهدف الأكثر واقعية هو تقليص الهجرة الاضطرارية أو الخطرة، وتوسيع الخيارات المتاحة للشباب، بحيث يصبح البقاء في المغرب خيارًا ممكنًا ومجديًا، لا نتيجة لغياب البدائل.

خاتمة: من إدارة الحدود إلى إدارة الفرص

تكشف تجربة الشراكة المغربية الأوروبية أن الأمن الحدودي، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لبناء سياسة مستدامة للهجرة. فالمعالجة الفعالة تتطلب الجمع بين التعاون الأمني، والتنمية الإقليمية، والاستثمار المنتج، وإصلاح سوق العمل، وتوظيف إمكانات الجالية المغربية بالخارج.

وفي هذا الإطار، يمكن لصندوق استثمارات الجالية أن يشكل أداة واعدة إذا صُمم على أسس مؤسسية شفافة، واستهدف المناطق الأكثر احتياجًا، وربط التمويل بخلق وظائف ذات قيمة مضافة، وأتاح مشاركة الكفاءات المغربية في نقل المعرفة والتكنولوجيا. لكنه لن ينجح إذا اقتصر على تجميع الأموال أو تحول إلى واجهة مالية تفتقر إلى الحوكمة والمساءلة.

أما على المستوى الأوروبي، فإن استمرار اختزال الهجرة في ضبط الحدود سيبقي التعاون عرضة للتوترات الدبلوماسية والأزمات المفاجئة. وتقتضي الشراكة الأكثر توازنًا الاعتراف بأن الاستقرار لا يتحقق عبر منع الحركة وحده، بل من خلال توسيع الفرص الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل قرارات الهجرة أكثر حرية وأقل ارتباطًا بانسداد الآفاق.

وعليه، فإن التحول المطلوب ليس من الأمن إلى التنمية بمعنى الاستغناء عن الأول، بل من المقاربة الأمنية المنفردة إلى نموذج متكامل يجمع الأمن والتنمية والاستثمار والحوكمة. وعندما يترجم هذا النموذج إلى مصنع يعمل في منطقة مهمشة، أو وظيفة نوعية لشاب متعلم، أو مشروع تقوده كفاءات مغربية عائدة من الخارج، يصبح الاستثمار في التنمية جزءًا عمليًا من إدارة الهجرة، لا مجرد شعار في الخطاب الدبلوماسي.