عبد اللطيف المناوي

الثقافة ليست احتفالية أو ترفًا

آراء حرة - عبد اللطيف المناوي

كلما أرادت مؤسسة أن تثبت اهتمامها بالثقافة، سارعت إلى تنظيم مهرجان أو مؤتمر أو حفل تكريم. تُرفع اللافتات، وتُلتقط الصور، وتُلقَى الكلمات عن التنوير والوعى والقوة الناعمة، ثم ينتهى الحدث ويعود كل شيء إلى ما كان عليه. لا اعتراض بالطبع على الاحتفالات والمهرجانات، فهى قد تفتح نافذة للفن والمعرفة، لكنها تصبح مشكلة عندما نتعامل معها باعتبارها الثقافة نفسها، لا مجرد مظهر من مظاهرها.

الثقافة أعمق من حفل افتتاح، وأصعب من برنامج مزدحم بالندوات. إنها الطريقة التى يرى بها المجتمع نفسه والآخرين، واللغة التى يستخدمها فى الاختلاف، ومدى احترامه للمعرفة والخبرة والجمال. تظهر الثقافة فى المدرسة قبل المسرح، وفى طريقة التعامل داخل المصلحة الحكومية قبل قاعة الندوات، وفى مستوى الحوار العام قبل عدد الكتب المعروضة فى معرض سنوى.

قد تقيم دولة مئات الفعاليات الثقافية، بينما يتراجع فيها الإقبال على القراءة، وتُهمل مكتبات الأقاليم، ويعانى الفنانون والكتّاب من صعوبة الوصول إلى جمهورهم. وقد تُنفق أموال كبيرة على مبانٍ ثقافية لامعة، من دون أن تتوافر لها إدارة كفؤة أو برامج دائمة أو حرية كافية للإبداع. المبنى لا يصنع ثقافة من تلقاء نفسه، تماماً كما لا يصنع إنشاء مدرسة تعليم جيد ما لم يوجد المعلم والمنهج والبيئة التى تحترم السؤال.

الثقافة الحقيقية عمل يومى طويل، ونتائجها لا تظهر بسرعة. تبدأ من طفل يجد كتابا يناسب عمره، ومدرس لا يعاقبه لأنه طرح سؤالا غير مألوف، ومكتبة عامة قريبة منه، ومسرح لا يقتصر وجوده على العاصمة، ومحتوى رقمى يحترم عقله. تبدأ كذلك من حماية التراث من الإهمال، لا من استخدامه خلفية للاحتفالات، ومن ترجمة الفكر العالمى، وتشجيع الإنتاج المحلى، وإتاحة الفنون لمن لا يملك ثمنها.

بناء التذوق وتشجيع التفكير النقدى وترسيخ قبول الاختلاف هى أمور تحتاج إلى سنوات ولا تمنح صاحب القرار إنجازا سريعا يمكن عرضه؛ لذلك تميل بعض السياسات الثقافية إلى ما يمكن تصويره، لا إلى ما يمكن أن يغير المجتمع فعلاً.

والثقافة ليست ترفًا يمكن تأجيله حتى تنتهى المشكلات الاقتصادية. فهى تدخل فى صميم الاقتصاد والسياسة والاستقرار الاجتماعى. مجتمع يحترم العمل والإتقان والوقت يختلف اقتصادياً عن مجتمع يتسامح مع العشوائية. ومجتمع يتعلم إدارة الاختلاف يكون أقل استعداداً للعنف والتطرف. حتى صورة الدولة فى الخارج لا تُبنى بحملات العلاقات العامة وحدها، بل بما تنتجه من أفكار وفنون وأدب وسينما، وبالمساحة التى تمنحها لمبدعيها.

ليس المطلوب إلغاء المهرجانات أو التقليل من قيمتها، بل وضعها داخل مشروع أكبر. ليس المهم عدد الفعاليات لكن ماذا تغير بعدها.

الاحتفال قد يلفت الانتباه إلى الثقافة، لكنه لا يستطيع أن يحل محلها. فالثقافة ليست موسمًا ينتهى، بل بناء بطيء للإنسان، وإذا لم يصل أثرها إلى طريقة تفكيره وحياته اليومية، تبقى الأضواء جميلة، لكن المسرح من الداخل يظل فارغاً.

نقلا عن صحيفة المصري اليوم